رواية السعي من أجل البطولة | مورغان رايس - الفصل الأول

هذا الموقع محمي بموجب اتفاقية حماية حقوق المحتوي العالمية

رواية السعي من أجل البطولة | مورغان رايس - الفصل الأول

مرحباً بكم أصدقائي وأحبابي عاشقي القراءة والقصص الخيالية و روايات مترجمة علي موقعنا قصص 26  وموعدنا اليوم مع الفصل الأول من رواية السعي من أجل البطولة وهي الكتاب الأول من "سلسلة طوق الساحر" للكاتب مورغان رايس وهي السلسلة التي تمتلك كل المقومات لتحقيق النجاح.
سنغوص سويا داخل سلسلة طوق الساحر وعبر أجزائها المتتالية في عالم من المؤامرات و المؤامرات المضادة و الغموض و الفرسان الشجعان و العلاقات المزدهرة التي تملئ القلوب المكسورة, الخداع و الخيانة. 
سوف تقدم لك الترفيه لكثيرٍ من الوقت, وستتناسب مع جميع الأعمار. لذلك نوصي بوضعها في المكتبة الدائمة لجميع قرّاء القصص الخيالية.

رواية السعي من أجل البطولة | مورغان رايس - الفصل الأول

رواية السعي من أجل البطولة | مورغان رايس
رواية السعي من أجل البطولة

رواية السعي من أجل البطولة | مورغان رايس (الكتاب الأول في "سلسلة طوق الساحر") 

الفصل الأول

وصل الصبي إلى أعلى هضبةٍ في البلاد المنخفضة في المملكة الغربية من بلاد الطوق, أخذ يتطلّع إلى الشمال ويشاهد الخطوط الأولى من شروق الشمس. كان يرى التلال الخضراء المتموجة على امتداد نظره, ترتفع وتنخفض مثل أسنام الجمل في سلسلة من الوديان والقمم. الأشعة البرتقالية المحترقة القادمة من الشمس المتريّثة في سديم الصباح, مما يجعلها متألّقة, كانت تمنح ضوءً سحرياً يلائم مزاج الصبي. إنّه نادراً ما يستيقظ في هذا الوقت الباكر أو يغامر في الابتعاد عن المنزل إلى هذا الحد – ولم يصعد إلى هذا الارتفاع مسبقاً—وهو يعرف أنَّ ذلك سيكلفه غضب والديه, ولكن في هذا اليوم لم يكن مهتماً بذلك. في هذا اليوم تجاهل ملايين القواعد والواجبات التي كانت تضطهده خلال سنواته الأربعة عشرة. هذا اليوم كان مختلفاً, في هذا اليوم كان قد أتى مصيره.
الصبي تورجرين من المملكة الغربية في المقاطعة الجنوبية من عشيرة ماكلويد – والمشهور بين الجميع ببساطة بـ "تور" – كان أصغر الأولاد الأربعة وأقلّهم حباً من قِبل والديه. لقد بقيَ مستيقظاً طوال الليل في انتظار هذا اليوم, كان يتقلّب على السرير بعينين غائمتين ينتظر ويستعد لبداية إشراق الشمس. مثلُ هذا اليوم يأتي مرةً واحدةً كلَّ عدة سنوات وإذا غاب عن هذا اليوم فسيبقى عالقاً في هذه القرية ومحكومٌ عليه برعاية قطيع والده لبقية حياته. كان لا يستطيع تحمّل هذه الفكرة.
يوم التجنيد كان يوماً واحداً فقط يقوم فيه جيش الملك باستطلاع المحافظات واختيار المتطوعين لفيلق الملك. لم يحلم تور طوال حياته بأيِّ شيءٍ آخر. كانت الحياة تعني له شيئاً واحداً: الانضمام إلى مجموعة "الفضة" ,وهي فرقة النخبة من الفرسان الخاصة بالملك, مزيّناً بأفخم الدروع والأسلحة المختارة في أيّ مكان من المملكتين. لا يمكن لأحدٍ أن يدخل في "الفضة" دون الانضمام إلى الفيلق أولاً, أعمار المرافقين و حاملي الدروع من سرايا الجيش تتراوح بين الرابعة عشرة والتاسعة عشرة. لا يوجد طريقةٌ أخرى للانضمام إلى الفيلق سوى أن تكون واحداً من أبناء النبلاء أو المحاربين الشهيرين.
كان يوم التجنيد هو الاستثناء الوحيد, والذي يحدث نادراً كلَّ عدة سنين عندما يجوب الفيلق ورجال الملك الأرض بحثاً عن مجندين جدد. الجميع كان يعلم أنَّه سيتم اختيار قلّةٍ من العامّة فقط – وهذه القلّة فقط من ستكون في الفيلق.
تور كان يتابع الأفق باهتمام ويبحث عن أيّ إشارة لحركةٍ ما. كان يعلم أنَّ فرقة الفضة يجب عليها أن تأخذ هذا الطريق فقط إلى قريته وكان يريد أن يكون أوّل من يراهم. تجمعت الأغنام في كلِّ مكانٍ من حوله تهمهم بأصواتٍ مزعجةٍ وتدفعه لإعادتهم إلى أسفل الجبل, حيث اختار أن يقوم برعايتهم. حاول أن يوقف هذه الضوضاء والروائح الكريهة, كان عليه التركيز.
فكرة أنّه سيغادر هذا المكان في يومٍ ما هي التي جعلته يتحمل كلَّ هذه السنوات من رعاية القطيع و كونه خادماً لوالده وإخوته الأكبر سناً, ويتحمل الأعباء ويعتني بهم. في أحد الأيام عندما ستأتي مجموعة الفضة ويختارونه سوف يفاجئ جميع من استهان به, و بإشارةٍ سريعةٍ سوف يصعد إلى عربتهم ويقول وداعاً لكل هذا.
و بطبيعة الحال فوالدُ تور لم يأخذه أبداً على محمل الجِّد كمرشحٍ للفيلق, وفي الواقع لم ينظر إليه أبداً كمؤهلٍ لأيِّ شيء. وبدلاً من ذلك قامَ والده بتكريس حبه واهتمامه لإخوته الثلاثة الأكبر سناً. كان أكبرهم في سنِّ التاسعة عشرة والباقي كان بين كلٍّ منهم سنةٌ واحدةٌ, ما عدا تور الذي كان بينه وبين أخيه الأكبر ثلاث سنواتٍ. ثلاثةٌ منهم تمسكّوا ببعضهم البعض وبالكاد اعترفوا بوجود تور, ربما لأنّهم كانوا متقاربين في العمر أو ربّما لأنهم كانوا يشبهون بعضهم البعض ولم يكن أحدهم يشبه تور.
الأسوأ من ذلك أنهم كانوا أطول وأقوى منه, رغم معرفة تور بأنه لم يكن قصيراً كان يشعر بأنه صغير بجانبهم. كان يشعر بأنّ عضلات ساقيه هزيلة بالمقارنة مع عضلاتهم التي تشبه خشب البلوط. لم يقم والده بأي خطوة لمعالجة هذا, في الواقع بدى أنه يتلذذ بهذا, تاركاً تور لرعي الغنم وشحذ الأسلحة بينما تُرك أخوته للتدريب. كان لا يتحدث بهذا أبداً ولكنه كان مفهوماً دائماً بأن حياة تور ستمضي بلا معنى وهو يشاهد إخوته يحققون أشياء عظيمة. مصيره إذا مضى والده وإخوته في طريقهم, سيكون بالبقاء هنا, مسجوناً في هذه القرية وهو يقوم بخدمة عائلته و تقديم الدعم الذي تطلبه. الأسوأ من ذلك إحساس تور بشكل متناقض أن إخوته يشعرون بالتهديد من قبله, كان يحس في بعض الأحيان أنهم ربما يكرهونه أيضاً. كان تور يستطيع رؤية هذا في كل نظرةٍ منهم, وفي كل إشاراتهم. لم يكن يفهم كيف, لكنه أثار شيئاً ما فيهم, مثل الخوف أو الغيرة في نفوسهم. ربما كان هذا لأنه مختلف عنهم, لا يبدو مثلهم أو يتحدث بتصنعهم, حتى أنه لم يكن يلبس مثلهم, احتفظ والده بأفضل الأثواب الأرجوانية والقرمزية والأسلحة المذهبة لإخوته, بينما تُرك تور يرتدي الخرق الخشنة.
بالرغم من هذا, قدم تور أفضل ما لديه, بإيجاد طريقة تجعل ملابسه تناسبه, رابطا العباءة مع وشاح حول خصره, والآن كان موسم الصيف هنا, فقطع الأكمام و سمح للنسائم بمداعبة ذراعيه الخفيفتين. قميصه كان يتلاءم مع سرواله الكتان الخشن وزوج أحذيته الوحيد المصنوع من الجلد الأكثر فقرا بأربطة تصل إلى ساقيه. كانوا بالكاد من الجلد بالنسبة لأحذية إخوانه, لكنه جعلهما مناسبين. كان له زيٌّ نموذجي للرعاة.
لكن سلوكه لم يكن يشبه سلوك الرعاة. كان تور يقف بقامة طويلة هزيلة, و يملك فكّاً ضخماً وذقناً نبيلاً وعظام خدٍّ عالية وعيوناً رمادية, بهيئة تشبه محارباً مهجّراً. كان شعره البني يتموّج على رأسه, بعيداّ عن أذنيه, و عيناه تلمع في الضوء بجانب خصل شعره.
كان سَيُسمح لإخوته بالنوم في هذا الصباح, وسيُقَدم لهم وجبة دسمة, و يرسلون للاختيار مع أفضل الأسلحة بمباركة والده, بينما لم يكن سيسمح له بالحضور حتى. لقد حاول أن يناقش المسألة مع والده مرة واحدة, و لكن لم تسر الأمور على ما يرام. أنهى والده المحادثة دون مناقشة, لم يعد المحاولة مرة أخرى. لقد كان ذلك غير عادل أبداً.
كان تور عازماً على رفض المصير الذي خططه والده له. عند أول علامة من القافلة الملكية, سيركض عائداً إلى المنزل ليواجه والده, وشاء أم أبى سيجعل رجال الملك يعرفونه. سيقف مع الآخرين للاختيار و لن يستطيع والده منعه من ذلك. كان يشعر بضيق في صدره عند التفكير في ذلك. حين ارتفعت الشمس الأولى إلى الأعلى, و بدأت الشمس الثانية في الارتفاع, مضيفةً طبقة من الضوء إلى السماء الأرجوانية, استطاع تور أن يلاحظهم.
كان يقف بانتصاب و الخوف يملأ قلبه, بعواطف مثارة. هناك في الأفق, ظهرت خطوط لعربة تجرها الخيول, عجلاتها تركل الغبار إلى السماء. قلبه يدق أسرع من مجيئها, حتى أكثر من لمعان لونها الذهبي تحت الشموس, مثل سمكة فضية تقفز من الماء. بعد أن عدَّ اثنا عشر منهم, لم يعد بإمكانه الانتظار أكثر. عصف قلبه في صدره, ناسياً قطيعه لأول مرة في حياته, التفت تور و انطلق مسرعاً متعثراً أسفل التل, وعزم على عدم التوقف عند أي شيء حتى يعرّف عن نفسه لرجال الملك.
*
بالكاد كان تور يتوقف لالتقاط أنفاسه وهو مسرع إلى أسفل التلال, عبر الأشجار, تخدشه الأغصان دون أن يهتم. وصل إلى أرض خالية من الأشجار ورأى قريته منتشرة أمامه: بلدةٌ هادئةٌ مليئةٌ ببيوت من طابق واحد, والبيوت من الطين الأبيض مع أسقف من القش. ولكن كان يوجد عشرات الأُسر داخلها. كان يتصاعد الدخان من المداخن لأن معظمهم كان يعدّ وجبته الصباحية. كان مكاناً خلاباً, بعيداّ عن البلاط الملكي ركوب يوم كامل. مجرد قرية أخرى على أطراف الطوق, سن آخر من عجلة المملكة الغربية.
اندفع تور إلى نهاية الامتداد, إلى ساحة القرية, وهو يركل التراب أثناء ركضه. يدفع الدجاج والكلاب من طريقه, وامرأة عجوز جالسة قرفصاء خارج منزلها أمام قدرٍ من المياه التي تغلي, تهسهس في وجهه.
"على رسلك أيها الصبي!" قالتها رويداً كأنها تسابق الماضي, وهي تنثر التراب في نارها.
ولكن تور لن يستطيع الإبطاء أو التوقف من أجلها و لا من أجل أحدٍ غيرها. نزل إلى شارع جانبي, ثم إلى آخر, يلف وينعطف في طريق يحفظه عن ظهر قلب, حتى وصل إلى البيت.
كان منزلا صغيراً غريباً مثل منازل الآخرين, بجدرانه من الطين الأبيض وسقف من القش ذو زوايا. مثل معظم المنازل, غرفة واحدة مقسمة, والده ينام في جانب وإخوته الثلاثة ينامون في الجانب الآخر, وخلافاً لمعظم المنازل, كان فيه قن دجاج صغير في الخلف, وكان تور ينفى هناك للنوم. في البداية كان لديه مكان للمبيت مع إخوته, ولكن مع مرور الوقت كّبُر إخوته و أصبحوا أضخم و أكثر شراسة, ولم يتركوا له مجالاً في الغرفة للنوم معهم. ذلك سبب لتور الأذى ولكنه الآن يستمتع بالحيز الخاص به, مفضلاً أن يكون بعيداً عن وجودهم. وذلك أكدّ له أنه كان منفياً بالنسبة لعائلته على الرغم من معرفته أنه كذلك.
ركض تور إلى الباب الأمامي واندفع عبره دون توقف.
"أبي! صاح وهو يلهث." فرقة الفضة! إنهم قادمون!"
كان والده وإخوته الثلاثة جالسون منحنين على مائدة الإفطار, يرتدون أفضل ما لديهم. عند سماعهم كلماته قفزوا جميعهم واندفعوا إلى الخارج, يرتطمون بكتفيه وهم يركضون إلى الطريق.
تبعهم تور خارجاً, ووقفوا جميعهم يراقبون الأفق.
"لا أرى أحداً" أجاب ديريك أكبرهم, بصوته العميق. مع كتفين واسعتين وقصة شعر مثل إخوته, بني العينين ونحيل, بشفتين مستنكرتين عبس في وجه تور كما يفعل دائماً.
"لا أرى أحداً أيضا" ردد دروس, الذي يصغر ديريك بعام واحد و يكون دائماً بجانبه.
"إنهم قادمون!" صرخ تور. "أقسم بذلك!"
التفت إليه والده وأمسك كتفيه بقوة.
"وكيف يمكنك معرفة هذا؟" قال محتجاً.
"لقد رأيتهم."
"كيف؟ من أين؟"
تردد تور, لقد أمسك به والده. هو يعرف بالطبع المكان الوحيد الذي يمكن أن يرصدهم منه, إنه في أعلى الهضبة. الآن لم يكن تور يعرف كيف يرد.
"أنا...تسلقت الهضبة"
"مع القطيع؟ أنت تعرف أنها لا يجب أن تذهب إلى هذا الحد."
"لكن اليوم كان مختلفا, كان يجب أن أشاهدهم."
حملق والده بسخط إلى الأسفل.
"اذهب إلى الداخل فوراً و أحضر سيوف إخوتك وقم بتلميع أغمادهم, حتى يبدوا بأفضل مظهر قبل وصول رجال الملك."
انتهى والده منه, التفت إلى إخوته الذين وقفوا جميعهم في الطريق يبحثون.
"هل تعتقد أنه سيتم اختيارنا؟" سأل دورس, أصغر الثلاثة, و الذي يكبر تور بثلاث سنوات كاملة.
"سيكون من الغباء ألّا يفعلوا," قال والده. "إنهم يفتقرون للرجال هذا العام. لقد كان الاختيار ضعيفاً أو أنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث. أنتم الثلاثة قفوا باستقامة فقط وأبقوا ذقونكم وصدوركم مشدودة. لا تنظروا مباشرة في أعينهم, و لكن لا تنظروا بعيداً أيضا. كونوا أقوياء و واثقين بأنفسكم, و لا تظهروا أي ضعف. إذا كنتم تريدون أن تكونوا في فيلق الملك, يجب أن تتصرفوا كأنكم بالفعل فيه."
"نعم, أبي." أجاب أولاده الثلاثة في آن واحد, وأخذوا الوضعية التي أمرهم والدهم بها.
التفت إلى الوراء وحملق بغضب في تور.
"لماذا لا تزال واقفاً هنا؟" سأل والده "اذهب إلى الداخل!"
تور وقف هناك, مشتتاً. لا يريد أن يعصي والده, لكنه يجب أن يتحدث إليه. خفق قلبه كما لو أنه بدأ بمناقشته. قرر أنه سيكون من الأفضل أن يطيعه, سيحضر السيوف ثم يواجه والده. عصيانه المباشر لن يساعده.
اندفع تور إلى المنزل, إلى الخلف حيث ألقيت الأسلحة. وجد سيوف إخوته الثلاثة, كلهم غاية في الجمال, متوجين بخيرة مقابض السيوف الفضية, إنها عطايا ثمينة عمل والده بكدّ من أجلها. أمسك بثلاثتهم, تفاجأ بوزنهم كما هو الحال دائماً وركض عائداً عبر المنزل حاملاً السيوف.
انطلق نحو إخوته وسلم كل منهم سيفه, ثم التفت إلى والده.
"ماذا, بدون تلميع؟" قال ديريك.
التفت والده إليه باستنكار, ولكن قبل أن يتمكن من قول أي شيء, تكلم تور.
"أبي, من فضلك, أريد التحدث إليك."
"أمرتك بتلميعهم.."
"من فضلك, أبي."
حملق والده مرة أخرى, يجادل. يجب أن يكون قد رأى الجدية على وجه تور, لأنه أخيراَ قال, "حسناً؟"
"أريد أن أؤخذ بعين الاعتبار و أذهب إلى هناك, مع الآخرين. للفيلق."
ارتفع صوت ضحكات إخوته من خلفه, الأمر الذي جعل وجهه يشتعل احمراراّ.
ولكن والده لم يضحك, على العكس من ذلك, ازداد عبوس وجهه.
"أنت؟" سأل والده.
تراجع تور إلى الخلف.
"أنا في الرابعة عشر, أنا مؤهل."
"إنه في الرابعة عشر," قال ديريك باستخفاف, من فوق كتفه. "إذا أخذوك, ستكون الأصغر بينهم. هل تظن أنهم سيفضلونك عن شخص مثلي أكبر منك بخمس سنوات؟"
"أنت وقح," قال دورس. "أنت دائماً هكذا."
التفت تور لهم. "أنا لا أسئلكم" قال تور.
التفت إلى أبيه, الذي ما يزال عابساً.
"أبي, رجاءً", قال تور. "أعطني فرصة, هذا كلّ ما أطلبه. أنا أعلم أنني ما زلت صغيراً, و لكنني سأثبت نفسي مع مرور الوقت."
هزّ والده رأسه بالنفي.
"أنت لست جنديا, أيها الفتى. أنت لست كإخوتك, أنت راعي. حياتك هنا, معي. ستقوم بواجباتك كلها بشكل جيد. ينبغي على المرء أن لا يحلم عالياً. ابني حياتك وتعلم أن تحبها."
شعر تور بقلبه ينكسر وكأنه يرى حياته تنهار أمام عينيه.
لا, قال وهو يفكر لا يمكن أن يحصل هذا.
"لكن أبي.."
"اصمت" صرخ بشدة. "هذا يكفي, ها قد جاؤوا. ابتعد عن الطريق, و الأفضل لك أن تلتزم أدبك وهم هنا."
اقترب والده ودفع تور إلى الجانب, كما لو كان شيئاً من الأفضل أن لا يُرى. اكتوى صدر تور بكفّ أبيه الضخم.
ظهر دويّ كبير, اندفع سكان المدينة خارج منازلهم, يملئون الشوارع. سحابةٌ من الغبار المتزايد تبشّر بقدوم القافلة. بعد لحظات وصلوا, اثنا عشر عربةً تجرها الخيول مع ضوضاء مثل الرعد العظيم.
جاؤوا إلى المدينة كجيش مفاجئ, توقفوا أمام منزل تور. قفزت أحصنتهم في المكان وهي تصهل. أخذت سحابة الغبار وقتا طويلاً حتى تلاشت. تور حاول بشغف سرقة نظرةٍ خاطفةٍ على دروعهم و أسلحتهم. لم يقترب من فرقة الفضة هكذا من قبل, كان قلبه يخفق بسرعة.
ترجل الجندي من على الحصان الرمادي. إنه هنا, عضو حقيقي من فرقة الفضة, مغطىً بدرع دائري لامع, ويحمل سيفاً طويلاً على حزامه. مظهره يوحي بأنه في الثلاثين من عمره, رجل حقيقي بلحيةٍ على وجهه, وندوب على خده, وأنف أعوج من المعارك.
كان هذا الرجل الأكثر أهمية الذي قد رآه تور طوال حياته, عريض المنكبين كالآخرين, مع طلعة تقول أنه في مهمةٍ ما.
قفز الجندي إلى آخر الطريق الترابي, خيله يجلجل وهو يقترب من صف الفتيان.

توقف الفتيان من أعلى وأسفل القرية بانتباه, على أمل. الانضمام إلى فرقة الفضة كان يعني حياة الشرف و المعركة و الشهرة, تعني المجد مع الأرض, و اللقب و الثروات. ذلك يعني أفضل عروس و أرضاً مختارة وحياة مجد. ذلك يعني تكريماً لعائلتك, دخول الفيلق كان الخطوة الأولى.
تمعن تور بالعربات الذهبية الكبيرة, وعرف أنها يمكن أن تحمل الكثير من المجندين. كانت مملكة كبيرة, وكان لديهم العديد من المدن لزيارتها. شعر بنفسه قد اختفى, عندما أدرك أنها فرصةٌ بعيدةٌ أكثر مما كان يتوقع. يجب أن يتغلب على هؤلاء الفتيان الذين كان كثير منهم مقاتلون كبيرون بجانب إخوته الثلاثة, كان يشعر أنه يغرق.
كان تور بالكاد يستطيع التنفس والجندي يسير بخطى في صمت, يدرس صفوف الطامحين. بدأ من الجانب البعيد من الشارع, ثمّ استدار ببطء. تور عرف كل الفتيان الآخرين. و بطبيعة الحال كان يعرف أن بعضاً منهم لا يريدون أن يتم اختيارهم, على الرغم من أسرهم تريد إرسالهم. كانوا خائفين جداً, لو حصل ذلك من الممكن يكونوا جنوداً رديئين.
كان قلب تور من الإهانة, لقد شعر أنه يستحق أن يُختار بقدر كل منهم. فقط لأن إخوته كانوا أكبر وأقوى منه لا يعني أنه لا يملك الحق في الترشح وأن يتمّ اختياره. كان يحترق من الكراهية لوالده, كان سينفجر خارج جسده كلما اقترب الجندي.
توقف الجندي أمام إخوته, لأول مرة. كان ينظر إليهم من الأعلى إلى الأسفل, وبدا معجباً. وصل إليهم أمسك واحداً من أغمادهم وانتزعه وكأنه يختبر مدى رسوخه.
كسر صمته بابتسامة.
"لم تستخدم سيفك في معركة من قبل, هل فعلت؟" سأل الفارس ديريك.
رأى تور أخوه ديريك متوتراً لأول مرة في حياته.
"لا يا سيدي. ولكنن استخدمته مرات عديدة في التدريب, وآمل أن.."
"في التدريب!"
زمجر الجندي مع الضحك, واتجه إلى الجنود الآخرين, الذين انضموا, ضاحكاً في وجه ديريك.
تحول وجه ديريك إلى الأحمر الفاقع. لم يرى تور أخوى ديريك محرجاً من قبل, بالعادة ديريك هو من يحرج الآخرين.
"حسناً يجب أن أخبر الأعداء بالخوف منك بالتأكيد, أنت الذي يحمل سيفه في التدريب!"
ضحك حشد الجنود مرة أخرى.
ثم التفت الجندي إلى إخوة تور الآخرين.
"ثلاثة فتيان من نفس العائلة" قال الجندي, وهو يفرك لحيته. "هذا يمكن أن يكون مفيداً. أنتم كلكم بحجم جيد و لكن من غير خبرة, ومع ذلك سوف تحتاجون المزيد من التدريب إذا كنتم ستنضمون إلى لائحتنا."
توقف الجندي.
"أعتقد أنه يمكننا أن نجد غرفة, "
أومأ إلى العربة الخلفية.
اصعدوا, وبسرعةٍ قبل أن أغير رأيي."
انطلق الأشقاء الثلاثة إلى العربة, مبتهجين. لاحظ تور أن والده كان مبتهجاً أيضا.
لكنه كان محبطاً وهو يشاهدهم يرحلون.
التفت الجندي وانتقل إلى المنزل التالي, لم يعد بإمكان تور الوقوف.
"سيدي!" صاح تور.
التفت والده وحدق في وجهه, لكن تور لم يعد يهتم.
وقف الجندي, ظهره لتور والتفت ببطء.
أخذ تور خطوتين إلى الأمام, قلبه ينبض, ويتمسك بصدره قدر ما يستطيع.
"لم تنظر إليّ يا سيدي."
كان الجندي مندهشاً, نظر إلى تور من الأعلى إلى الأسفل لعلها تكون مزحة.
"أنا لم انظر إليك؟" سأل الجندي وانفجر في الضحك.
انفجر رجاله في الضحك أيضاً. ولكن تور لم يهتم, كانت هذه لحظته. الآن أو أبداً.
"أريد الانضمام إلى الفيلق!" قال تور.
اقترب الجندي من تور.
"هل أنت الآن جاهز؟"
كان ينظر مستمتعاً, صمت قليلاً ثمّ أكمل حديثه.
"وهل وصلت إلى سنة الربعة عشر ؟"
"لقد فعلت, سيدي. قبل أسبوعين"
"قبل أسبوعين!" صرخ الجندي مع ضحك, كما فعل رجاله وراءه.
"في هذه الحالة, يجب على أعدائنا أن يرتعشوا أمامك."
شعر تور أنه يحترق من الإهانة, كان عليه أن يفعل شيئاً. لا يمكن أن يسمح بنهاية مثل هذه. بدأ الجندي بالمشي بعيداً ولكن تور لم يكن ليسمح بذلك.
اندفع تور إلى الأمام وصاح:" سيدي! إنك ترتكب خطأً!"
انتشر الفزع بين الحشد, عندما توقف الجندي وبدأ بالالتفاف ببطء.
الآن كان مقطب الحاجبين.
"صبي غبي," قال والده, وهو يشد تور من كتفه "عد إلى الداخل!"
"لا يجب ذلك!" صاح تور وانتفض عن قبضة والده.
اقترب الجندي من تور, بينما كان والده يتراجع إلى الخلف.
"هل تعرف عقوبة إهانة أحد أعضاء فرقة الفضة؟" رد الجندي بعنف.
ارتعد قلب تور, لكنه يعرف أنه لا يستطيع التراجع.
"أرجو أن تغفر له يا سيدي" قال والده. "إنه فتى صغير و.."
"أنا لا أتحدث إليك" قال الجندي. مع نظرة ثاقبة, أجبر والد تور على الابتعاد.
التفت الجندي إلى تور.
"أجبني" قال الجندي.
لم يعد تور قادر على الكلام, لم يكن هذا ما خطط له في رأسه.
"إهانة فرقة الفضة هي إهانة الملك نفسه," قال تور بخنوع, يتلو ما تعلم من ذاكرته.
"نعم" قال الجندي. "وهو ما يعني أنني أستطيع إعطاءك أربعين جلدة إذا أردت ذلك."
"لم أعني أي إهانة, سيدي" قال تور. "أريد فقط أن يتم اختياري, أرجوك. لقد حلمت بهذا طوال حياتي, من فضلك. اسمح لي بالانضمام إليكم."
نظر الجندي إليه, وببطء, اختفت تعابير وجهه. بعد فترة طويلة, هز رأسه.
"أنت فتى, شاب. لديك قلب شجاع, ولكنك غير مستعد. عد إلينا عندما تكون مستعداً."
التفت الجندي وبالكاد ألقى نظرة عابرة على الفتيان الآخرين, وبسرعة صعد على حصانه.
كان تور محبطاً وهو يشاهد القافلة تتقدم بأسرع مما وصلت كانت قد اختفت.
آخر ما رآه تور كان إخوته, جالسون في الجزء الخلفي من العربة الماضية. ينظرون في وجهه, مستنكرين و ساخرين.
كانوا يُأخذون بعيداً أمام عينيه, بعيداً عن هنا, إلى حياة أفضل.
في داخله شعر تور أنه يموت.
بينما كان الحماس يتلاشى من حوله, انسل القرويين إلى منازلهم.
"هل تدرك كم أنت ولد غبي وأحمق؟" قال والد تور بعنف وهو ممسك بكتفيه. "هل تدرك أنك أفسدت فرص إخوتك؟"
أبعد تور يد والده بعيداً عنه بقوة, اقترب والده منه مرة أخرى و ضربه بظهر يده على وجهه.
شعر تور ﻢبلسعتها وحملق في والده بغضب. وجزء منه, لأول مرة يريد أن يضرب والده, و لكنه أمسك نفسه.
"اذهب وأحضر غنمي. الآن! وعندما تعود لا تتوقع مني وجبة. لقد خسرت وجبتك اليوم, وفكر بما قد فعلت اليوم."
"ربما يجب ألّا أعود أبداً!" صرخ تور وهو يلتفت ويندفع بعيداً عن منزله, نحو التلال.
"تور!" صاح والده. قليل من القرويين توقفوا على الطريق يشاهدون.
بدأ تور بالهرولة, ثم بدأ بالركض, راغباً بالابتعاد عن هذا المكان قدر الإمكان. لقد لاحظ بالكاد أنه يبكي, دموعه تغرق وجهه, وكأن كل أحلامه قد سقطت أرضا ً
*********************
إلي هنا ينتهي الفصل الأول من رواية السعي من أجل البطولة | مورغان رايس
تابع جميع فصول الرواية من هنا: جميع فصول رواية السعي من أجل البطولة
تابعوا صفحتنا على الفيس بوك للمزيد من روايات حب
أو أرسل لنا رسالة مباشرة عبر الماسنجر باسم القصة التي تريدها

جديد قسم : قصص خيالية

إرسال تعليق