U3F1ZWV6ZTMzNTg0ODE3NzI1X0FjdGl2YXRpb24zODA0Njk2NDgxODg=
recent
آخر القصص

حكاية أمل أو موت بقلم صفية محمد - الفصل العاشر

مرحباً بكم أصدقائي وأحبابي عاشقي القراءة والحكايات الخلابة في موقعنا قصص 26 مع الفصل العاشر من حكاية أمل أو موت بقلم صفية محمد، في هذه الحكاية العديد من الأحداث حيث جمعت بين الامل والموت فكان الامل اسمها والموت  قاتله ،زهقت روحها على يد أقرب المقربين  اليها وخسرت اغلي ما تملك ،بكت ظلما فقررت الانتقام علي الرغم من صغر سنها وفعلت وعاشت بعدها ذليلة .
.
تابعونا لقراءة جميع أجزاء حكاية أمل أو موت بقلم صفية محمد.

تابع من هنا: تجميعة روايات رومانسية عربية

حكاية أمل أو موت بقلم صفية محمد
حكاية أمل أو موت بقلم صفية محمد

حكاية أمل أو موت بقلم صفية محمد - الفصل العاشر

لقد حان الان وقت المواجهة ،مواجهة مخاوفي ،مواجهة من اخشاهم ،مواجهة د. عالية بقرارتها التي أملتها علي ، مواجهة هؤلاء الاوغاد بحقيقتهم كونهم ذئاب بشرية .
أفكاري الان متضاربة جدا جزء مني سعيد كوني سأستمع الي معاناتهم ويا للمتعة ان رأيت نظرة خوف او حزن في أعين أحدهم، وجزء آخر يتشوق لسماع مشاكلهم والانخراط معهم في الحديث لعل معجزتي تحدث و أتخلص من مخاوفي ،وتصبح لدي الشجاعة لمواجهتهم.
اقتربت من مجموعة الشباب الذين كانوا ينتظرون قدوم د.عالية ، منهم من كان يتحدث مع من يجلس بجانبه ، ومنهم من كان يطأطأ رأسه للأسفل كأنه يحمل هموم الدنيا ثقلا علي أكتافه ،وآخر كان ينظر للسماء كأنه يبحث فيها عن ضالته ،
ويحي كان ينظر لي ببلاهة كأنه تفاجئ بوجودي لا استطيع تفسير تلك البسمة التي اعتلت ثغره ،هل هو سعيد اني انتوي سماع مشاكلهم والشعور بالمتعة ان رأيت دموعهم وهي تتحجر بمقلتيهم،؟"نعم فعلت وقتها هذا ،لكن لاحقا قلبي كان يتمزق ان رأيته حزين او مهموم"
"صباح الخير يا أبطال سوري اتأخرت عليكم"
هذا ما قالته د.عالية وهي تصفق بيدها وتبتسم في سعادة ؛لتبث البهجة في المكان فور وصولها ؛التفت الجميع نحونا والقوا التحية عليها بينما انا استمررت بالوقوف و النظر اليهم بذعر ،و انا أتأبط ذراع بيرهان، علي الرغم من تباهي منذ قليل بما كنت افكر بفعله إلا اني عندما اقتربت منهم شعرت بالرهبة الشديدة والخوف ،كان الجميع ينظرون محدقين بي لم يبعد اي منهم نظراته عني، الجميع كان يحدق وحسب، ماعدا يحي كان يبتسم وينظر لداخل عيني حقا شعرت بأنه غاص بنظراته بداخل عيني وعقلي ، وتكرر نفس شعوري تجاهه هناك شيء ما مشترك بيننا هذا ما أشعر به وانا انظر له .
كان هناك فتاتان يجلسن بمقابل يحي ،جذبت د. عالية مقعدان وطلبت منهم ان يفسحوا لنا المجال لنجلس بينهم، ثم اومأت لي وهي تبتسم و اشارت بيدها لأذهب وأجلس بجانبها، كم هي رحيمة ومتفهمة اختارت لي ان اجلس بجانب الفتيات و ابعدتني عن الرجال حتى لا اتوتر انا افهمها جيدا ،لكن ما لا أفهمه الان هي تعلم اني اخشي النظر لأعينهم لما تجعلني اجلس بمقابلهم مباشرة ،مؤكد سأتوتر الان هذا ما كنت افكر به عندما اقتربت مني وهمست بأذني قائلة:
_ أمل تعالي متخافيش انتي بعيد عنهم اصلا، كمان اعتبريهم اخواتك مش هيأذوكي دول كلهم زيك بالظبط احنا هنا عشان نساند بعض.
تحركت معها متوجهين الى المقاعد جلسنا ومازالت يدي بيدها، كنت اقبض عليها بشدة مالت نحوي وابتسمت ثم قالت:
_ أمل ده أول اختلاط بينك وبينهم بلاش تحسسيهم انك خايفة منهم، كده هياخدوا موقف ومش هيتكلموا معاكي الافضل تبقوا اصدقاء ده هينفعك وينفعهم كتير .
فكرت قليلا بما تقوله لم اقتنع لكن كعادتي انفذ كل ما تمليه علي،
تركت يدها ثم تنفست براحة لأهدئ، واعتدلت بجلستي لأنتظر و اري ما سيحدث بعد ذلك ،ربتت د. عالية علي كتفي بحنو وقالت:
_ اعرفكم بجميلة الجميلات امل حسن فايد هي اصغركم سنا هنا.
لو لا تجمعني معه بشيء ،لو لا تكمل اسمي باسمه، لو لا تنجس لسانها بحروف اسمه، كنت سأكون بخير الي حد ما ،لكن بمجرد نطقها لإسمه شعرت بالضيق والحنق ،كنت سأنهض لكن لن اعود عن قراري لن أخشاهم .
قال سامر وهي يبتسم لي:
_ مش محتاجة تعرفينا بيها دي صاحبة الرقم القياسي في الوقفة علي البحر .
رمقه يحي بنظرات لم استطع تفسيرها فتابع:
_" قصدي يعني بتحبي تشوف البحر كتير" .
قالت د. عالية وهي مازالت تبتسم:
_ اعرفك يا أمل ده بقي ابني استاذ سامر مش عارفة اقولك بالظبط هو بيعمل ايه هنا... لانو بيعمل حاجات كتير، بس اقدر اقولك اكتر حاجة بيعملها انه بيشرب شاي و ياكل كرواسون .
ارتبكت بيرهان وسامر ايضا بدأ يتوارى بنظراته بعيدا عن الجميع ،ولم يفهم احد معني حديثها سواي تذكرت لقد اخبرتني بيرهان سابقا انه دمت مداهمتهم من قبل د.عالية ذات مرة ،رحلت بيرهان مسرعة وقد توردت وجنتيها بحمرة الخجل ، قالت د. عالية
_احنا النهاردة حنتكلم في موضوع مهم جدا لينا كلنا و ليا شخصيا احنا حنتكلم عن الموقف الي غير حياتنا وآثر فيها.
حمدت ربي انها اعفتني اليوم من الحديث و إلا كانت ستحدث ازمة إن تحدثت عن الموقف الذي غير حياتي، انهم كثر ان ذكرتهم مؤكد سيموت الجميع قهرا علي حالي ،لذلك تنهدت براحة وبدأ الجميع بالتحدث بالترتيب بداية منها هي شخصيا.
" انا كنت معالجة نفسية متجوزة دكتور قلب تركي، خسرت بنتي وهي عندها 16 سنة نتيجة جرعة كوكا زايدة ،هنا في المكان ده بالظبط كنت قاعدة علي الارض حاضنة حتة مني بعد ما لقينا جثتها في المية ،ضعفت وبكيت وانهارت بس بنتي مرجعتش؛ فقررت اني اقف علي رجلي و احارب سبب وجعي، سبت تركيا وجوزي رفض يرجع هنا فانفصلنا وده مسببليش اي الم او كسرني ،وارد جدا الانفصال بين اي زوجين مش متفاهمين."
قالت هذا وهي تتبادل النظرات مع يحي وتابعت:
_" متفقناش فانفصلنا، بعد ما رجعت اقسمت اني ححارب الادمان وحنتقم لبنتي في نفس المكان، واديكوا شايفين خسرت بنت واحدة وكسبت بنات وولاد كتير وعايشة ومبسوطة الحمد لله."
انتهت من الحديث فبدأت الفتاة الجالسة بجانبها التحدث كانت اكبر مني بعدة سنوات تقريبا:
_ " أنا اسماء يونس 24 سنة بابا سافر لدولة خليجية عشان يكون نفسه ،وكان ده قبل ما يتجوز ماما اتجوز وخلف وبقي عنده بنتين وولد انا اصغرهم و لسه للان بيكون نفسه."
اعتلت ثغرها بسمة ساخرة والدموع تملأ عينيها وتابعت وهي تحرك قدميها بسرعة شديدة :
_ ماما بقي الله يكرمها استغلت عدم وجود بابا وعاشت حياتها ،ولا فكرت فينا ولا في دينها ولا جوزها ،شفتها بعيني في بيتنا مع واحد غريب ،سكت وخفت، وقررت إن كانت هي قذرة هكون انا اقذر منها ،وكانت الكوكا اول ونهاية طريقي،بس الحمد لله لحقت نفسي وجيت هنا وعرفت مهما كان قدامي غلط لازم اعدله مش اكرره."
هبطت دموعها علي خديها ابتسمت لها د. عالية وطلبت منها التوقف عن الحديث ليتابع من يجلس بجانبها .
_ "معتز سعيد 30 سنة، فلوس كتير أم كل اهتمامتها النادي والخروج ،لون شعرها واصحابها الهاي كلاس، و أب مكنة شغل مبيهداش طول الوقت في الشغل ومعظم ايام الاسبوع بيقضيها بعيد عن اسكندرية ،لو انتم مكاني حتعملوا اي اكيد حتجربوا كل انواع المخدرات كوكا، تامول و حشيش وده الي انا عملته، بس كنت غلطان وبدفع تمن غلطي غالي.
وهكذا مرت جلستنا كل من يتحدث يذكر اسمه وسنه ومعاناته وما توصل اليه في المصحة،لفت نظري ان هناك شيء مشترك بين الجميع وهو سبب المشكلة الذي كان يتمثل ببساطة في خلل في الاسرة او مشاكل بين الوالدين ، والجميع متفائل لقد شرفوا علي انتهاء فترة علاجهم وتغيرت افكارهم تماما ، مر الوقت في سماع مشاكلهم لقد اختلف الامر تماما الان لم اتلذذ بآلامهم او استمتع بدموعهم، لقد حزنت من اجل الفتيات فقط لكن الرجال لا ليذوقوا ما ذقته انا، الدور الان علي جاري العزيز هيا لنري ما سيخبرنا به:
_"يحي فؤاد الباشا 25 سنة لسه مخلصتش جامعة وشكلي مش حخلص ،اهلي منفصلين اتجوزوا بعد انفصالهم وكملوا حياتهم و انا عشت مع جدتي بس دي كل حكايتي"
قالت د.عالية وهي تنظر له بتوجس:
_" ايه الحكاية القصيرة دى كلنا اتكلمنا باستفاضة، متختصرش يا يحي انته عندك كتير تقوله، اكتر من اي حد هنا."
تحولت نظراته لغضب وقال:
_ "بس هي دي الحكاية الي عاوز احكيها ،كمان انا شايف كفاية كده ممكن اطلع اوضتي"
_ لأ .
هذا ماقالته د.عالية باقتضاب بعد ان انزلت قدمها التي كانت تضعها فوق الأخرى، و اشارت الي يحي بقلمها الذي تمسكه بيدها وقالت:
_" لأ انا اتفقت معاكم هنبدأ علاج بالطرق الي بختارها، وعرفتكم بيها وكان من ضمنها اننا هنتكلم مع بعض في الحلقات الجماعية، وده الي هيحصل اقعد يا يحي وكمل كلامك".
جلس مرة اخري ووضع يديه علي وجه وبدأ بتحريكها، لقد كان الغضب ظاهر عليه زفر بعدها وبدأ الحديث مرة اخري:
_" اصعب حاجة في الدنيا ان طفل كل يوم السواق يوصله مدرسته ويمشي، اه كان حنين عليا بس مش زى امهات زمايلي الي كانوا بيبوسوهم ويضحكوا في وشهم ويدوهم اجمل حضن في الدنيا ،انا كل يوم كنت بدخل الكلاس وانا دموعي علي خدي بسببهم، قولولي ايه يخلي ام تسيب ابنها عشان راجل تانى؟ كنت خديني ربيني مع اخواتي يمكن كنت اكون انسان تاني وكنت خلصت كليتي ومكنتش بقيت مدمن منتكس لرابع مرة ،والنار الي جوايا دي مكنتش اتقادت ابدا ،يمكن كنت حبيت اخواتي البنات زي اي اخ".
بعد ان قال هذا ارتجفت شفتيه، ويديه ايضا ،لم يحرك منشفته الورقية التي كان يضعها علي انفه ابدا ،وشعرت انه سيختنق بعد قليل فقالت د. عالية :
_ "تمام يا يحي وصلت فكرتك كملي يا خلود".
_ انا خلود ناصر 31 سنة بابا متوفي الي ربتني امي بس للأسف احيانا الام مش بتقدر تتحمل مسؤلية ولادها لوحدها، العقد فرط منها حبتين ،ابن سافر بره ومرجعش ،والتاني سرق ودخل احداث، وانا والحمد لله اتلميت علي شلة بنات عموا عيني وضيعوني بعد كام شهر صحوبية بقت شمامة علي ايدهم، لا ومش كفاهم ده رموني للكلب الديلر الي بيوفرلنا الهروين،و كان جسمي وشرفي تمن لكام جرام من الملعون ده ،خدوني لبيته علي اساس هنجيب حاجتنا ونمشي، اتفاجئت بيهم سابوني ليه تخيلوا ،جه معاد الجرعة بتاعتي جسمي بيضعف مش قادرة اقف ولا احمي نفسي في شقة مع حيوان لوحدنا ،نظراته بتنهش في جسمي كلب معندوش رحمة مرحمنيش خد مني اغلي ماعندي ،ورماني مدمنة ومغتصبة وحامل بطفل معرفش مصيره ايه" .
كلماتها صوتها ورجفته ،الدموع التي كانت تغرق وجهها ،انها حقا خناجر اطعن بها في قلبي الان ،صوتها هذا اخترق اذني وترك بها جرح عميق، كنت سأنهض لأرحل لكن امسكت د. عالية يدي وقالت:
_ "انتي حكيتى سبب مشكلتك بس مع انك الوحيدة الي إتخطيتي ازمتك ممكن بقي نعرف إتخطيتيها ازاي"
_ "جيتلك هنا لما عرفت ان محتاجة مساعدة نفسية ومحتاجة مكان يساعدني اتخلص من الادمان، والحمل طبعا الحمد لله ربنا مأردش ليا وليه لعذاب وراح من كتر حزني وتعبي، انا الحمد لله عديت كل مراحل العلاج واعتقد قربت اخرج، وأقف علي رجلي، علي فكرة انا بلغت عن الحيوان ده وقدرت اثبت اغتصابه ليا وهو في السجن دلوقت" .
دعوت ربي كثيرا ان اتماسك ولا أنهار، لا اريد ان اتعرض لنوبتي اللعينة الان، لا اريد ان يحدث هذا امام الجميع ،
تذكرت كلمات د. عالية لي " واجهي كل ذكري سيئة ليكي بشجاعة اوعي تضعفي يا أمل"
لن اضعف سأكون أقوي من الان، لذلك لن ابكي لن أنهار سأصمد الان لأري ماذا سيحدث، بدأت د.عالية بالتحدث مرة اخري وقالت:
_" يحي ام منفصلة عن الاب ومتجوزة للأسف اتربي بعيد عنها ،لكن ربنا عوضه بجدة اقسم ليكم انها اعظم واحن من اي ام ، بس الخلل فيك انته مش في والدتك علي فكرة مش كل طفل بعيد عن مامته لما يكبر حيبقي مدمن عشان يعاقبها ، خلود يتيمة استغلت ضعف الام وقلة قدرتها علي احتوائهم وانحرفت لطريق غلط ، مش كل ام قصرت مع اولادها حيبقوا مدمنين يا معتز ،اسماء مش كل غلط بنشوفه بنعمل زيه كان ممكن تنصحيها يمكن تتغير بس انتي الي اخترتي طريق غلط،باختصار انتم مخيرين بس للاسف اخترتم الطريق الغلط ،كل واحد اتعرض لظلم او لأزمة قرر يعاقب نفسه، مع انه مكنش ليه ذنب .
دارت بأنظارها بيننا وقالت
"يلا يا شباب كفاية عليكم للنهاردة".
نهض الجميع كنت انوي النهوض اولا لأسبقهم واركض للداخل، لكن كانوا هم اسرع لذلك تريثت وانتظرت ابتعادهم وهذا ما حدث، لقد رحل الجميع وبقي سامر ويحي و انا ود. عالية التي قالت:
_ "ايه يا يحي مش ناوي تطلع "؟
_ حطلع بس محتاج اقول لامل كلمة.
من هذا لينطق اسمي هكذا ،وماذا يريد ان يقول لي من اين له تلك الجرأة؟ قبضت علي ذراع د.عالية يبدوا عليه انه لاحظ خوفي فقال:
_ "متخافيش".
" متخافيش " ماذا تعلم انت عن ما مررت به لتقول هذا؟ لكنه رجل وعدوي ولن اظهر ضعيفة امامه فقلت :
_" انا مش خايفة" .
التفت نحو د. عالية وقلت:
_" يلا نطلع".
وهكذا انتهت اول جلسة علاج جماعية لي، لن انكر شعرت بالخوف كثيرا لكن شعرت بشيء آخر تجاه هذا ال"يحي" لقد حزنت كثيرا من أجله، انا ابكي شوقا علي أمي التي رحلت من الدنيا، بينما يوجد من يبكي لحرمانه منها وهي مازالت علي قيد الحياة ، يبدوا ان هذا هو غرض د. عالية من تلك الجلسات انا أعلم انه يوجد من يعاني بتلك الحياة، يعاني من فقدان الام او الاب او غيابهم او تقصيرهم بتربيتهم او انشغالهم عنهم.
كانت تلك هي الجلسة الاولي لكن لم تكن الاخيرة ،علي مدار الاسبوع جلسنا وتحدثنا اختلفت المواضيع ،احيانا كنا نتحدث عن علاقتنا بالآخرين ،هل نشتاق لعائلتنا ام ماذا ، مدي ندمنا علي التخلي عن الحياة وإهدار ربيع شبابنا في البكاء او الخوف او الادمان، كنت اشاركهم الجلوس والاستماع لكن لم اتحدث مطلقا ، لم يحضر يحي جلسة العلاج الفائتة اخبرنا سامر انه يمر بحالة اكتئاب ويشعر بالضيق المستمر ، اليوم هو يوم السبت البارحة كان يوم الزيارة جاء علي صديق يحي وهو رفض لقائه فقد شاهد كوبر من الأعلى ،هذا ما اخبرنا به اليوم في جلسة العلاج ،هناك شيء به مختلف عن الجميع يجعلك تشعر انك علي وشك البكاء ان نظرت بعينه ،لذلك اصبحت عادة لي عندما يأتي الدور عليه ليتحدث، اشاهده و اشاهد ردود افعاله ،شفتيه دائمة الارتجاف اثناء الحديث وقدمه ايضا، لديه عادة دائما ما يقوم بها، دائما يرفع يده ليضعها علي رأسه، ومن ثم تتغلغل اصابعه داخل خصلات شعره، ويستمر بتحريكها لعدة ثواني، ثم يقوم بتهذيب وتنميق شعره مرة اخري ، ويضع يده علي فخذه، دقائق ويعاود القيام بهذا الامر مرة اخري .
انها التاسعة صباحا صوت ذلك البندول اللعين يجعلني اتوتر، لكن ليس كسابقا انا الاحظ اني اصبحت اسيطر اكثر علي انفعالاتي، جلسة العلاج اليوم مختلفة تماما، لن نجتمع بالحديقة هذه المرة بل قام سامر بتجهيز مكان علي الشاطئ ،علي البحر مباشرة اشاهدهم الان وهم يقومون بالترتيب، مقاعد بلاستيكية و طاولة كبيرة الحجم مقاعد قماشية ،واضح سيكون يوم حافل لنري ماذا سيحدث به،
ذهبت كعادتي مع بيرهان قلبي اكاد اسمع صوت دقاته بأذني من شدة توتري وخوفي، فمنذ عبرت هذا الباب لم اخرج منه ابدا ولم اكن انوي الخروج لكن اتضح ان للقدر رأي آخر.
شمس نهاية شهر مارس حرارتها المعتدلة، نسمات الهواء الدافئة ،صوت تلاطم الامواج، ملمس رمال شاطيء بلادي الذي اشتقت له واشعر به و انا اسير حافية القدمين ،والاهم من كل هذا رائحة مياه البحر التي اشتقت لها ،رذاذها الذي يتناثر علي وجهي عند وصول الامواج الي الشاطئ ،كل هذا جعلني اتخلص من احساسي بالخوف والتوتر، شعرت بالراحة بداخلي ثم التفت حولي لأري من جاء ومن تأخر كان الجميع قد وصل ماعدا د. عالية ويحي ،تري ماذا حدث لما انقطع عن المداومة علي الجلسات ،جلست شاردة امام مياه البحر، هذه المرة عن قرب بعد ان تركتني بيرهان وذهبت لتتحدث مع سامر.
_ حلو الجو الي انته عامله ده.
هذا ما قالته بيرهان وهي تنظر الى سامر بحب بينما هو يقوم ببعض التجهيزات ،كنت اراقبهم و اراقب نظراتهم لبعضهم البعض، هناك ابتسامة لا تفارق وجه سامر اثناء حديثه معها، تقابلها هي بلمعة مشرقة بعينيها، كنت اقلق حيالها اقلق ان يؤذيها او يعنفها ،لكن ما فعله كان شيء مختلف تماما عندما وضعت يدها علي المقعد لتجذبه حتى تجلس عليه وضع يده علي يدها ثم جذبها نحو شفتيه وقبلها، ابتسم لها و اشار بيده لتجلس وفعلت، وقام هو الاخر بالجلوس بجانبها منتظرين قدوم د.عالية تعجبت من افعاله تلك ،لم اكن اتخيل ان هناك رجل يعامل فتاة بكل هذا الحنان، والحال اتضح ان هناك بشري من جنس هؤلاء الحيوانات.
بقيت شاردة اراقب همسهم الذي لم اسمعه ،وفجأة استنشقت رائحة عطر د.عالية فالتفت مسرعة لأجدها تقف خلفي تتأبط بذراع يحي الغالب علي وجهه الحزن .
كان يحي يرتدي قميص باللون الاسود وسروال بنفس اللون، مع حذاء رياضي باللون الرمادي،
ملابسنا متشابهة كثيرا اليوم كنت ارتدي نفس الالوان مع اختلاف ان وشاحي كان باللون الابيض ابتسمت لي وقالت:
_ انتم مطقمين ولا ايه؟
لم اتحدث فقط نظرت له وفعل هو نفس الشيء نظراته باتت حزينة اكثر وغاضبة ،قالت د. عالية وهي تشير لي:
_ حنقف كتير تعالوا يلا عندي حاجات كتير عاوزة اتكلم معاكم فيها .
توجهنا الى لمقاعد وكالعادة انا اجلس بعيدا عن الجميع ،وبعد التحية والترحيب وكل هذه الاشياء قالت وهي تنظرلي :
_ "عاوزة اقولكم أمل هي ضيفة شرف النهاردة كل ده متجهز عشانها هي".
وضعت يدي علي صدري وحدقت بها وقلت:
_ "عشاني انا"!
كان الجميع ينظر نحوي وقالت:
_" ايوة عشانك وعشاني ،اخترت المكان ده بالذات عشان تتخلصي من همومك، وانا ترجع ليا بنتي في نفس المكان الي خسرتها فيه."
قال يحي وهو ينظر اليها بعدم فهم :
_" بنت حضرتك ماتت حترجعلك ازاي"؟
_" أمل فاهمة وعارفة حترجعلي اوموت " umut " ازاي صح يا أمل "؟
نظرت لي برجاء ففهمت ماذا تريد، ذات الشعر المجعد تريد مني البوح لهم بكل ما بداخلي ،ترددت كثيرا أفعل أم لا لكن اتخذت قراري سأفعل ،تنهدت بضيق ثم وضعت يدي علي وجهي لأنفض كل الافكار السلبية من رأسي وزفرت نظرت لها وقلت:
_ "عاوزة اعمل ايه" ؟
_ "زي اصحابك مابيعملوا عرفي عن نفسك واحكي اكتر موقف اثر في حياتك".
شعرت بعبراتي تتحجر بمقلتي وبألم يكاد يقتلني بقلبي زفرت بضيق وقلت مضطرة ذكر اسمه :
_ "أمل حسن فايد 19 سنة مفروض اكون في تانية حقوق السنة دي، بس للاسف مكملتش، أنا غيركم كلكم كل واحد فيكم عنده سبب واحد لمشكلته اما انا لا عندي اسباب كتير حياتي كلها سبب لمشكلتي".
توقفت عن الحديث بعد ان شعرت بالاختناق و اسندت مرفقي علي الطاولة الموضوعة امامي ، ومن ثم تواري وجهي خلف كفي يدي التي وضعتهم عليه قاصدة إخفاء دموعي، قالت د.عالية:
_" اتفقنا متخبيش دموعك ده مش ضعف كلنا بنبكي عشان نرتاح ،كملي متوقفيش كلنا هنا عشان نسمعك".
"قال لي يحي ذات يوم ان اكثر ما كان يؤلمه في تلك اللحظة انه اراد النهوض ومعانقتي لكن لم يجرؤ حينها علي فعل ذلك"
اخترت ان ابقي وجهي متواري خلف يدي و انا اتحدث وتابعت:
_" مين فيكم جرب يصحي خايف من نومه؟ انا كنت بخاف انام ،انا البنت الي كنت بصحي كل يوم علي صريخ امي وهي بتتعذب تحت ايد بابا ، ضرب، صريخ ،شتيمة ،عنف، سادية، كره هو ده الي اتربيت عليه بابا كان بيعنف ماما بيضربها دايما ،لكن كانت بتحبني وبتحميني منه ،بس في يوم قررت تستسلم وتتخلي عني وماتت علي ايده و سابتني في الدنيا لوحدي" .
خفضت يدي من علي وجهي لأنظر بعين الجميع وقلت و انا ارمقهم بالكثير من النظرات الكارهة:
_ "سابتني بين الوحوش يستغلوني ويعاملوني معاملة بشعة ،سابتني لكره مرات خالي ليا ونظراتها و انا باكل كأنها بتقولي بالسم ان شاء الله ،دايما كانت بتعاملني علي اني باخد حاجة من حق ولادها، سابتني ابرد بالليل وملاقيش حد يغطيني، سابتني اروح المدرسة لوحدي، قصوا شعري عشان مكنش حد بيحب يعملي حاجة او يسرحهولي".
انتهيت من الحديث ثم انخرطت في بكاء شديد وعلمت يدي طريقها وتحركت نحو كتفي لأحمي ذاتي من ذكرياتي السيئة التي جالت بخاطري، كانت وجوه الجميع تغرقها الدموع الفتيات منهم والرجال وضعت بيرهان يدها علي ظهري وقالت :
_" امل اهدي حبيبتي خلاص كل ده انتهي انتي اتولدتي معانا من جديد".
نهضت د.عالية وتحركت نحوي انحنت لمستوي جسدي ثم عانقتني اثناء جلوسي وقبلت رأسي وقالت :
_ "انتي اتكلمتي وحكيتي وبقيتي مش بتخافي، مش خرجتي من اوضتك بس لا ده انتي خرجتي من المركز، انتي النهاردة رديتي بنتي ليا ياأمل".
قبلت كف يدي الذي كان موضوع علي كتفي ،وتابعت بينما كنت ابكي بشكل هستيري:
_" لو خسرتي ماما انا هنا حكون ام ليكي، لو الناس عاملوكي وحش بصي شوفي عيون اصحابك الي بتبكي عشانك، لو كان نفسك في اخت بيرهان موجودة، وياعالم ايه حيحصل تاني ".
نظرت لها فوجدتها تنظر ناحية يحي فقلت:
_ "عاوزة ابقي لوحدي ممكن "؟
نهضت وتحركت مبتعدة عنهم ، لكن لم استطع السير اكثر ،خارت قواي كنت سأسقط ، اول من تحرك كان يحي لقد ركض نحوي وحاول الامساك بيدي ،لكن صرخت به بصوت مرتفع فرفع كفي يده للأعلى كأنه يخبرني أنه لن يقترب مني حاول طمأنتي وقال:
_" متخافيش ".
من قال لك اني لست خائفة منك الان ،أشعر اني اموت و انت تنظر لي هكذا علي الرغم من دموعك ، و تأثرك الشديد ببكائي، علي الرغم من انك اول من ركض لي ليساندني ،انا اموت خوفا منك الان،كل هذا اردت قوله له لكن لم استطع فقدت صوتي و اصبحت غير قادرة علي النطق، عاودت معانقة جسدي بذراعي مرة اخري، ونظرت لداخل عينة نظرة طفل يخشى الغرباء في عدم وجود امه ،جاءت د. عالية وقالت ومازال يرفع يده للأعلى:
_ "يحي ابعد كده انته بتخوفها".
نظر لداخل عيني وقد خانته دمعة وهبطت علي وجه وقال:
_ "متخافيش احنا معاكي ".
هذا ما قاله ومن بعدها لم اشعر او اسمع شيء، فقط شعرت بدوار شديد ،وخارت قواي بعدها وسقطت مغشي علي، لكن العجيب في الامر عندما حاول مساعدتي و امساك يدي صرخت به ،و الان انا استكين بين ذراعيه ،فقبض هو علي جسدي و حاوطه جيدا محاولا حمايتي من السقوط ارضا، اخبرتني بيرهان لاحقا بما دار وكان كالاتي لقد قالت د.عاليا:
_ "نيمها علي الارض يا يحي او حطها علي الكرسي هنا ".
_ لأ.
_ "يعني ايه لأ؟ سامر بسرعة ساعدني شيل أمل للمصحة هي محتاجة اوكسجين ".
ضمني يحي اكثر لصدره بينما كنت اقف امامه ومستسلمة بين ذراعيه ،كان يشبه الطفل الذي فقد دميته وأخيرا حصل عليها وقال:
_" لأ مش حسيبها وانته يا سامر اوعي تحط ايدك عليها بحذرك تلمسها."
قال هذا وانحني ووضع يده خلف ركبتاي وحرك يده لمنتصف ظهري ثم حملني لداخل المصحة دون ان يكترث لهتافات د. عاليا وتحديق الجميع به.
وهكذا يكون يحي اول رجل يعانقني ويحتويني بحياتي حتي ابى لم يفعلها من قبل .
*********************
إلي هنا ينتهى الفصل العاشر من حكاية أمل أو موت بقلم صفية محمد


تابع من هنا جميع فصول: حكاية أمل أو موت بقلم صفية محمد.
تابع من هنا: جميع حلقات رواية عشق ووجع بقلم شيماء رضوان
تابعوا صفحتنا على الفيس بوك للمزيد من روايات حب
أو أرسل لنا رسالة مباشرة عبر الماسنجر باسم القصة التي تريدها
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

يسعدنا تلقي اقتراحاتك أو تعليقك هنا

الاسمبريد إلكترونيرسالة