قصص 26 قصص 26

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

يسعدنا تلقي اقتراحاتك أو تعليقك هنا

قصص قصيرة| قصة بيت من لحم-الجزء الاول


قصة بيت من لحم


قصة بيت من لحم


قصة من القصص القصيرة الجميلة جدا التى سوف تقرائها على موقع قصص 26.........


الخاتم بجوار المصباح. الصمت يحل فتعمى الآذان. في الصمت يتسلل الأصبع. يضع الخاتم.
في صمت أيضا يطفأ المصباح.
والظلام يعم.
في الظلام أيضا تعمى العيون. الأرملة وبناتها الثلاث. والبيت حجرة. والبداية صمت.
***
الأرملة طويلة بيضاء ممشوقة، في الخامسة والثلاثين.
بناتها أيضا طويلات فائرات، لا يخلعن الثوب الكاسي الأسود بحداد أو بغير حداد. صغراهن في السادسة عشرة وكبراهن في العشرين .. قبيحات ورثن جسد الأب الأسمر المليء بالكتل غير المتناسقة والفجوات، وبالكاد اخذن من الأم العود .
الحجرة، رغم ضيقها تسعهن في النهار، . رغم فقرها الشديد مرتبة أنيقة، يشيع فيها جو البيت وتحفل بلمسات الإناث الأربع. في الليل تتناثر أجسادهن كأكوام من لحم دافيء حي، بعضها فوق الفراش، وبعضها حوله، تتصاعد منها الأنفاس حارة مؤرقة، أحيانا عميقة الشهيق.
الصمت خيم من مات الرجل، والرجل مات من عامين بعد مرض طويل. انتهى الحزن وبقيت عادات الحزاني وأبرزها الصمت.. صمت طويل لا يفرغ اذ كان في الحقيقة صمت انتظار، فالبنات كبرن والترقب طال والعرسان لا يجيئون. ومن المجنون الذي يدق باب الفقيرات القبيحات، وبالذات إذا كن يتامی؟. ولكن الأمل بالطبع موجود، فلكل فولة كيال ولكل بنت عدلها. فإذا كان الفقر هناك فهناك دائما من هو أفقر، وإذا كان القبح هناك فهناك دائما الأقبح، والأماني تنال.. أحيانا تنال بطول البال.
***
صمت لم يكن يقطعه إلا صوت التلاوة . . يتصاعد في روتين لا جدة فيه ولا انفعال. والتلاوة لمقرىء، والمقرىء كفيف، والقراءة على روح المرحوم وميعادها لا يتغير.. عصر الجمعة يجيء بعصاه بنقر الباب، ولليد الممدودة يستسلم، وعلى الحصير بتربع، وحين ينتهي يتحسس الصندل، ويلقي بتحية لا يحفل أحد بردها، ويمضي. بالتعود يجيء.. بالتعود يقرأ.. بالعادة يمضي، حتى لم يعد يشعر به أو ينتبه اليه احد..
دائم هو الصمت، حتى وتلاوة عصر الجمعة تقطعه أصبحت وكأنها قطع الصمت بصمت. دائم هو كالانتظار، کالأمل.. أمل قليل ولكنه دائم، فهو أمل في الأقل. دائما هناك لكل قليل أقل، وهن لا يتطلعن لأي أكثر.. أبدأ لا يتطلعن.
يدوم الصمت حتى يحدث شيء .. يجيء عصر الجمعة ولا يجيء المقريء. فلأي اتفاق مهما طال نهاية وقد انتهى الاتفاق.
وتدرك الأرملة وبناتها الآن فقط كنه ما تقدم، ليس فقط الصوت الوحيد الذي كان يقطع الصمت، ولكن أيضا الرجل الوحيد الذي كان ولو في الأسبوع مرة يدق الباب، بل أشياء أخرى يدركن.. فقير مثلهن هذا صحيح، ولكن ملابسه أبدأ كانت نظيفة ، وصندله دائمة مطلي، وعمامته ملفوفة بدقة يعجز عنها المبصرون، وصوته قوي عميق ونان.
والاقتراح يبدا : لماذا لا يجدد الاتفاق ومنذ الآن؟ ولماذا لا يرسل في طلبه هذه اللحظة؟. مشغول، فليكن! الانتظار ليس بالجديد. وقرب المغرب يأتي، ويقرأ وكأنه أول مرة يقرأ،. والاقتراح ينشأ.. لماذا لا تتزوج أحداهن رجلا يملا علينا بصوته الدار؟ . هر أعزب لم يدخل دنيا، وله شارب أخضر، ولكنه شاب. وبالكلام يجر الكلام، ها هو الأخر يبحث عن بنت الحلال.
البنات يقترحن والأم تنظر في وجوههن لتحدد من تكون صاحبة النصيب والاقتراح. ولكن الوجوه تزور مقترحة - فقط مقترحة - قائلة
بغير الكلام: أنصوم ونفطر على أعمى؟. هن ما زلن يحلمن بالعرسان، والعرسان عادة مبصرون. مسكينات لم يعرفن بعد عالم الرجال، ومحال أن يفهمن أن الرجل ليس بعينيه .
- تزوجيه أنت يا أماه.. تزوجيه . - أنا؟ . يا عيب الشوم!. والناس؟
- يقولون ما يقولون.. قولهم أهون من بيت خال من رنين صوت الرجال.
- أتزوج قبلكن؟. مستحيل.
- أليس الأفضل أن تتزوجي قبلنا، ليعرف بيتنا قدم الرجال فتزوج بعدك؟ تزوجيه يا أماه.
وتزوجته.. زاد عدد الأنفس واحدة، وزاد الرزق قليلا، ونشأت مشكلة أكبر.
الليلة الأولى انقضت وهما في فراشهما، هذا صحيح. ولكنهما حتى لم يجسرا على الاقتراب .. ولو صدفة! فالبنات الثلاث نائمات، ولكن من كل منهن ينصب زوج من الكشافات المصوبة بدقة إلى المسافة الكائنة بينهما.. كشافات عيون، وكشافات آذان، وكشافات احساس. البنات كبيرات، عارفات ومدركات، والحجرة كأنما تحولت بوجودهن الصاحي إلى ضوء نهار. ولكن بالنهار لم تعد ثمة حجة، وواحدة وراء الأخرى تسللن ولم يعدن إلا قرب الغروب،
مترددات خجلات يقدمن رجلا ويؤخرن رجلا، حتى يزددن قرب. وحينذاك يدهشهن .. بربكهن... يجعلهن يسرعن ضحكات... قهقهات رجل تتخللها سخسخات امرأة .. أمهن لابد تضحك، والرجل الذي ما سمعنه إلا موهبة خاشعة ها هو يضحكة بالأحضان قابلتهن ولا تزال تضحك، رأسها عار وشعرها مبلل ممشط ولا تزال تضحك، وجهها .. ذلك الذي أدركن للتو أنه كان مجرد فانوس مطفا عشعش فيه العنكبوت والتجعيدات، فجاة أنار، ها هو أمامهن کلمبة الكهرباء مضيء، ها هي عيونها تلمع وقد ظهرت وبانت وتلالات بالدمع الضاحك.. تلك التي كانت مستكنة في قاع المحجر.
الصمت تلاشي واختفى تماما، على العشاء وقبل العشاء وبعد العشاء نكت تترى وأحاديث وغناءا صوته حلو وهو يغني ويقلد أم كلثوم وعبد الوهاب، صوته عال أجش بالسعادة يلعلع.
خيرا فعلت يا أماها وغدا تجذب الضحكات الرجال، فالرجال طعم الرجال.
نعم يا بنات، غدا يجيء الرجال ويهل العرسان. ولكن الحق أن ما أصبح يشغلها ليس الرجال أو العرسان ولكنه ذلك الشاب . كفيف فليكن، فما أكثر ما نعمى عن رؤية الناس لمجرد أنهم عميان . هذا الشاب القوي المتدفق قوة وصحة وحياة، ذلك الذي عوضها عن سنين المرض والعجز والكبر بغير أوان.
الصمت تلاشي وكان إلى غير رجعة، ضجيج الحياة دب.
الزوج زوجها وحلالها وعلى سنة الله ورسوله، فماذا يعيب؟ وكل ما تفعله جائز، حتى وهي لم تعد تحفل بالمواربة أو بكتمان الأسرار حتى والليل يجيء وهم جميعا معا، فيطلق العقال للأرواح والأجساد، حتى والبنات مبعثرات متباعدات يفهمن ويدركن وتتهدج منهن الأنفاس والأصوات، مسمرات في مراقدهن يحبسن الحركة والسعال... تظهر الآهات فجأة فتكتمها الأهات.
كان نهارها وغسيل، في بيوت الأغنياء، ونهاره قراءة في بيوت الفقراء، ولم يكن من عادته أول الأمر أن يؤوب إلى الحجرة ظهرا، ولكن لما الليل عليه طال والسهر أصبح يمتد، بدا يؤوب ساعة الظهر پريح جسده ساعة من عناء ليل ولی واستعدادا لليل قادم. وذات مرة بعدما شبعا من الليل وشبع الليل منهما، سألها فجأة عما كان بها ساعة الظهر، ولماذا هي منطلقة تتكلم الآن ومعتصمة بالصمت التام ساعتها؟ ولماذا تضع الخاتم العزيز عليه الآن - إذ هو كل ما كلفه الزواج من دبلة ومهر وشبكة وهدايا - ولماذا لم تكن تضعه ساعتها؟
كان ممكن أن تنتفض هالعة واقفة صارخة. كان ممكن أن تجن. كان ممكنا أن يقتله أحد. فليس لما يقوله إلا معنى واحد، ما اغربه وأبشعه من معنى !
ولكن غصة خانقة حبست كل هذا وحبست معه أنفاسها.. سكتت. بآذانها التي حولتها إلى أنوف وحواس وعيون راحت تتسمع وهمها الأول أن تعرف الفاعلة. إنها متأكدة لأمر ما أنها الوسطى. إنفي عينيها جرأة لا يقتلها الرصاص إذا أطلق.. ولكنها تتسمعا الأنفاس الثلاثة تتعالى عميقة حارة كانها محمومة ... ساخنة بالصبا تجار، تتردد، تنقطع، أحلام حرام تقطعها.. أنفاس باضطرابها تتحول إلى فحيح.. فحيح كالصهد الذي تنفثه أراض عطشی، والغصة تزداد عمقا واحتباسأ. إنها أنفاس جائعات ما تسمع، بكل شحذها لحواسها لا تستطيع أن تفرق بين كومة لحم حي ساخنة مكتومة وكومة أخرى. كلها جائعة كلها تصرخ وتئن، وأنينها يتنفس ليس أنفاسة، ربما استغاثات. ربما رجوات.. ربما ما هو أكثر.
غرقت في حلالها الثاني ونسيت حلالها الأول.. بناتهاا والصبر أصبح علقمة، وحتى سراب العرسان لم يعد يظهر. فجأة ملسوعة ها هي كمن استيقظ مرعوبة على نداء خفي ... البنات جائعات! الطعام حرام صحيح ولكن الجوع أحرم.. أبدأ ليس مثل الجوع حرام ! انها تعرفه.. عرفها ويبس روحها ومص عظامها، وتعرفه - وشبعت ما شبعت - مستحيل أن تنسی مذاقه.
جائعات وهي التي كانت تخرج اللقمة من فمها لتطعمهن .. هي التي كان همها حتى لوجاعت أن تطعمهن، هي الأم، أنسیت؟
والح مهما ألح تحولت الغصة إلى صمت. الأم صمتت ومن لحظتها لم يغادرها الصمت.
وعلى الإفطار كانت - كما قدرت تمام - الوسطى صامتة . وعلى الدوام ظلت صامتة.
والعشاء يجيء، والشاب - سعيدة وكفيف ومستمتعا - پنکت لا يزال، ويغني ويضحك ولا يشاركه الضحك إلا الصغرى والكبرى فقط
ويطول الصبر ويتحول علقمه إلى مرض، ولا أحد يطل.
وتتأمل الكبرى ذات يوم خاتم أمها في أصبعها وتبدي الاعجاب به، ويدق قلب الأم وتزداد دقاته وهي تطلب منها أن تضعه اليوم، لمجرد يوم واحد لا غير. وفي صمت تسحبه من أصبعها. وفي صمت تضعه الكبرى في أصبعها المقابل.
وعلى العشاء التالي تصمت الكبرى وتأبى النطق . والكفيف الشاب يصخب ويغني ويضحك، والصغرى تشاركه .
ولكن الصغرى تصبح - بالصبر والهم وقلة البخت - أكبر، وتبدأ تسأل عن دورها في لعبة الخاتم، وفي صمت تنال الدور.
والخاتم بجوار المصباح.. الصمت يحل فتعمى الآذان. وفي الصمت يتسلل الأصبع صاحب الدور ويضع الخاتم في صمت أيضأ . ويطفىء المصباح والظلام يعم، وفي الظلام تعمى العيون.
ولا يبقى صاخبة منكت مغنية، إلا الكفيف الشاب.
فوراء صخبه وضجته تكمن رغبة تكاد تجعله يثور على الصمت وينهال عليه تكسيرة. إنه هو الأخر يريد أن يعرف.. عن يقين
يعرف. كان أول الأمر يقول لنفسه إنها طبيعة المرأة التي تابي البقاء على حال واحد، فهي طازجة صابحة كقطر الندى مرة، ومنهكة مستهلكة كماء البرك مرة أخرى. ناعمة كملمس ورق الورد مرة، خشنة كنبات الصبار مرة أخرى. الخاتم دائم وموجود صحيح، ولكن وكأنما الأصبع الذي يطبق عليه كل مرة أصبع. إنه يكاد يعرف، وهن بالتأكيد كلهن يعرفن، فلماذا لا يتكلم الصمت؟ لماذا لا ينطق؟
ولكن السؤال يباغته ذات عشاء، ماذا لو نطق الصمت؟ ماذا لو تكلم؟
مجرد التساؤل أوقف اللقمة في حلقه . ومن لحظتها لاذ بالصمت تماما وأبى أن يغادره .
بل هو الذي أصبح خائفة أن يحدث المكروه مرة ويخدش الصمت. ربما كلمة واحدة تفلت فينهار لها بناء الصمت كله، والويل الله لو انهار بناء الصمت .
الصمت المختلف الغريب الذي أصبح يلوذ به الكل.
الصمت الارادي هذه المرة، لا الفقر، لا القبح، لا الصبر ولا اليأس سببه.
إنما هو اعمق أنواع الصمت، فهو الصمت المتفق عليه أقوى أنواع الاتفاق، ذلك الذي يتم بلا أي اتفاق .
* * *
الأرملة وبناتها الثلاث. والبيت حجرة.
والصمت الجديد.
والمقرىء الكفيف الذي جاء معه بذلك الصمت، وبالصمت راح يؤكد لنفسه أن شريكته في الفراش على الدوام هي زوجة وحلاله وزلاله وحاملة خاتمه، تتصابی مرة أو تشيخ، تنعم أو تخشن، ترفع أو تسمن، هذا شأنها وحدها، بل هذا شأن المبصرين ومسئوليتهم وحدهم هم الذين يملكون نعمة اليقين، إذ هم القادرون على التمييز. وأقصى ما يستطيعه هو أن يشك، شك لا يمكن أن يصبح يقينا إلا بنعمة البصر، وما دام محرومة منه فسيظل محرومة من اليقين، إذ هو الأعمى، وليس على الأعمى حرج.
أم على الأعمى حرج؟
أكان لابد يا لي لي أن تضيئي النور؟
في البدء كانت النكتة . وفي النهاية ربما أيضا تكون
والنكتة في النكتة أنها ليست نكتة، ولكنها واقعة حدثت لأهل النكتة، صناعها المهرة، ورواتها العتاة.
النكتة لم تكن أن يستيقظ هذا العدد الكبير من الناس لأول مرة في تاريخ حي الباطنية، وكر الحشيش والأفيون والسيكونال ليؤدوا صلاة الفجر، هو الذين يبدأ نومهم بأذان الفجر.
وليست النكتة أيضا أنهم أدوا الصلاة أنصاف مساطيل، انصاف يقظي ، ينسى الواحد منهم أنه قرأ الفاتحة فيقرؤها ثانية ويعود ينساها، أو يعود يتذكر فيعود ينوي للصلاة في منتصف الصلاة
النكتة في الحقيقة حدثت قرب نهاية الصلاة، نكتة لا تزال تتفجر بها صدور الحشاشين، في الحي.. أولئك الذين تعايشوا مع النكت المروية حتى الفوها، فما كادوا يعثرون على نكتة حقيقية صارخة دارت وقائعها أمام أعينهم حتى تلقفوها كما يتلقفون
الشيشات الجديدة، وعربات الكارو، والموتوسيكلات والأطفال الجدد، فيظلون يدندشونها، وبمزاج يزخرفونها ويتقنون روايتها ويتفننون في اختراع التفاصيل التي لم تحدث حتى أصبحت أهم وأعز جزء من فولكلور الحي وتاريخه وقصصه، توارت بجانبها في الحقيقة ملاحم بطولة ليس أقلها ملحمة رحنتيتة، ونسائه الأربع أمام الضابط والمخبرين في واقعة زقاق التعبان .
النكتة أنهم صلوا الركعة الأولى في أمان الله ، وكذلك الثانية ، ولم يعد باقية على انتهاء ركعتي الفجر إلا السجدة الأخيرة.. ثم قراءة التحيات والتشهد والتسليم. أما السجود فقد سجدوا .. قال الامام الشيخ: الله أكبر. ثم سجد.. وسجدوا جميعا وراءه. عشرة صفوف طويلة ملات الجامع الصغير. أناس ساجدون في خشوع وان كان سجودة غير مريح، فمعظمهم كان لم يقرب الصلاة من مدة ، ومفاصلهم وعضلاتهم تصلبت حتى لم تعد تقوى على أوضاع الصلاة. ورددوا «سبحان الله ثلاثا، ولكنهم حين لم يسمعوا والله أكبر من الامام ايذانا بنهاية السجدة بدأ الوسواس يوسوس للكثيرين أنهم أخطئوا العدد ومن جديد، وعلى مهل قالوها، وأيضا لم تأت التكبيرة المنتظرة، وأقلية هذه المرة هو التي عاودها الوسواس وأقلية أيضا هي التي بدأت تستنيم للوضع وتريح رءوسها المتعبة الدائرة لا تزال بما فيها من ارهاق وکيوف.. أما الأغلبية فقد بدأ شيء من الاستغراب القليل يخالجها .. استغراب كان ينهيه احساسهم أن حالا سينطق الامام التكبيرة ويعتدل وينتهي الوضع. وكلما أمعنت اللحظة في مضيها دون أن تأتي التكبيرة بدأت نقطة الاستغراب القليل يخالجها.. استغراب كان ينهيه احساسهم حقيقة ثم ذهول، حين تأكد للجميع حتى للأقلية الموسوسة والمستنيمة أن السجدة طالت حقيقة، وأنها ليست بطعة من الأمام أو دعاء خاصة اختار لقوله وضع السجود، كما تأكد للجميع أنهم ليسوا أمام شيء عابر إنما هم بالتأكيد يواجهون حدث. لا بد أن شيئا قد حدث ومنع الشيخ من اتمام السجدة. هنا تحركت الدهشة الحقيقية وتوزعت الف احتمال واحتمال راحت تجوب الأدمغة المنحنية لا تجرؤ على الاعتدال.. رائحة غادية، متماثلة متناقضة.. أمرض؟ أمات؟ أأغمي عليه؟ . أتكون حشيشة أغراه بها شيطان منهم وبدأت تكبس» على يافوخه؟ |
وأيضا، ورغم هذا كانوا متوقعين في كل لحظة تالية أن يرتفع صوته بالتكبيرة طاردة الهواجس، معيدة الثقة - بأن كل شيء طبيعي ولا غبار عليه - إلى عقولهم التي بدأت تسرح وتمرح وتنطلق إلى ما شاءت من خيال.
ولكن وقت مضى، بالضبط لم يستطع أحد تحديده وإنما حسب رواياتهم بين الدقيقتين ونصف الساعة.. إذا تجاوزنا عن مغالاة البعض وقولهم إنه استمر حتى سمعوا أذان الظهر من الجامع الأزهر.. ناهيك عن المهولاتية الذين يصرون على أنهم للان لا يزالون ساجدین .
ولكن المؤكد أن وقت مضى بحيث أصبح مؤكدة حتى لأكثرهم غياب عن الوعي أن الشيخ ليس أبدأ على ما يرام، وأن التكبيرة بالتأكيد لم تصدر عنه وتنهي سجودهم الذي جعل الشخير يتصاعد من حلقين على الأقل من الحلوق التي تراخت وبدا لعابها يسيل.
وهنا فقط بدأ يتجسد أمامهم إشكال حقيقي يواجهه كل منهم منفردة ولأول مرة في حياته .. ماذا بالضبط عليه أن يفعل؟ وما هو
حكم الدين في موقف كهذا؟ وهل إذا رفع أحدهم رأسه تفسد صلاته - وربما صلاة الجماعة بأسرها. ويحمل هو وحده ذلك الوزر كله؟ وهل يحتمل أحدهم أن يكون هو دون عن الساجدين جميعا المتسبب في افساد للصلاة؟ العودة الحديثة الله وبيته وحظيرة الدين جعلتهم مرة أخرى يرون الله ماثلا بجناته وجحيمه ووعده و وعیده أمام عيونهم.. هم كالتلاميذ يعودون ومن تلقاء أنفسهم إلى المدرسة بعد طول «بلطجة» و «تزويغ».. الرهبة من الخطأ أو من الإقدام علیه مسألة لا يمكن أن يحتملها تائب حديث التوبة مثلهم.. أو يفكر
فيها.
ولكن الوقت يمتد، الوقت الحقيقي يمند، ووقت كل منهم الخاص الممدود بطبيعته يمتد ويتضاعف وتصبح الدقيقة فيه بعام... يمتد الوقت حتى لتبدا أفكار شيطانية خبيثة تخطر لبعضهم أكثرها شرة بالتأكيد فكرة أن يضحك، ليس فقط على الوضع الذي هم فيه وإنما على ما يمكن أن يحدث لو أن الشيخ الإمام قد وافته سنة من النوم مثلا، أو الأدهى .. لو كان ماتا وأنهم سيبقون هكذا ساجدین . ربما إلى اليوم التالي وربما إلى يوم الدين، دون أن يكتشف أحد من أهل الحي ما حدث، فالجامع عندهم مكان غير مطروق، مجرد المرور عليه يوقظ الضمير.
ولكن كل الأفكار الشيطانية هزمت فلم يضحك أحد، وحتى لم يطل تفكيره في الوضع کوضع مضحك كي لا يخونه صدره العائم بطبعه ويفلت منه الضحك.
ولم يعد هناك شك لدى آخر المتفائلين فيهم أنهم أصبحوا في مأزق حقيقي، حين بدأ ضوء الشروق يتسلل وينافس ضوء الكهرباء القليل، وهم قد بدأوا الصلاة والظلام كامل. الآن بالاستطاعة القسم أن السجدة طالت طولا غير طبيعي، وأن السعلات التي بدأت تتكاثر وتتحشرج بها الصدور المحنية لم تكن كلها سعالا، أكثرها كان علامة تململ.. وتململ لا حل له، فمعرفة ما حدث تستلزم رفع الرأس والاستطلاع، ورفعها نقض للصلاة. فلينظر إلى أن يفعلها غيره ليكون الباديه، ويكون ذنبه مو ذنب التابع.. وفرق كبير بين ذنب الفاعل الأول وذنب التابع .
استمر السجود إذن حتى انتصر حقيقة على كل ما اجتاح الرءوس من احتمالات أو مخاوف أو ضحكات
ولأن لا نكتة هنا والضحك الحقيقي لم يبدأ بعد.. فلنتركهم
هكذا ساجدين كل منهم لا يريد أن يكون البادىء بالمعصية .
لنتركهم ساجدين !
إذ هكذا بالضبط تركتهم أنا. أنا الشيخ عبد العال إمام مسجد الشبوکشي في الباطنية .
أكان لا بد يا ولي لي، أن تضيئي النور؟!
أنا قطعة سبحان فالق الإصباح. النوم في صوتي، فعيوني لا تتفتح إلا حين الوصول إلى «استغائات، الفجر. أنا.. أنا صاعد سلم المئذنة الأفعواني المظلم. أنا.. مشفقأ على صدري وصوتي من الندى. أنا.. عيناي تقتحمهما البرودة وتغلفهما العادة والاحساس بأداء الواجب وإني إنما أؤذن في مالطة، وإن الأتقياء في الحي قليلون، والأتقياء تمامأ يفضلون جامع الأزهر القريب، وإجهاد الصوت لا فائدة منه فماذا يفعل صوتي وسط غابة المآذن المحيطة المزودة بحناجر میکروفونية يغرق بينها صوتي مهما ارتفع. أنا أنا.. أؤذن لنفسي.. ويكفيني أن الله يسمعني ويعرف أني أؤذن الفرض كما أمر ويغفر لسكان الحي النائم منهن واليقظان... فنائمهم بمعصية، ويقظانهم لمعصية، والحظ وحده أو لعلها الحكمة مي التي دبرت تعييني في جامع أقامه صاحبه وقفة من قديم الأزل، ترکی كان هو. . بالسياط سلب وضرب، واعتقد انه بالجامع وبضريحه

المقام بجوار القبلة يجني ثمار الدعوات .. ستحمله صلوات الناس جيلا بعد جيل لتقربه من الجنة. حتى رحلة الجنة تقطعها على أكتاف الأخرين با.. تركي؟
أنا الخريج الحديث من الأزهر، من صغري أحببت الله وبإرادتي ربطت وجودي بدينه. أكاد أبسم اشفاقا ممن يتصورون أني دخلته لأصبح فقيها ومقرئة ما دام قد وهبني الله هذا الصوت. أعرف أن صوتي جميل وأني کي اداريه لا أكشف للناس كل جماله .. ولكن ما لهذا اخترت الأزهر، وما لهذا حفظت القرآن صغيرة، ومن ابتدائي مدارس حولت إلى ابتدائي ازهر السبب أعمق.. السبب إلهي .. السبب موقفي من كون ليس فيه ما يستحق الحياة سواه .
أكان لابد يا لي لي، أن تضيئي النور؟ أكان لابد؟
کم بدا النور باهرة وسط تمام الظلام ! مصباح واحد في حجرة السطوح الواحدة هذا صحيح، ولكنه يكاد يضيء الباطنية كلها.. قابعة كمعسکر مزدحم نفق قاطنوه أو رحلوا، البيوت مريضة تتساند، أحشاؤها صغيرة بارزة محشوة كرحم القطط بآدميين.. رعیتی ومسئوليتي - بالأدق فشلي - بالرغبة المستعرة في ايقاظ الله في نفوس تريد أن تنسى فكرة وجوده.
قاتلتا بعد أسبوع ظفرت بأول بارقة.. انتعش الأمل...
استمت. تخلوا عن الوعود الكاذبة والصهينة وبدأ الضيق.. إلحاح آخر.. حمر العيون وبالوعيد جاءوا .. اسمع خميرة عكننة مش عايزين، وحسابنا في الآخرة نحن عارفين.. والحساب يجمع. بأدبك اهلا وسهلا، ندوشنا تاني أنت واللي يصح لك. وبالسليقة عرفت أنهم صادقون، في أعماقهم أيضا صادقون.. يرغبون في الله حقا وفي أعماقهم مؤمنون.. ولكن الحياة .. حياتهم لا تحتمل الله الكامل. إما أن يقبلهم هكذا.. وهكذا يعبدونه وإما فلا. لهم دينهم
حقة، الصلاة فيه ركعتا جمعة كل أسبوع، والنهار صيام في رمضان هذا صحيح. ولكن المهم أن من الفطار إلى السحور حشیش، وأيمان بالله ما هو الحشيش - حرام : اديني آية نزلت تحرمه. الزكاة معظم أغنيائهم يخرجونها فعلا، بل إن احدهم كان عينيا كما أمر الدين، ومن بضاعته، كان يزكي. والحج تاج على رءوس كبار المعلمين وعلى الأقل يتيح القسم ساعة الصفقات بشباك الرسول. كسبت منهم بالكاد خمسة وخسرت الثقة بأني خير مبشر ومبين.. ثم أدركت أن الخطأ خطئي ، وأني قبل أن أهديهم لابد أن أعرفهم أحيانا الأغيرهم، أصبح منهم ليصبحوا مني.. إن لهم لغة أخرى وقيمة أخرى ومفاتيح خاصة بغيرها تبقى دائما خارج السور والصدور. ومن العزلة هبطت.. إلى القهاوي أجلس، إلى الداعين أزور، لأدير الوجه لما يحملون أو يدخنون.. أو يفعلون، بقلبي معهم اری وأسمع.. وأقترب.
أكان لا بد یا الي لي،
 أكان لا بد؟

أم أنه لابد هي أو غيرها لابدا لم أكن قد عرفت أن العفة معراة إلى هذا الحد، ولا طرأ بعقلي أني رغم حب الله شاب في الخامسة والعشرين. أنا متبتل، سعيد حتى بالحي الذي كان قاطنوه القدامي من طوائف والباطنية، قد اعتزلوا بالحي دنياهم .. ربما نفس عزلة سكانه الحاليين. في قعداتهم، نفس التأمل. الفرق أنهم يتأملون ما يضحك، بينما الباطنيون الأول كانوا يتأملون ما يحب، وما يقود إلى ينبوع الحب.. الله .
لم أنطن إلا بعد أن تعددت المظاهر، وإلا بعد أن لاحت علامات رغم كل حسن النية.. لا تقبل الشك. قرات لهم مرة فأعجبهم صوتي واستعادوني، وأحسست فجأة أني دخلت قلوبهم، وأن المغلقين يفتحون الأبواب، ولم يعودوا يريدون مني إلا الصوت والتلاوة. رفضوا الواعظ والمبشر والامام ولم يعد أمامي إلا صوت يجذبهم لما أريد. الله المجرد صعب، ولتكن البداية على مدى آية من آياته .
السميعة بقربي دائما رجال، ولم أكن أعرف أن أعداد النساء خلفهم أكبر! وأني ما أن أبدا أقرأ حتى يشيع الخبر في الحي کالموضة، وكالموضة يتزاحمن، ومن صدورهن تتصاعد مع وقفاتي الأهات. متاعب بدأت.. في كل أوبة للمسجد لا بد من حرمة منتظرة، ولا بد من سؤال أو حجة سؤال. عيني أبدأ ما ارتفعت.. أسعد باقتناعهن وأستبشر. الصلاة بين النساء بدأت، وهن اللاتي
يحببن للرجال الصلاة. سؤال زلزل كياني مرة. من شابة كان.. الأقدام التي تسمرت عيني عليها كانت بالقطع شابة. المشكلة تبوح بها في تردد، ثم بلا خجل تنطق .. الزوج كف من شهور عن معاشرتهاا ولا فائدة فإدمانه السبب، وإدمانه موئس، ومحاولاتها فشلت وتخاف الفتنة.. ماذا تفعل؟
بل الأكثر لم تعد هناك أسئلة .. كلها أصبحت اعترافات..
- ماذا أفعل وقد راودني الصبي عن نفسي حين أرسله المعلم بالخضار وغلبني الشيطان؟
- ماذا أفعل وقد حلمت بك يا مولانا؟
- ماذا أفعل وأخي يأتي عميان من سهراته، ومهما فعلت لا يسكت حتى أذعن، وكل ليلة أذعن، وأريد أن أتوب؟ أتقبل من مثلي التوبة؟ على يديك أتوب..
وتمسك بيدي امساكة لا توبة فيها ولا رادع . الشيطان. هؤلاء أناس انفرد بهم الشيطان طويلا وكثيرة . ولم يعودوا يعرفون طريقة آخر إلا طريق الضلال.
الشيطان .

حولي وفي كل مكان .. في همسة الحرمة، في النظرة تصوب إلى من خلفي لاسعة کسيخ الحديد قادمة لتوها من جهنم . فلاری الشيطان وجها لوجها ولا أعود أغض البصر، أصبحت بعينين واسعتين أحدق، وبما أصبه من خلالهما أنفي من نفسي الخجل والعفة، وبهما قد أصبحت مركز اغراء .. بعيني أنهر، ومن خلالهما أصعق السائلة بنظرة تتفجر بایمان کثيف يضيق به القلب.
أكان لابد يا ولي لي، أن تضيئي النور؟
أنا اسمي لي لي، ما سمعتش عني؟. صوبت عيني .. ارتدت نظرتي بصدام مع نظرة أقوى .
بالطبع سمعت عنها. انها نصف اشاعات وأحاديث واستنكارات واستحسانات واتهامات وبراءات أهل الحي لي لي أعجوبتهم بنصفها الإنجليزي ونصفها المصري. بشعرها الأحمر الطويل الكثيف وعيونها العسلية المصرية الي لي» ثمرة الزواج الذي دام أسبوعا بين أمها وبين عسكري انجليزي اسمه «جوني، قضى مع
بديعة، الأم ليلة، ولم يفعل کشبابنا والحدقين، ويكتفي بما أصاب من متعة ويفر. العبيط طلب منها في الصباح الزواج.. وتم.. وبعد أسبوع سافر، وبعدها لم يعد مات في الحرب ا وتكفل هذا الأسبوع الواحد بضمان معاش شهري لم تكن تحلم به «بديعة ظلت تصرفه من السفارة البريطانية بشيك يأتي من لندن رأسا لمدى خمسة وعشرين عاما.. معاش هو الذي أجرى في يدها النقود وأغراها أن  تكون «بنك، يمول صغار تجار المخدرات في حيها. وفي الحي نشات لیلی کما سمتها أمها ، و لي لي، كما نادتها جدتها لأبيها وجدها حين حضرا من انجلترا بعد الحرب خصيصا ليريا حفيدتهما، وكم من مبالغ عرضوها لتتنازل أم الي لي، عن الي لي،، وكم استعبطوها وشتموها، وكم رفضت وبابنتها كروحها تمسكت. وعلمتها، ورغم الرجال الطالعين النازلين من عند أمها الجالسين معظم الوقت على عتبة الشقة - وأحيانا على عتبة باب الشارع - کاشفة كل ما خفي من جسدها لا يهمها من حي هي فيه صاحبة مال، وصبيانها رجال، وعلاقاتها علنا وعلى رءوس المارة والجيران ... و الي لي» ستعلمها ولاخر المدى.. وستجعل منها ست الستات
والخواجاية مغرية، فإذا كانت الخواجاية مصرية كان الاغراء أكبر. تعلمت لي ليه أو لم تتعلم، وتعلمت ولم تتعلم. طموحة كانت، من صغرها وهي تحس أنها أرقی، ولا بد أن تكون الأرقی ... وحتى وهي تعب المشروبات الرخيصة في الكباريهات منضمة إلى الفرق الأجنبية، وتقضي الوقت تتردد على مكاتب ریجسپري الدرجة الثانية، كانت تؤمن تماما أنها بوما ما ستصبح ست الستات وسيسجد لها العالم وتكون أشهر وأمتع امرأة فيه.
- ربنا يفتح عليكي وينور لك طريقك.
- طب ما تنور هولي أنت ينوبك ثواب

- النور لا بد من الداخل.. من القلب. نورك في ايدك . - أكان لا بد یا الي لي، أن تضيئي النور؟
أكان لا بد؟!
- عايزاك تعلمني الصلاة .
- عندي کتاب خذیه .
. أنا عايزة درس خصوصي !
. أستغفر الله العظيم.. روحي الله يغفر لك ويسهل لك.
انقطع المعاش وجفت النقود.. وكبرت المعلمة ومرضت ولم يعد هناك إلا ما تكسبه الي لي، من قروش. |
أكثر من مرة حاولت تفاديها فكانت تقتحمني . عيونها شرارة كهرباء تخترق الهواء قافزة من قطبها المصري إلى قطبها السكسوني . جمالها طاغ على الحي محرم. بالقوة حاولوا .. بالنقود .. بالزحف على البطون. الي لي، لا تقرب إلا الأجانب.. لم تكن تقول، ولكنه السر... سرها الدفين. في النهاية كعهدهم أمام كل مستعص قبلوها كما هيا احترموا أنها ليست لأحد، وما دامت كذلك فهي للكل يحمونها ويوصلونها، أخت الجميع المحرمة المرغوبة... ألى اللقاء فى الجزء التانى.



للكاتب يوسف أدريس

عن الكاتب

محمد جمعه

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

قصص 26