هذا الموقع محمي بموجب اتفاقية حماية حقوق المحتوي العالمية

رواية مسيرة الملوك | مورغان رايس - الفصل التاسع

مرحباً بكم أصدقائي وأحبابي عاشقي القراءة والقصص الخيالية و روايات مترجمة علي موقعنا قصص 26  وموعدنا اليوم مع الفصل التاسع من رواية مسيرة الملوك وهي الكتاب الثاني من "سلسلة طوق الساحر" للكاتب مورغان رايس وهي السلسلة التي تمتلك كل المقومات لتحقيق النجاح.
سنغوص سويا داخل سلسلة طوق الساحر وعبر أجزائها المتتالية في عالم من المؤامرات و المؤامرات المضادة و الغموض و الفرسان الشجعان و العلاقات المزدهرة التي تملئ القلوب المكسورة, الخداع و الخيانة, تابع الجزء الأول: رواية السعي من أجل البطولة
سوف تقدم لك الترفيه لكثيرٍ من الوقت, وستتناسب مع جميع الأعمار. لذلك نوصي بوضعها في المكتبة الدائمة لجميع قرّاء القصص الخيالية.

رواية مسيرة الملوك | مورغان رايس - الفصل التاسع

رواية مسيرة الملوك لـ مورغان رايس
رواية مسيرة الملوك لـ مورغان رايس

رواية مسيرة الملوك | مورغان رايس (الكتاب الثاني في "سلسلة طوق الساحر") 

الفصل التاسع

انطلق الملك ماكلاود على رأس فرقة جنودٍ صغيرة, مُجهزين بعتاد المعركة ويرتدون الدروع المميزة بالنحت البرتقالي لشعار الماكلاود عليها. رجل شجاع طويل القامة, عريض المنكبين ويملك القليل من الدهون, مع لحيةٍ قصيرةٍ حمراء وشعرٍ طويل أغلبه رماديّ اللون, كان صاحب أنفٍ واسع ذو ندبات من المعارك الكثيرة, وفكٍ واسع. كان الرجل الذي لا يخشى أيّ شيءٍ في الحياة. كان قد بلغ للتو سنواته الخمسين, لقد اشتهر بأنه الماكلاود الأكثر عدوانيةٍ ووحشيةٍ بين جميع ملوك الماكلاود الذين سبقوه. كانت سمعةً يُعتزّ بها.
كان ماكلاود قد أخذ من الحياة كل ما يمكن لها أن تعطيه, وحتى الذي لم تكن تريد أن تعطيه, كان يأخذه منها. في الواقع كان يحب أن يأخذ بيده أكثر من أن يُعطى. كان يستمتع بجعل الآخرين بائسين, يستمتع بحكم مملكته بقبضةٍ من حديد. كان يستمتع بعدم إظهار أيّة رحمة, يدير جنوده بالنظام والانضباط على عكس ما كان يفعله جميع الماكلاود الذين سبقوه, وكان ذلك الشيء يُظهر فعاليته. كان الرجال الاثني عشر يسيرون خلفه بانضباط وكخط واحد, لا يجرؤ أحدٌ منهم على التحدث معه أو على القيام بأصغر الأشياء بعكس ما كان يريده. كان من بين الرجال ابنه, الأمير, الذي يركب حصانه خلفه, وعشرة من أفضل الرماة لديه يسيرون خلف ابنه.
كان الملك ماكلاود ورجاله قد انطلقوا على ظهور خيولهم بجدٍ طوال اليوم. كانوا قد اخترقوا المعبر الشرقي لوادي كانيون في الصباح الباكر, واستمرت فرقتهم الصغيرة في المسير شرقاً عبر السهول الترابية لنيفاري. كانوا حذرين ومتأهبين جداً لأي كمين قد يكون منصوباً لهم. ساروا وساورا, بينما كانت الشمس ترتفع وتبدأ بالانخفاض مجدداً. والآن أخيراً, والأتربة تغطيهم من السهول التي مروا بها, استطاع ماكلاود أن يرصد بحر أمبريك في الأفق.
لقد كان أصوات الخيول الجامحة يملأ أذنيه, والآن وصلت رائحة هواء البحار إلى أنفه. كان ذلك بعد ظهر يومٍ صيفيّ بارد, والشمس الثانية تسير في السماء, وتلقي بظلال الألوان الفيروزية والوردية في الأفق. شعر ماكلاود بنسيم المحيط وهو يداعب شعره, بينما كان ينظر إلى الأمام باتجاه المحيط. لقد مرت سنواتٌ عديدة منذ أن رأى المحيط آخر مرة: لقد كانت مخاطرةً كبيرة حيث أنهم اضطروا إلى اختراق كانيون والسير لمسافة خمسين ميلاً ضمن الأراضي الغير محمية. وبالطبع كان للمكلاود أساطيل السفن الخاصة بهم في المياه, كما كان لماكجيل على جانبهم من الطوق أساطيلهم كذلك. ومع ذلك فهو لا يزال عملاً محفوفاً بالمخاطر كونه يقع خلف درع الطاقة في وادي كانيون. لقد كانت الإمبراطورية كل فترة قصيرة تأخذ واحدةً من سفنهم, ولكن الماكلاود لم يكن يمكنهم القيام بشيءٍ حيال ذلك في الواقع. كانت الإمبراطورية تفوقهم عدداً بشكل كبير.
ولكن هذه المرة, كان الأمر مختلفاً. تمّ اعتراض سفينة للماكلاود في عرض البحر من قِبل الإمبراطورية, وكالعادة كانت الإمبراطورية قد أخذتها كي تطلب فدية مقابل ذلك. ولكن الماكلاود لم يقوموا مسبقاً بدفع أي فدية, وقد كان ذلك شيئاً يفخر به الملك ماكلاود. وبدلاً من ذلك, كان يدعهم يقتلون رجاله. كان يرفض أن يشجعهم على فعل ذلك.
ولكن شيئاً ما قد تغير, لأنهم هذه المرة قاموا بإطلاق سراح الرجال وأرسلوهم مرة أخرى مع رسالةٍ بأنهم يريدون أن يلتقوا مع الملك ماكلاود. افترض ماكلاود أنها لن تكون سوى عن أمرٍ واحد: اختراق كانيون وغزو الطوق, والتحالف معه من أجل إسقاط ماكجيل. لسنواتٍ طويلة, والإمبراطورية تحاول إقناع ماكلاود كي يسمح لهم باختراق وادي كانيون ودرع الطاقة, ويدعهم يدخلون إلى داخل الطوق كي يتمكنوا من احتلال الاراضي الوحيدة المتبقية على هذا الكوكب خارج سيطرتهم. وبالمقابل كانوا يعدونه بمشاركته في السلطة والحكم.
السؤال الصعب الذي كان يدور في ذهن ماكلاود دائماً: ما هي مصلحته في ذلك؟ وكم ستكون الإمبراطورية مستعدةً لمنحه مقابل ذلك؟ لقد رفض عروضهم لسنواتٍ طويلة. ولكن هذه المرة كانت الأمور مختلفة. لقد أصبحت ماكجيل قويةً جداً, وبدأ يدرك ماكلاود أنه لن يتمكن من تحقيق حلمه في السيطرة على الطوق من دون مساعدةٍ خارجية.
بينما كانوا يقتربون من الشاطئ, كان ماكلاود ينظر إلى الخلف باتجاه عروسة ابنه الجديدة التي كانت تسير معهم, الزوجة الغنيمة التي حصل عليها من ماكجيل. كم كان ماكجيل غبياً بإعطائهم ابنته وإبعادها عنه. هل يعتقد حقاً بأنّ هذا من شأنه أن يحقق السلام بينهم؟ هل يعتقد بأن ماكلاود كان لطيفاً وغبياً إلى هذا الحد؟ بالطبع إنّ ماكلاود قبل العروس الجديدة, كما لو كان يقبل قطيعاً من الماشية. كان من الجيد أن تملك دائماً بعض الأشياء, كي يكون لديك ورقة مساومة. ولكن هذا لن يجعله مستعداً للسلام أبداً. إن كل الذي حصل جعله يتشجع أكثر, جعله يريد أن يتقدم داخل جانب ماكجيل من الطوق أكثر من الذي يملكه, خاصةً بعد الزفاف, بعد أن دخل إلى مملكة ماكجيل ورأى سخاءه معهم. أراد ماكلاود كل شيءٍ لنفسه, كان يحترق كي يصبح كل شيءٍ ملكه.
وأخيراً بدأت المجموعة تقترب من حافة المياه, بينما أصبحت حوافر الخيول تغرق وبدأت أوزانهم تصبح أثقل. ضرب الرذاذ البادر وجه ماكلاود, لقد أحسّ بشعورٍ جدي بعودته إلى هنا, إلى هذا الشاطئ الذي لم يره منذ سنواتٍ عديدة. لقد جعلته الحياة مشغولاً جداً باعتباره الملك. لقد كانت في مثل هذه الأيام عندما قرر التخلي عن مسؤولياته كلها كي يقضي المزيد من الوقت من أجل حياته مرةً أخرى.
فوق الأمواج ومن مسافةٍ بعيدة, تمكن ماكلاود من رؤية أسطول سفن الإمبراطورية السوداء وهي تبحر مع العلم الأصفر الكبير, وشعار الدرع الأسود في وسطها, مع القرنين الذين يبرزان من خلفه. كانت تلك السفن ترسو على بعدٍ ليس أكثر من مئة ياردةٍ من الشاطئ, وهي تنتظر وصولهم. وكان خلفهم عشرات السفن الأخرى. تساءل ماكلاود إذا كان ذلك مجرد استعراضٍ للقوة, أم كانت الإمبراطورية تخطط لنصب كمينٍ لهم؟ كانت هذه فرصته وعليه أخذها, وأمل ماكلاود أن تكون الأولى. وبعد كل ذلك فإن قتله لن يساعدهم على اختراق كانيون, وهذا ما كانوا يريدونه بالفعل. ولهذا السبب لم يجلب ماكلاود أكثر من اثني عشر رجلاً معه: لقد أعتقد أن ذلك سيجعله يبدو اقوى. على الرغم من ذلك فقد اختار عشرةً من أفضل الرماة لديه, مع سهامهم المسمومة التي كانت على أهبة الاستعداد في حال حصول أي طارئ.
توقف ماكلاود ورجاله على حافة المياه, وخيولهم تلهث بشدة. ترجّل ماكلاود وتبعه الباقون, ثمّ بدأوا بالتجمع حوله. لا بدّ أن سفن الإمبراطورية استطاعت رصدهم, لأن ماكلاود رأى قارباً خشبياً صغيراً يتمّ إنزاله نحو المياه بجانب إحدى السفن, وفي داخله ما لا يقل عن اثني عشر رجلاً من هؤلاء الرجال المتوحشين. لقد كانوا يستعدون للتوجه إلى الشاطئ. نظر ماكلاود إلى تلك الأشرعة وشعر بشعور سيءٍ داخله: لقد كان يكره التعامل مع هؤلاء المتوحشين, هؤلاء الذين قد يخونونه بكل سرور لو استطاعوا, بعد أن يخترقوا كانيون ويصلوا إلى جانب الطوق الآخر.
تجمع الرجال حول ماكلاود وعلى مقربةٍ منه.
"عند الإحساس بأي خطر, قوموا بتناول سهامكم وأطلقوا لها العنان, استهدفوا مراكبهم فوراً. يمكنك استهداف الأسطول كله بعشرات السهام التي تملكونها."
"نعم, سيدي." جاء الصوت كرجلٍ واحد.
وقف ابن ماكلاود, ديفون, بجانبه. بينما وقفت زوجته الجديدة من ماكجيل بجانبه وهي تنظر بذعرٍ باتجاه المياه. لقد كانت فكرة ماكلاود أن يحضرها معهم إلى هنا, كان يريد أن يزرع الخوف في قلبها. أرادها أن تعرف أنها اصبحت ملكيةً لماكلاود الآن, وأن عليها الاعتماد عليهم وعليهم فقط من أجل سلامتها. أرادها أن تعلم أنّ والدها ومملكته أصبحت بعيدةً جداً عن هنا, وأنها لن تعود إلى هناك أبداً.
ولقد نجحت خطته, فقد وقفت هناك تنظر بهلع وتتشبث بديفون بشدة. ديفون, الابن الغبي, لم يدرك أي قيمةٍ وراء هذه الأشياء كلها. وليزيد اشمئزاز ماكلاود منه, بدا أنه مغرمٌ بتلك الفتاة بشدة.
"ماذا تظن أنهم يريدون منا؟" سأل ديفون وهو يقترب من أبيه قليلاً.
"ما الذي يمكن أن يريدوه؟" قاطعه ماكلاود. "فتى غبي. يريدوننا أن نفتح لهم بوابات وادي كانيون."
"وهل ستتركهم يفعلون ذلك؟ هل ستقوم بعقد اتفاقٍ معهم يا أبي؟"
التفت ماكلاود وحدّق بديفون بشدّة, كان ينظر إليه بغضبٍ شديد, حتى فهم الفتى قصده ونظر إلى الأرض.
"لم أقم بمناقشة أفكاري مع أي شخصٍ من قبل, سوف تعرف قراري عندما أصدره. وفي هذه الأثناء فقط قف وشاهد, وتعلم مني."
وقف الجميع هناك بصمت, بينما كان قارب الإمبراطورية يقترب من الشاطئ. كانوا لا يزالون بعيدين عدة دقائق عنهم, يجدفون بقوة مقابل الأمواج التي كانت تتحطم فوق مياه البحر, في تيارات المياه الغريبة هذه. كانوا قد قطعوا حوالي مئة ياردة وكأنهم يحاربون من أجل الوصول إلى الشاطئ. كان ماكلاود سعيداً لأنه لم يكن يقوم بالتجديف معهم: كان يتذكر شبابه, عندما كان يبذل طاقةً كبيرة ويجدف بجدٍ وهو يشاهد مقدمة القارب تعلو وتنخفض فوق الأمواج المتحطمة.
وفجأة سمع ماكلاود صوت ركضٍ حصانٍ قادمٍ من بعيد, وبدون أي شك أفترض ماكلاود أنه لا يبعد سوى حوالي ميلٍ عنهم, وعلى الفور هيّأ نفسه لأي شيءٍ من الممكن أن يحصل, لقد كان على أهبة الاستعداد. التفت رجاله جميعاً أيضاً, ووجهوا سيوفهم وأقواسهم المعدّة للهجوم باتجاه الصوت. كان ذلك ما يخشاه ماكلاود: هل كان ذلك مجرد فخ؟
ولكن بينما كان ينظر في الأفق, لم يرى أي أثرٍ لجيش أو لجنود. كان ما رآه مختلفاً عمّا توقعه تماماً, لقد كان حصاناً واحداً, يركض عبر السهول ويثير سحابةً كبيرةً من الغابر خلفه. ويستمر بالاتجاه نحو الشاطئ, باتجاههم مباشرةً. كان الرجل يركب على حصانه مرتدياً لوناً برتقالياً مع الخطوط الزرقاء التي كانت على كتفيه, مما يدلّ على أنه رسول.
الرسول الذي كان يركض باتجاههم في هذا المكان القاحل, لا بدّ أنه كان يتبعهم على طول الطريق من المملكة. تساءل ماكلاود: ما هذا الأمر العاجل الذي من شأنه أن يجعل المملكة ترسل الرسول إليهم, وفي هذا المكان؟ لا بدّ أنّه نبأٌ هامٌ جداً.
وصل الرسول إليهم بسرعة, وترجل من على حصانه الذي توقف بالكاد بعد هذا العدو السريع. وقف الرجل هناك, يلهث ويتنفس بصعوبة, تقدم عدة خطواتٍ نحو ماكلاود, ثمّ انخفض راكعاً أمامه وأنزل رأسه.
"مولاي, أحمل إليكم أخباراً من المملكة," قال ذلك وهو يلهث بشدة.
"حسناً, ما هي تلك الأخبار؟" قاطعه ماكلاود وهو لا يطيق الانتظار, بينما كان ينظر خلفه متحققاً من سفينة الإمبراطورية, التي كانت تقترب منهم باتجاه الشاطئ. لماذا جاء الرسول الآن من بين جميع الأوقات؟ في أحنك الأوقات وأشدها, حيث كان عليهم أن يقفوا متأهبين لاستقبال سفينة الإمبراطورية.
"بسرعة, قل ذلك الشيء." صاح ماكلاود.
وقف الرسول وهو يتنفس بصعوبة.
"مولاي, لقد مات الملك ماكجيل."
ساد صمت رهيب بين جميع الرجال, وبالذات ماكلاود.
"مات؟" سأل ماكلاود, وكأنه لم يفهم ما قاله للتو. كان قد تركهم منذ فترة قصيرة جداً, لقد كان الملك في أوج قوته.
"لقد قتل," أجب الرسول. "طُعن حتى الموت في غرفته."
انطلقت صرخةٌ مدويّةٌ بجانبهم, التفت ماكلاود لرؤية ابنة الملك ماكجيل, وهي تبكي بشدة وتضرب نفسها بذراعيها بشكل هستيري.
"لا!" صرخت عالياً. "أبي."
كانت تصيح وتبكي وتلطم نفسها بذراعيها, حاول ديفون منعها من ذلك, ولكنه لم يتمكن من تهدئتها.
"دعني أذهب!" قال وهي تنحب بشدة. "يجب علي أن أذهب إليهم بسرعة, يجب أن أراه!"
"إنه ميت," قال لها ديفون.
"لا!" صرخت عالياً.
لم يكن بإمكان ماكلاود أن يجعل الإمبراطورية ترى إحدى نسائهم وهي تصرخ بهذا الشكل, دون أن تتمالك نفسها. كما أنه لم يرد أن تنتقل الأخبار إليهم, كان عليه أن يهدئها بسرعة.
تقدم ماكلاود إلى الأمام وصفعها بقوة على وجهها, كانت صفعة قويةً جداً سمع دويها في المكان. سقط الفتاة منهارةً بين ذراعي ديفون الذي كان ينظر إلى والده بفزعٍ شديد.
"ما الذي فعلته؟" صاح ديفون بسخط. "إنها عروستي!"
"إنها من ملكيتي," قاطعه ماكلاود مصححاً كلامه. ظلّ يحدّق بابنه بشدة حتى هدأ قليلاً.
التفت ماكلاود إلى الرسول.
"هل أنت متأكدٌ من أنه ميت؟"
"بكل تأكيد, سيدي. جانبهم من الطوق بكامله ينعي وفاته. جنازته كانت في صباح هذا اليوم, إنه ميت."
"والأكثر من ذلك," أكمل الرسول. لقد تمّت تسمية الملك الجديد, لقد قاموا بتعيين ابنه البكر ملكاً, غاريث."
غاريث, فكر ماكلاود بذلك. كم كان ذلك مثالياً, إنه غاريث أضعف الجميع, إنه أسوأ ملكٍ من الممكن أن يتم تعيينه. لقد كانت هذه أفضل الأخبار التي يتمنى ماكلاود أن يسمعها.
أومأ ماكلاود برأسه ببطء وهو يفرك لحيته, قام بجمع كل شيءٍ معاً. في الواقع كان هذا هو الخبر المناسب. خصمه ماكجيل, أصبح ميتاً, بعد مرور كل هذه العقود. لقد تمّ اغتياله. تساءل عمّن يمكن أن يكون قاتله, لقد كان يودّ أن يشكر هذا الرجل على فعلته تلك. كان آسفاً على شيءٍ وحيد فقط: أنه لم يكن من قام بذلك. لقد حاول بالطبع القيام بذلك على مرّ السنين, قام بإرسال العديد من القتلة الذين حاولوا التسلل إلى البلاط الملكي, ولكن أيّاً منهم لم ينجح. والآن يبدو أن أحد رجال ماكجيل نجح بالقيام بالشيء الذي عجز هو عنه.
لقد غيّر ذلك كل شيءٍ الآن.

التفت ماكجيل وتقدم عدة خطواتٍ باتجاه البحر, وهو يشاهد قارب الإمبراطورية يقترب منهم أكثر فأكثر. كان يموج مع تلك الأمواج, وأصبح الآن لا يبعد أكثر من ثلاثين ياردة عن الشاطئ. تقدم ماكلاود أكثر باتجاه المياه بعيداً عن الآخرين ووقف هناك وحيداً, واضعاً يديه على وسطه ويفكر بالأمر. سوف يغير هذا الخبر مجريات لقائه مع الإمبراطورية. مع قتل ماكجيل, ومع هذا الملك الجديد الضعيف, ستكون مملكة ماكجيل لقمةً سائغةً له. وفي الواقع, سيكون هذا هو الوقت المثالي للهجوم. من الممكن ألّا يحتاج الآن إلى أيّ مساعدةٍ من الإمبراطورية .
وصل القارب إلى الشاطئ, وتراجع ماكلاود عدة خطواتٍ إلى الخلف, بينما كان رجاله يحيطون به. كان هناك مالا يقل عن اثني عشر رجلاً من رجال الإمبراطورية الذين كانوا يجدفون بعزم, كانوا جميعاً كالوحوش. يلفون قطعاً حمراء زاهية من البراري كالمئزر, تستر عورتهم فقط. بينما كانوا يقفون أمامهم, استطاع ماكلاود أن يرى كما كانت أجسادهم ضخمةً ومخيفة. مع أن ماكلاود كان رجلاً ضخماً, إلّا أنه ومع ذلك لم يكن رأسه يصل إلى كتف أقصر رجل منهم, مع أكتافهم العريضة وعضلاتهم الموزعة على كامل بشرتهم الحمراء. كانت فكاكهم ضخمة, كفكاك الحيوانات, وعيونهم متباعدةٌ عن بعضها, بينما كانت أنوفهم غارقةٌ في رأسهم كمثلثٍ صغير. كانوا يملكون شفاهاً ضيقة وأنياباً طويلة, مع القرون الصفراء الطويلة التي كانت تخرج من رؤوسهم الصلعاء. لقد كان ماكلاود يعترف لنفسه بأنه يشعر بالخوف. لقد كانوا وحوشاً حقيقيين.
وقف قائدهم, أندرونيكوس, في الجزء الخلفي من السفينة. كان أطول رجالهم, كانت قامته تقريباً أطول من قامة ماكلاود بما لا يقل عن مرتين, وعيونه الصفراء تومض بشدة, وهو يبتسم ابتسامةً شريرةً جداً تظهر أسنانه الحادة. وبخطوتين واسعتين, قفز من القارب ووقف على الشاطئ. كان يرتدي قلادةً ساطعةً معلقةً بحبلٍ من الذهب, ويعلق عليها رؤوس أعدائه المقلصة1.اقترب منهم قليلاً ورفع إصبعه باتجاه ماكلاود, مظهراً يديه التي كانت كيد الآخرين تنتهي بثلاث مخالب حادة.
بينما كان يقفز على الرمال, قفز الرجال من حوله معه. وقفوا مشكلين نصف دائرة جميعاً وقائدهم يقف في وسطهم.
أندرونيكوس, لقد سمع ماكلاود الكثير من القصص حول هذا الرجل, لقد سمع عن قسوته وهمجيته, سمع عن قبضته الحديدية التي يسيطر فيها على كامل الإمبراطورية, على كامل الأراضي, ما عدا واحدة, الطوق. لقد كان ماكلاود لا يصدق بشكل كامل تلك القصص التي تُروى عنه, ولكن ليس بعد الآن, بعد أن وقف أمامه. لقد أحس بنفسه للمرة الأولى, طوال حياته التي يذكرها, يشعر بالخطر, حتى مع وجود رجاله الذين يحيطون به. لقد كان يتأسف لمجيئه إلى هذا الاجتماع.
تقدم أندرونيكوس إلى الأمام, ورفع ذراعيه إلى الأمام عالياً, وهو يفرد راحة كفيه, كانت مخالبه اللامعة تظهر بشدة وهو يبتسم تلك الابتسامة الواسعة. أصدر صوتاً يشبه الزمجرة من الجزء الخلفي من حلقه.
"أهلا بك," قال بصوته العميق جداً. "لقد جلبنا لك هديةً من البراري."
أومأ برأسه إلى الرجال, فتقدم أحد الرجال إلى الأمام حاملاً صندوقاً كبيراً مرصعاً بالجواهر. تلألأت تلك الجواهر في تلك الفترة من بعد الظهيرة تحت أشعة الشمس, نظر ماكلاود إلى الأسفل باتجاهها متسائلاً عما يمكن أن تكون.
سحب الرجل غطاء الصندوق إلى الأعلى, وقام بإخراج رأسٍ مقطوعٍ لرجل ما . شعر ماكلاود بالرعب وهو ينظر إلى ذلك الرأس, لقد بدا رجلاً في الخمسينيات من عمره وذو لحيةٍ سوداء كثيفة, عيونه مفتوحةً بشدة وهي تنظر نظرةً جامدةً جداً. كان الدم لا يزال يقطر من الجزء المتبقي من حنجرته. حدق ماكلاود بذلك الرأس وتساءل عما يقصده بذلك, وهو ينظر إلى أندرونيكوس محاولاً ألّا يبدي تأثره بذلك.
"هل هذه هدية؟ أم تهديد؟" سأل ماكلاود.
ابتسم أندرونيكوس.
"كلا," أجابه. "في مملكتنا, من الطقوس أن تعطي رأساً مقطوعةً لأحد أعدائك كهدية. يقال أنك إذا شربت الدم من الحلق مباشرةً, وهي لا تزال طازجة, تعطيك قوة العديد من الرجال.
اقترب الخادم من ماكلاود الذي أخذ الرأس وأمسكه من الشعر الدامي ثمّ رفعه عالياً. نظر إليه باشمئزاز, ولكنه لم يرغب أن يبدو ضعيفاً أبداً أمام هؤلاء المتوحشين. مدّ يده بهدوءٍ إلى الخلف مسلمّاً الرأس إلى واحدٍ من رجاله دون أن ينظر إلى ذلك.
"شكرا لك," قال ماكلاود.
ابتسم أندرونيكوس ابتسامةً عريضة. شعر ماكلاود بشعورٍ غريب وهو ينظر باتجاهه مباشرة, لقد شعر أنه أُخذ على حين غرة.
"هل تعلم لماذا دعوناكم إلى هذا الاجتماع؟" سأل أندرونيكوس.
"يمكنني أن أخمّن ذلك," أجابه ماكلاود. "أنتم تحتاجون مساعدتنا كي تصلو إلى داخل الطوق, كي تعبروا وادي كانيون."
أومأ أندرونيكوس برأسه, وعيناه تتلألأ بشيءٍ يشبه الإثارة أو الشهوة.
"نعم هذا صحيح, نحن نريد ذلك بشدة. ونعلم أيضاً أنه بإمكانك أن توفر ذلك لنا."
"لماذا لم تذهب إلى ماكجيل؟" سأل ماكلاود ذلك السؤال الذي يدور في ذهنه منذ مدة. "لماذا اخترتنا؟"
"إن عقلهم متصلب وغير مرن, بعكسكم."
"ولكن لماذا تعتقد أننا مختلفون عنهم؟" سأل ماكلاود وهو يريد اختباره, يريد أن يعرف كم كان يعلم عنهم.
"تخبرني جواسيسي بأنكم وماكجيل لم تعودوا متفقين معاً بعد الآن, وأنك تريد السيطرة على الطوق بأكلمه. ولكنك تعرف أنه لا يمكنك القيام بذلك لوحدك, إذا كان هذا حقاً ما تريده فأنت بحاجةٍ إلى حليف قويٍّ لمساعدتك في تحقيق ذلك. سوف تساعدنا في الدخول إلى الطوق, وبالمقابل سنساعدك نحن في الحصول على النصف الآخر من المملكة."
حدّق به ماكلاود متسائلاً عمّا يدور في رأسه. لقد كانت عيون أندرونيكوس كبيرةً وصفراء وغامضة, كانت تشع كثيراً. لا يملك أيّ فكرةٍ عمّا يفكر به.
"وما الذي سنكسبه نحن بذلك؟" سأل ماكلاود.
ابتسم أندرونيكوس.
"بالطبع, حالما تساعد جيوشنا على اجتياز الوادي ودخول الطوق, سوف يصبح الطوق جزءاً من إمبراطوريتنا, سوف تصبحون من البلدان التابعة لنا. سوف يكون عليك الاستجابة لنا, ولكنك ستكون حراً في حكمه كما يحلو لك. سأسمح لك بأن تحكم الطوق, وبأن تحافظ على جميع الغنائم لنفسك. كلانا سيفوز."
حدّق به ماكلاود, وهو يفرك لحيته.
"ولكن إذا كنت سأحكم الطوق كما يحلو لي, وسأحتفظ بجميع الغنائم لنفسي, ما الذي ستكسبه بالمقابل؟"
ابتسم أندرونيكوس ابتسامةً خبيثة.
"الطوق هي المملكة الوحيدة التي لا أملك السيطرة عليها على هذه الكوكب, وأنا لا أحب الاشياء التي لا يمكنني السيطرة عليها." وفجأة تحولت ابتسامته إلى تهجم, وفزع ماكلاود من تلك النظرة. "إنها تضرب مثالاً سيئاً للممالك الأخرى."
كانوا يقفون هناك بينما الأمواج تتحطم على الشاطئ من حولهم والشمس تنخفض أكثر فأكثر. أخذ ماكلاود يفكر ويعالج الأمور في ذهنه. لقد كانت يتوقع الجواب نفسه, ولكنه لا يزال يريد جواباً على سؤالٍ يدور في ذهنه ولمحٌّ أكثر من السابق.
"وكيف يمكنني أن أثق بك؟" سأل ماكلاود.
علت ابتسامةٌ عريضةٌ وجه أندرونيكوس.
"لا يمكنك," أجابه.
هذا الصدق في جوابه فاجأ ماكلاود جداً, ولكن للسخرية, جعله يثق به أكثر من السابق.
"ولكنني أيضاً, لا أعرف إذا كان بإمكاني الوثوق بك," أضاف أندرونيكوس. "فرغم كل شيء, ستكون جيوشنا غير محميةٍ بشكل جيدٍ داخل الطوق. يمكنك أن تقوم بإغلاق حصون كانيون ونحن في الداخل, ويمكنك أن تنصب كميناً لرجالنا. يجب علينا أن نثق ببعضنا."
"ولكنك تملك رجالاً أكثر مما نملك," أجبه ماكلاود.
"ولكن حياة كل شخص تعتبر ثمينةً بالنسبة لنا," قال أندرونيكوس.
لقد علم ماكلاود بأنه يكذب الآن, هل توقع حقاً أنه سيصدق ذلك؟ لقد كان يملك أندرونيكوس الملايين من الجنود تحت إمرته, وقد سمع ماكلاود خلال حياته الكثير من القصص عن تضحيته بجيوشٍ بأكملها, بالملايين من الرجال, من أجل الحصول على قطعةٍ صغيرةٍ من الأرض, من أجل أن يزيد نفوذه ولو قليلاً. هل من الممكن أن يفعل الشيء نفسه لخيانة ماكلاود؟ هل من الممكن أن يدع ماكلاود يحكم الطوق, ثمّ في يومٍ ما, سيقوم بقتله أيضاً, في يومٍ لا يتوقع فيه ذلك أبداً؟
فكّر ماكلاود بذلك جيداً, فقبل هذا اليوم كانت لديه فرصةٌ يعدّ نفسه لاستغلالها. فقد كانت هذه الخطة ستمكنه من السيطرة على الطوق بأكمله, وسيطيح بماكجيل. وبالطريقة التي كان يفكر بها, من الممكن أن يستعين برجال الإمبراطورية كي يفرض سيطرته على الطوق ثمّ يخونهم ويقوم بتنشيط درع الحماية كي يحاصرهم داخل الطوق ويقتلهم جميعاً.
ولكن بعد ما سمعه منذ قليل, بعد أن سمع بأنّ ماكجيل تمّ قتله وأن غاريث أصبح الملك الجديد, نظر ماكلاود إلى الأمور بشكلٍ مختلف. فبعد الآن من الممكن ألّا يحتاج إلى الاستعانة بالإمبراطورية. يا ليته تلقى هذه الرسالة قبل ذلك بقليل, قبل موافقته على هذا اللقاء. لكن ماكلاود لا يريد أن يستغني عن الإمبراطورية بشكل كامل, فربما سيحتاجهم من أجل شيءٍ ما في وقتٍ لاحق. كان عليهم أن يماطلهم قليلاً, كي يكسب بعض الوقت للتخطيط لاستراتيجية جديدة.
حدّق بأندرونيكوس وقام بفرك لحيته, متظاهراً بأنه ينظر في ذلك العرض, بينما كانت الأمواج تتخبط من حولهم ويتحول لون السماء إلى لونٍ أرجواني.
"أنا ممتنٌ لعرضك الذي قدمته إليّ, وسوف أفكر فيه بشكل جديّ."
تقدم أندرونيكوس فجأةً عدة خطواتٍ إلى الأمام, اقترب جداً بحيث تمكن ماكلاود من شمّ رائحة أنفاسه المروعة, ثمّ كشّر في وجهه. تساءل ماكلاود إذا كان قد أساء إليه بشيءٍ ما, وجهزّ نفسه كي يسحب سيفه بسرعة. لكنه كان متوتراً جداً للقيام بحركةٍ كهذه. يمكن لهذا الرجل إن يقسمه إلى نصفين إذا حاول القيام بذلك.
"لا تأخذ وقتاً طويلاً للتفكير بذلك," قال ذلك بغضبٍ شديد, بعكس روح الدعابة التي كان يحاول إظهارها. "أنا لا أحب الرجال الذين يأخذون وقتاً للتفكير, كما أنني لن أبقي عرضي لفترةٍ طويلة. إذا لم تقم بمساعدتنا في الدخول, سوف نجد طريقةً أخرى لذلك. وإذا تمكننا من الوصول إلى الداخل, فتأكد أننا سنقوم بسحقكم جميعاً. أبقي ذلك في ذهنك أثناء التفكير في الخيارات الموجودة لديك."
احمرّ وجه ماكلاود كثيراً, لم يتحدث معه أحدٌ بهذه الطريقة في أيّ وقتٍ مضى.
"هل هذا تهديد؟" سأله ماكلاود. كان يحاول أن يبدو واثقاً من نفسه جداً, ولكن بالرغم من ذلك كان صوته يرتجف.
خرج صوتٌ عميق ومبحوح من داخل صدر أندرونيكسوس, ثمّ وصل إلى حنجرته. في البداية اعتقد ماكلاود أن ذلك كان سعالاً, ولكنه أدرك بعد ذلك أنه كان يضحك.
"أنا لا أهدد أبداً," قال لماكلاود. "سوف تعلم ذلك عني بشكل جيد."
*********************
إلي هنا ينتهي الفصل التاسع من رواية مسيرة الملوك لـ مورغان رايس
تابعوا صفحتنا على الفيس بوك للمزيد من روايات حب
أو أرسل لنا رسالة مباشرة عبر الماسنجر باسم القصة التي تريدها

جديد قسم : قصص خيالية

إرسال تعليق