-->
U3F1ZWV6ZTMzNTg0ODE3NzI1X0FjdGl2YXRpb24zODA0Njk2NDgxODg=
recent
آخر القصص

رواية قلوب ضائعة بقلم رانيا صلاح - الفصل الرابع عشر(الأخير)

مرحباً بكم أصدقائي وأحبابي عاشقي القراءة والقصص والروايات مع رواية رومانسية جديدة ذات طابع إجتماعى تدور أحداثه فى بيئة مصرية, وموعدنا اليوم علي موقع قصص 26 مع الفصل الرابع عشر(الأخير) من رواية قلوب ضائعة بقلم رانيا صلاح.

رواية قلوب ضائعة بقلم رانيا صلاح - الفصل الرابع عشر(الأخير)

تابع من هنا: روايات زوجية جريئة

رواية قلوب ضائعة بقلم رانيا صلاح

رواية قلوب ضائعة بقلم رانيا صلاح - الفصل الرابع عشر(الأخير)

 "شــ" شملٌ يجتمع لــ "جــ" جنون الذكرى "ــن" نجمعهُ معًا من أجل البُكاء.. ولهذا تبقى الأحزان مُجتمعه.. تسللت خيوط الصباح بإستحياء بالغ من براثن تلك النافذة الزُجاجية في أحدي المُستشفيات الخاصة في العاصمة، لتُداعب جفني تلك النائمة بإستحياء شديد خوفًا من إيقاظها؛ فقد قضت ليلة أمس في غياب تام عن الواقع بعدما فقدت وعيها أمام عيادة النساء، لتستقبلها ذراعي "حمدي" بهلع شديد فيُسارع لحملها ونقلها لأقرب مشفى لإنقاذها، لتمُر الساعات ببُطء كانت تتنقل فيهم كالجثة الهامدة فوق أحدى الأسرة البيضاء للفحص الطبي، لتُنهي الفحص ولكنها لا تستيقظ فجسدها فقد الكثير من الدماء في الساعات المُنصرمة، ليُقرر الأطباء وضع إحدى المُهدئات لها للحصول على أكبر قسط من الراحة، مع توصيل إحدى أكياس الدم لها، لتمضي الليل وهو بجوارها مُتشبثًا بيديها بكُل ما أوتيّ من قوة، يخشى فقدانها.. ليغفو فوق مقعدهُ بجوار السرير مُتشبثًا بيدها كغريق وجد أخيراَ طوق النجاة..

فتحت "رحمة" جفونها ببُطء لتعود وتغلقهم من جديد، ثم تُعاود فتحهم لمعرفة أين هي؟.. لتجد الجُدران البيضاء تُحاوطها من كل مكان، فتتذكر انهيارها، وقبل أن تُبدى أنين مسموع لتعرف كيف وصلت إلى هُنا؟.. شعرت بيدها ثقيلة فألقت نظرها سريعًا لتجد كيس دماء مُتصل بالناقل الخاص به ليُفرغ ما به في يدها، ورأس رجولية غفت فوق راحتها، لتحاول سحب يديها بفزع مع خفقان قلبها...

لم يدري متى غفى ولكن شعر بيدها تحاول التسلُل من بين راحتيه، ليفزع من فوره، وسُرعان ما يرحل فزعة مع ظهور لهفة عينيه الطائفة فوق رسومها، وبهمس : أنتِ كويسه؟.. ولم يكُن سؤلًا بقدر ما كان يحتاج بشدة لبُرهان يُثبت لهُ أنها بخير، فيُريح وحوش الجلد بداخلُه مُنذُ معرفتهُ بأنهُ ظلمها...

لم تنفرج شفتها لرد، ولكن عينها كانت تُعطي الكثير من النظرات منها المُشمئزة .. والخائفة.. والمُنكسرة.. والمهزومة.. والمُستحقرة لذاته لتُسارع بإزالة يدها من يده، و رأسها تتحرك للجهة الأخرى، ويدها الثانية تضغط على زر الخدمة الطبية لمُساعدتها على الخروج...

غصة مريرة احتلت حلقهُ المُتصحر، ولكن لا يُمكنهُ الاعتراض فإن كان لدية أمل ضئيل في السابق باقترانها به، فاليوم الأمل قد مات، ليُلقي نظره أُخرى عليها يُشبع بها شوق القادم، و شفتاهُ تنفرج بهمس رجُل خُذِلَ وكُسِرَ اللألف المرات : سامحيني.. ولكن لا جواب.. ليبتلع غصتهُ من العلقم، ويُكمل : الدكتور قال إن النزيف بسبب سوء الحالة النفسية.. عن إذنك.. وتحرك للخروج من الغُرفة بكتفي مُتهدلين فوقهما أثقال العالم أجمع..

أغمضت عينها بإنهاك قاصدة الراحة، تلك الراحة التي سُلِبت منها بين ليلة وضُحها والأن منّ عليها القدير بها من جديد، لتُسارع بفتح عينها غير مُبالية بألمها الخافت، وتُلقي بقدمها على الأرضية الرُخامية للوقوف والمضي قدمًا، لتُحدث نفسها : الأمس قد رحل رحيلًا دون عودة، والغد سيأتي مُحملًا بما عليهِ اليوم ووحدك القادرة على الحياة.. من الصباح.. لا بل من تلك الدقيقة أنتِ ستحيين للحياة، ستعودين من جديد لتلك الرحمة..

**

أين يُباع العِناق؟!

-في بلاد الهوى بجوار أشجار العِشق، وزهور الفرح حينها تجذُبك الحياة بدفئها إلى شاطئ الأمنيات مع ذراعي من هوى الود..

رباه عِناق الأحبة عندما يمتزج بنيران العِشق، وذهول التصديق.. فتحت "صابرين" جفونها بكسل شديد، فكانت بحاجة ماسة إلى النوم بشدة؛ لعدم حصولها على قسط الراحة الخاص بها في اليومين السابقين.. تحركت يدها لتتمطُى لتصدم بجدار بشري، فتفزع من فورها مع انعدال جسدها قليلًا من وضع النوم، لتسقط عينها عليه فتبتسم ببلاهة، ويدها ترتفع بتردُد لتمُر فوق رسومه، تلك الرسوم الخشونة القادرة على سلبها عقلها عندما تنبسط للابتسامة، ولكن قبل أن تضع يدها على وجهه ارتدت للخلف سريعًا، فهي مُحرجة بشده لتبدأ رئتيها القيام بوظيفتها والحصول على الهواء وتُعاود من جديد تحريك يدها لتمُر فوق رسومه ولكن قبل أن تصل يدها إلى حاجبيهِ السوداوان..

شعر "خالد" بحركتها، فقرر التمادي في نومة حتى لا يُسبب لها إحراج، لتخطف أنفاسُه مع ارتفاع يدها بجوار وجهه مع احمرار وجنتيها، لتبتعد سريعًا، ثم تعود من جديد، وقبل أن تبتعد كالمرة السابقة، فتح عيناهُ مع حركة يداهُ لتثبيت يدها.. ليصلهُ شهقة خافتة من فعل الصدمة، فينفجر ضاحكًا بقوة..

زاد وجيب قلبها، واحمرار وجنتيها وكأنها أُمسِكت بالجُرم المشهود، لتبدأ في محاولة واهية لجذب معصمها من يده، وعينها تدور كالرحى في أرجاء الغُرفة، وعندما تيقنت من فشلها الزريع في سحب معصمها، أطلقت شفتيها همهمات الامتعاض.. لتبتلع المُتبقي من امتعاضها مع هجوم ضاري من شفتي "خالد"..

**

وخزة.. ربما لم تكُن هي المعنى القوى للألم - ولكنها-قادرة بقوة على جذب وحوش الخوف وإثارة فوضى عارمة بالروح قبل ارتعاش الجسد من هول الفزع.. انتفضت "حازم" من نومة مفزوعًا وأنفاسهُ تخرج لاهثة كمن كان في سِباق العدو لأميال وليس نائم في الفِراش.. لترتفع يداهُ لجلب كوب الماء – ولكن-تعثرت يداهُ في طريق الوصول فسقط الكوب أرضًا مُصدرًا زمجرة غاضبة؛ لانسكاب ماءُه وتهشيم زُجاجُه، لتعود يداهُ من جديد لموضعها بجوار جسده، تاركًا لعقلهُ التفسير .. هل جُننت أم ماذا؟... فقبل دقيقة كان جسدهُ يغوص في نوم عميق استطاع الحصول عليه بعد جُهد مُضني، ليشعُر بقبضة فولاذية تعتصر قلبهُ لجُزء من الثانية ورئتيه تتوقف عن دورها فيفزع من فوره... مرت دقيقة وهو يستجمع أنفاسُه الهادرة التي بالكاد انتظمت لتو، لتقع عيناهُ على نصف السرير الفراغ، فيُصيبهُ الذهول، قبل أن تدور عيناهُ نصف دورة؛ لمعرفة كم الساعة.. ليجدها العاشرة صباحًا.. لترتفع شفتاهُ بالنداء تاركًا أي تفسير لوقت أخر.. وقبل أن تُصدر شفتاهُ النداء الثاني باسم أخيه..

كان صوت والدهُ يصدع بالجواب مع دخولهُ الغُرفة، ليُكمل قائلًا :أيوه يا "حازم"..

بتساؤل صريح : "خالد" هنا..

-لا، لكن بعت حد مكانوا..

همس بذهول يُصاحبهُ خفقان القلب : حد!.. وسُرعان ما ثبت عيناهُ على باب الغُرفة مُنتظرًا دخولها..

راقب "توفيق" تحول ملاح ابنهُ من التساؤل لذهول ولهفة ما تطلُ من عيناهُ، ليُضيف : الحج "صابر" هنا..

-" صابر" مين؟..

وقبل أن يُجيب "توفيق" كان "صابر" يدخُل الغُرفة بوجه بشوش مُلقيًا تحية الصباح : صباح الخير يا كابتن..

انهزام ساحق زحف ليحتل رسومه ليُطفئ تلك اللهفة تاركًا خلفهُ الوجوم، لتنفرج شفتاهُ عن ابتسامة فاترة بالكاد استطاع رسمها؛ فهو يعرفهُ من حديث أخيه، وقد رأي أمس تباسُطها أمس معهُ في الحديث : صباح النور يا عم "صابر"..

-تحب تدخل الحمام دلوقتي ول تفطر الأول..

بشرود همس: أي حاجة يا عم "صابر"..

-تعالي صلى الأول، وأنا هسخن العيش..

صفعة حادة تسقُط على روحة، لتفتح جرحًا من القيح يُصاحب همس خافت لذات (أصلي)..

التقطت عيني "صابر" حالة الوجوم التي عليها، التي تبدلت في غضون ثوان من واقع حديثُة لأخرى تائهة، فأيقن أنهُ لا يقرب الصلاة الأ قليل.. ليرتدي قِناع التجاهُل مُكملًا قولها مع حركة قدماهُ لتكُن بجهة السرير الخاصة بـ "حازم" :هات ايدك يا ابني.. وبمزاح :متحملش أوي عمك عضمه كبيرة..

تسربت الابتسامة الصادقة إلى وجهة رغم عدم بروزها القوى، ليُضيف بمُشاكسة : لا يا عم "صابر" الدهن في العتاقي..

-إذا كان كده ماشي..

... بعد مرور نصف ساعة....

أنهى "صابر" تجهيز طعام الإفطار، وتحرك ليضعهُ على مائدة المطبخ، وقبل أن يتحرك لتقطيع الطماطم فوق الجُبن، كان صوت "توفيق" يعلوا شاكرًا بوجوده مع مدحهُ في الطعام.. لترتفع يد "صابر" عن التقطيع لتبدأ في تقليب الفول فوق الموقود، فعندما أبلغه "خالد" قبل يومان عن ذهابهُ اليومي لوالدهُ وأخيه بعد رفضهم القاطع لجلب أحدهم للمنزل ليتبرع بالذهاب لهم.. ويُضيف : تسلم يا باشا، وبـبشاشة لا تُفارقهُ أكمل.. مقولتليش هتشرب ايه؟..

-قهوة مظبوطه يا عم "صابر"..

-عنيا يا باشا.. ليتوقف عن الاكمال مع..

توقف "حازم" على باب المطبخ يُراقب ذاك الحديث بين والدهُ والعم "صابر" ولوهلة شعر بالحنين لأجواء دافئة، ليبتلع غصة في حلقه لا تُفارقهُ ولكنها احتلت حلقهُ منذ الأمس بشكل دائم، أو على وجه التحديد عندما استمع لحمدها.. لينفض كُل هذا جانبًا ويجلي صوتهُ : وأعملي قهوة سادة..

راقب "صابر" وقوف كُرسيه أمام باب المطبخ، ليُضيف بحنكة :عنيا يا ابني.. واسمحلي اقولك يا بني.. ليجد الجواب ابتسامة هادئة، فيُكمل.. ليه يابني بتستخدم الكرسي متزعلش مني بس "خالد" قالي أن رجل وحدة بس الي مُتضررة متحتاجش لكرسي.. ليتوقف عن الاكمال لوهلة مُلتقطًا أنفاسهُ مُراقبًا تلك الشُعلة التي انبثق في عيناهُ، فهو عرِف من "خالد" حالتهُ وسمع أمس همسهُ لــ "رحمة" وعيناهُ المُسافرة في كُل حركتها.. تقدر تستعمل البتاع الحديد الي بيساعد على المشي مع رجلك السليمة..

-ملوش لزوم يا عم "صابر"..

وبلوم وعِتاب : ازاي بس يا ابني، هو في حاجة في الدنيا دي ملهاش لازمة.. وكأن الجواب صمت تام قطعه "توفيق" بالاعتذار لإجراء مُكالمة تاركًا لولدهُ الحديث فقد أخبرهُ "خالد" عن قدومه وسمع الكثير من "رحمة" عنهُ..

ظل الصمت مُتلحفً بردائه، لا يقطعهُ سوى أصوات مضغ الطعام، لتمُر الدقيقة تلحقها الأخرى دون حديثُ يُذكر، حينها انفرجت شفتي "صابر" بشجن ولا يعرف إن كان يُعطي النُصح لذاته أم لذلك الجالس أمامُه – ولكن-الأكيد إن تلك الحالة المزاجية التي أصابت قلبهُ في مقتل كان لها دور؛ فمنذُ سنوات لا يعرف دربًا لطعام سوى مُنفردًا، ولم تشرُق شمسًا الا وكأن الصمت حليفها.. كُل حاجة في الدنيا مُهمة، لكن إحنا البشر مبفهمش كدة لازم نعترض يمكن قلة إيمان أو خوف أو سبب تاني كُل إنسان يختلف بس الأكيد إن الاعتراض حلاوة روح يا تكمل بعدها وتموت يا تعافر وتحاول توصل لروحك من جديد.. يابني الدنيا أبسط من هموم كتفك شوفها بس بعين راحل هتلاقي كتير بيتغير.. بكره أخر يوم ليك فيها ياترى هكون مبسوط ول زعلان؟.. حاول يابني طول ما في نفس داخل وخارج الحكاية ليها باقي..

**

سيأتي يوم وتحيا مع وحوش الخوف ليس فقط لأنك أثم، ولكن لرُبما فقدت الجُزء الأكثر نقاء في الذات.. ترجل "جابر" من التاكسي بإعياء شديد، ليُلقي نظرة خاطفة على إحدى المحلات، فيُسدل ستائرهُ بتأثر لم يعرفهُ مُسبقًا، ويترُك الأمر لقدماهُ لتحرُك لوجهتهُ.. لتمر بضع دقائق وتتوقف قدماهُ عن وظيفتها وعيناهُ تطوف بانكسار على باب منزله، لترتفع يداهُ اليُسرى لضغط على زر الجرس، وعيناهُ تنتظر بلهفة الجواب، ليس لهفة الشوق لسُكانُه ولكن لأمرٌ جليّ يخشاهُ...

تسرب صوت الجرس بسفور ليوقظ "جميلة" من نومها، لتنظُر حولها لجزء من الدقيقة لتعرف أنها قضت ليلتها بجوار ابنتها، فتسللت بخفوت؛ حتى لا توقظها وهرولت لترى الطارق.. لتمُر الدقيقة وتتسمر عيناها بذهول.. فقد رأت زوجها بملابس رثه للغاية، ولحيتهُ غير مُشذبه وعيناهُ مُظلمة، والأعياء قد بلغ منهُ مبلغهُ وقبل أن يُصدر عقلها إشارتهُ بتحريك العين على المُتبقي من جسدُه، كانت شهق تُفارق حلقه سُرعان ما بلعتها مع أمطار عينها، ولهفة السؤال تجبُر شفتيها على الانبساط : إيه الي حصلك؟..

كان وجههُ جامد رغم خفقان قلبهُ من الداخل، ليُضيف : هغير هدومي ونروح مشوار مهم وبعدها هتعرفي كُل حاجة.. وتحرك لدخول بيتة وكتفهُ الأيسر يغوص في ظهرة والأيمن قد رحل من قبل إلى مسواهُ الأخير..

**

إلي متى؟.. تلك الحروف القادرة على إثارة براكين الخوف والتشتُت بداخلنا ومع هذا تبقى عالقة بنا إلى أجل غير مُسمى.. فتحت "رحمة" باب المنزل بهدوء تُحسد عليه، والقت حقيبتها أرضًا وكأن يديها عجزت عن حملها، لتُسرع الخُطى نحو غُرفة والدتها؛ فهي بحاجة ماسة لسكينة.. لتدخل الغُرفة بصمت تام وعينها شاخصة في الفراغ، وقدمها تعرف الطريق لذاك السرير، لترفع يدها الغِطاء، وتُلقي بجسدها أسفلهُ وتُحرك جسدها ليتدثر برائحة والدتها، ويدها الأخرى ترفع يد والدتها؛ من أجل وضع رأسها على صدرها.. وما هي الا دقيقة وكانت تنفجر في بُكاء شديد...

انقبض قلب "نعيمة" لرؤية ابنتها على تلك الحالة، وبفزع :مالك يا ضنايا؟.. ليصلها الجواب المزيد من النحيب، فيتألم قلبها على حال ابنتها وعلى عجزها الدائم اربت على ظهرها... لتسقُط دموعها في مؤازره لها، ولسانها يُلقي الكثير من الكلمات لبث الهدوء في قلبها : وحدي الله مالك يا ضنايا..

ابتلعت ما تبقى من العلقم في جوفها، وبنبرة مُنهكة من البُكاء : يلا نسافر يا ماما، لأي مكان أرض الله واسعة، وأنتِ اطمنتي على "صابرين"..

لوهلة لم تعي لقولها؛ فابنتها توقفت منذ سنوات عن النداء بــ "ماما"، واليوم تأتي بتلك الحالة وتطلُب الرحيل، حينها خمن عقلها أن ذاك "الحازم" فعل شيء ولكنها التزمت الصمت عنهُ، وأكملت : ولما تسافري تفتكري قلبك هيرتاح؟.. يا بنتي قلوبنا ملناش عليها سُلطان، والهروب عمروا ما كان حل للمشكلة بالعكس بيكون هو أول سبب يخليكي تفكري فيها، استهدي بالله وإن شاء الله خير..

صمت.. يليه صمت؛ فحلقها إن انفرج عن القول لأصاب والدتها بالموت، فأغمضت عينها تودع الكثير من الأمطار الحارقة، قبل أن تُقسم على الصمت التام لأجل غير مُسمى.. ابتعدت عن والدتها وبهمس مُميت : حاضر.. وقبل أن تُكمل كان لباب رأي أخر.. لتتحرك بهدوء يُنافي ما يموج بداخلها؛ لفتح الباب، لتتسمر مكانها وهمس ذاهل بفعل صلة الدم من هيئتهُ : عمي!..

كان الانكسار هو صديقهُ الدائم منذ سبعة أيام، ليُحرك رأسهُ بإيماء خافت وكأنهُ تأكيد على ما أصاب يداه، وبهمس : ممكن أدخل..

تحركت من فورها لتُفسح لهُ الطريق، وتمتمت بخفوت لهم إن يجلسوا في الردهة لحين جلب والدتها..

تحرك "جابر" بانهزام صريح نحو الردهة، ورائحة أخيه الراحل تستقبلهُ بحُزن شديد، ليُلقي بجسدهُ على أقرب مقعد وصل إليه، ويتلحف بالصمت؛ ليُرتب ما يود قوله..

ظلت "جميلة" على نفس الحالة من الصمت والذهول والحزن على زوجها، ربما لم يجمعهم العشق، ولكن بينهم سنوات من الميثاق الغليظ، تلك السنوات كفيلة بإنبات نوع أخر أقل قوة من ميثاق العشق...وقبل أن تُبحر في حُزنها، كان صوت "نعيمة" يرتفع مُرحبًا بهم، والسؤال الصريح يقفزُ من عينها عن سبب الزيارة.. ليرحم "جابر" فضولها، ويبدأ في الاسترسال : سامحيني يا "نعيمة" أنتِ وبناتك.. وحق أبوهم من بكرة هيكون عندهم..

صفعة الصدمة كانت تدور على وجوههم، لتقطعهُ "نعيمة" بالقول : ربنا الي بيسامح يا معلم.. وفلوس المرحوم استعوضنا ربنا فيهم..

-عشان خاطر المرحوم سامحيني..

-هسامحك على ايه ول أيه يا معلم... هسامحك على بنتي الي ذلتها أنت ومراتك، وسبتها من غير راجل في ظهرها لقمة ساهله لأهل الحارة .. ول الي أيدك اتمدت عليها.. ول على قهرتي عليهم والهم الي صاب قلوبهم بدري.. روح يا" جابر" منك لله والفلوس حد الله بيني وبينها.. لتُنهي الحديث ويدها تضغط على زر الكُرسي لتبتعد عنهُ فما بينهم لا يُمكن إزالتهُ، فكيف لها بالنسيان ومن تألم قطعتي من قلبها، قطعتي وجب عليهم المُحاربة دون سند في وجه وحوش البشر، قطعتي رأت ذلهم وخوفهم من الغد أن يأتي دون ما يسد رمقهم وعلاجها.. لتهطل دمعه من عينها تبعها الكثير، لتُجلي صوتها : أنا مسمحاك يا معلم بس بيتي متدخلوش وبناتي اعتبرهم ماتو.. ربنا يسهلك بعيد عننا، وبنبرة صارمة : "رحمة" دخليني الأوضة..

دمعة ما سقطت من عينها وتحركت لتدفع والدتها لغرفتها، دون حرف، ولكنها أمالت على رأسها تُقبلها بعُمق وكأنها تُقبل قلبها العليل..

ولم تلك الدمعة التي ليس لها مُسمى تسقُط فقط من عيني ابنه أخيه بل فارقت عيناهُ وهو يتحرك صوب الباب؛ قاصدًا بيته.. لتمر الدقائق وكانت "جميلة" تفتح الباب بهدوء وتسبقهُ للجلوس على الأريكة، وعينها تُراقب الفراغ.. ليجلس "جابر" بجوارها يُراقب تلك النُقطة التي تحولت في ثوان إلى لوحة عرض لما مر بهِ الأسبوع الماضي عندما خرج من بيته قاصدًا بيت أحد التُجار الصِغار لتحصيل الوصلات منهُ، ليجد الرجل قد توفى فينفجر غضبهُ ول يُبالي بأجواء العزاء بل يطوح كالمجذوب ويأمر سُكان البيت بالخروج من بيتهم فورًا مُقابل تلك الديون.. ليتبرع ابن المتوفي بقهر قائلًا :ولكن يا عماه أبي أخبرني أن المبلغ الذي اقترضهُ منك قد دفعهُ بالكامل وتلك الوصلات ما هي الأ نقود ما هي الأ فوائد لا أصل لها من المبلغ الأصلي.. لتفور دمائُه ويهرول نحو الصبي الذي لم يبلُغ عقدهُ الثاني ويصفعهُ بقوة وبلهجة هادرة : من لم يقدر على الدفع فلا يأتي يطلُب المال.. ومرت ساعتان وكأن الباب يُغلق والعائلة تقف في وسط الشارع ليتحرك بخيلاء غير مُبالية بهم ليصل لاذُنيه صوت زوجتهُ بالدعاء عليه، ولم تمضي الساعة إلا وكانت يدهُ قد جُرِحت من كوب الشاي، ليهرول إلى المُستشفيات طالبًا تقطيب الجرح، لتمُر الليلة وهو مُقيمًا بالمشفى ولكن عيناهُ لا تعرف لنوم طريق.. ليأتي الصباح وصراخُة يشُق الجُدران فيأتيه الطبيب للفحص ويُخبرهُ أن راحة يدهُ عليهم بترها فقد أصابها العطب.. ليموج ويهوج ويرفُض التصديق ولكن بنهاية اليوم يستجيب لطبيب ويُجري العملية.. ويأتي ليل أخر دون نوم والألم أكثر من ذي قبل وصراخُة لا يتوقف، ليأتي طبيب بعد يومان ويُخبرهُ بأسف أن العطب قد وصل لعضُد اليد وعلية ببتره.. ليومض عقلهُ بصفع وجه الصبي، فيُجري العملية ولم ينتظر الصباح بل خرج سريعًا ليبحث عنهم طالبًا العفو منهم، وبعد ليلتان من البحث عنهم وجدهم أسفل إحدى الكابري، ليهرول نحوهم ويطلب العفو منهم ويُعيد لهم الوصلات ومُفتاح البيت، وحينها يتوقف الألم، فيُقن أن القدير أراد أن يقتص منهُ على ظلمةُ الجائر علي الغير، فيقصُد بيته بعد سبع أيام طالبًا أول أبواب العفو من زوجة أخيه التي أكل مالها ومالها بناتها.. لتتلاشى اللوحة وتتوقف عن العرض مع يد ابنتهُ التي تربت على كتفة السليم، ويدها تُزيل إحدى القطرات العالقة بأهدابُه، فيعود للواقع وابتسامة شاحبة تطفو على وجهه، وبهمس : "رضوى"..

تحركت لتجلس بجواره ورأسها تستند على يدهُ السليمة وبحنو فطري :معلش يا بابا أنا هجبلك تشرب وهأكلك.. لينفطر قلبهُ على براءتها يُدرك حجم جُرمة ليتضرع : يارب.. ليصلهُ صوت زوجتة : كُل الحرام اتبرع بيه ورجعوا لصحابوا أنا مش مُستعدة أخسر بنتي.. ليُحرك رأسهُ عاقدًا العزم على فعل ذلك طالبًا من الله أن يمد في عُمرة ليُسد ما عليه من ديون للعِباد..

**

وعلى الطريق السريع كان "حمدي" يهرول قاصدًا وجهه لا يعلمها، ولكنهُ يُريد الفِرار من كُل شيء يُذكرهُ بفداحة ما فعل.. كُل شيء يُخبرهُ دون رحمة أنهُ قتلها دون أن يرمش لهُ جفن.. أنهُ استباح الحُرمات.. ليزفر أنفاسهُ ببطء ويداهُ تُخرج الهاتف ليضغط على رقم بعينة مُنتظرًا الجواب، ولكن لا رد، ليُسرع باتجاه إحدى التطبيقات يبحث عن اسمها وبلهفة خرج صوته في تسجيل صوتي : أنا أسف يا "رحمة" كُل حاجة أنا مسحتها ووجهي عمرك ما هتشوفيه تاني.. ليُغلق الهاتف مُخرجًا شريحتهُ ليُقسمها إلى نصفان.. وعيناهُ تعود إلى الصحراء من جانبه، ليصلهُ همس أحد الجالسين بقول الرحمان الرحيم (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات).. ليُغمض عيناهُ ويدعوا بالعفو..

**

وعلى الجانب الأخر بشقة "حازم" كان يحاول جاهدًا ترك الكرسي والوقوف دون مُساعدة أحدهم، ولكن قدماهُ السليمة تخذلهُ ويداهُ تهتز من الألم الكاسح الذي يضرب أوصالُه، ليظل لدقيقتان يلهث ويعاود من جديد ولكن خذلتهُ يداه وسقط أرضًا مُصدرًا صوتًا مُتألمًا، ليصل صوتهُ الجالسين بالخارج، فيهرول" صابر" نحو غرفته ليفزع من رؤيته على تلك الحالة، ويهرول للخارج لوالده للاتصال بالطيب الخاص بابنه، ويعود من جديد لمُسانداته للجلوس ولكن صوت الألم المُنبعث من حنجرتي "حازم" واحمرار وجههُ جعلهُ يبتعد والظن يعلوا أنهُ رُبما قد كُسِرَ من جديد..

**

في كُل صباح ومساء أحدٌ منا يرتدى قِناع الحياة، ليرسُم ابتسامة باهته خاصة بالعمل ويهرول للحصول على ما يُبقيه على قيدها دون ربته مُشفقة أو مُمتعضة من أحدهم.. أنهت "رحمة" تبديل ملابسها لتوجه لأداء النوبتجيه الخاصة بها، لتتحرك من جديد نحو غرفة التمريض لمعرفة ما عليها من حالات، لتأخُذ ورقة دونت بها مواعيد الأدوية ورقم الغُرف.. لتطرق الباب على غُرفة رقم "**" وتفتح الباب بهدوء مُلقيه تحية المساء، لتبتلع المُتبقي من حروفها مع خفقان قلبها، وبتساؤل : حصل إيه؟..

لم يُبدي أي من "صابر" و "توفيق" الجواب ليأتيها صوتهُ بصرامة : مفيش..

حركة رأسها بهدوء وتحركت لتُعطيه العِلاج مُبتلعة ما في حلقها من أشواك.. لتُنهي عملها وتخرج سريعًا من الغُرفة فقد أسدلت الحكاية نهايتها قبل البداية.. لتُمضي قدمًا هامسة بالحمد على كُل ما حل بها...

فور إغلاق الباب بلع" حازم" غصة مريرة في حلقة، قبل أن يُغمض عيناهُ من جديد، فهي لم ولن تراهُ، وذكرى حمدها يصدع من جديد في عقله...

**

تشتعل كالمرجل فابنها ستسرقهُ تلك الفتاه، ظلت تدور في الغُرفة دون هُدى، وعقلها عجز عن التفكير أو على وجه الصحة لا يستطيع التفكير أنها ستسلُب منها ابنها كما سلبت الأخرى زوجها، ليصدع صوت طرقات على باب غُرفتها، ليرتفع صوتها : أدخل يا "خالد"، ولكن

اتسعت عينها من الصدمة، وبذهول : أنتِ..

حركت "صابرين" رأسها بإستحياء، وبهمس :اسفه بس كنت حابه أقدملك الهدية البسيطة دي، وإن شاء الله تعجبك..

خفق قلبها تأثُرً فلم يُبالي بها أحدًا قط، ولكنها وضعت كُل هذا جانبًا وبامتعاض : سبيها هنا..

لتُحرك "صابرين" رأسها بهدوء، وتخرج من الغُرفة، لتجد ابتسامة عاشقة تستقبلها، ويداهُ تربت على مكان ما بجواره على الأريكة، لتهرول مُسرعة، وبترقُب :تفتكر هتتقبلني..

-أكيد.. "صافي" طيبة بس شعنونه حبتين، عشان خاطري استحمليها..

-حاضر.. ومشروعك..

-أخر الاسبوع هستلم الترخيص الخاص بالمحل، وبعدها هبدأ شغل..

-إن شاء الله خير .. لتمر الدقائق تتلوها الساعات ورداء العشق ينسدل على الجالسين في هدوء مُحبب لروح بعد سنوات عِجاف من الشقاء..

تمت بحمد الله 

*********************
إلي هنا تنتهى رواية قلوب ضائعة بقلم رانيا صلاح .
تابعوا صفحتنا على الفيس بوك للمزيد من روايات رومانسية
أو أرسل لنا رسالة مباشرة عبر الماسنجر باسم القصة التي تريدها
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

يسعدنا تلقي اقتراحاتك أو تعليقك هنا

الاسمبريد إلكترونيرسالة