U3F1ZWV6ZTMzNTg0ODE3NzI1X0FjdGl2YXRpb24zODA0Njk2NDgxODg=
recent
آخر القصص

رواية أنت لى بقلم منى المرشود - الفصل الحادى والأربعون

مرحباً بكم أصدقائي وأحبابي في موقعنا قصص 26 مع روايات رومانسية وإجتماعية ومثيرة مع الفصل الحادى والأربعون من رواية أنت لى بقلم د/ منى المرشود،وهى من الروايات ذات البحث الكثير على مواقع التواصل الإجتماعى 

رواية أنت لي بقلم منى المرشود - الفصل الحادى والأربعون


اقرأ أيضا: روايات إجتماعية
رواية أنت لي بقلم منى المرشود
رواية أنت لي بقلم منى المرشود

رواية أنت لي بقلم منى المرشود - الفصل الحادى والأربعون

صرخت فجأة و نحن ننحرف عن مسارنا و نصطدم بقوة بعمود إنارة ... ارتطم جسمي بمقعد وليد و لكني لم أصب بأذى...
توقفت السيارة عن الحركة و رفعت رأسي فرأيت رأس وليد على المقود...

شعرت بالفزع و صرخت :

" وليد... "

و لكنه لم يتحرّك ...

مددت يدي نحو كتفه و أخذت أضربه و أنا مستمرة في نداءاتي لكنه لم يستجب...
حركت يدي نحو رأسه و ضربت بقوة أكبر...

" وليد... أجبني أرجوك.... وليد أرجوك... "

صدرت أنة من حنجرته و تحرك قليلا...

" وليد أجبني... أتسمعني ؟؟ أرجوك رد علي "

أصابني الهلع الشديد... خرجت من السيارة مسرعة فتدفق الهواء بعنف إلى الداخل... كان الجو عاصفا باردا ماطرا... أقبلت إلى الباب الأمامي الأيمن و أردت فتحه فوجدته موصدا...

عدت إلى الداخل عبر الباب الذي خرجت منه و فتحت قفل الباب الأمامي، ثم خرجت و دخلت عبر الباب الأمامي... و جلست قرب وليد... مبللة... بردى... مرعوبة... مفزوعة... أرتجف...

مددت يدي و رفعت رأسه عن المقود فرأيت سيل من الدماء يتدفق من أنفه المعقوف فصعقت... و أطلقت صيحة شاهقة... أسندت رأسه إلى الوراء ثم رحت أضرب خديه في ذعر... و ما بي ذرة واحدة من القوة...
و بصوت أشك أنه خرج من حنجرتي أصلا هتفت :

" وليد... وليد أجبني... أرجوك وليد... أجبني "

وليد فتح عينيه أخيرا و تأوه... ثم رفع يده اليسرى و وضعها على جبينه و قطب حاجبيه بألم...

قلت بلهفة:

" وليد... هل أنت بخير ؟؟ "

و لا أعرف إن كان سمعني أم لا...

تلفت يمنة و يسرة ببطء و ناداني بصوت متحشرج :

" رغد... "

قلت بسرعة :

" وليد أنا هنا... "

و حركت يدي لأمسك بيده اليمنى... لأشعره بوجودي... فشد هو ضغطه على يدي و أغمض عينيه يعصرهما عصرا... و يئن...

هتفت فزعة:

" وليد... وليد ... كلّمني "

فتح عينيه و نظر إلي و أخذ يلتقط بعض الأنفاس المخنوقة ثم قال :

" أأنت بخير ؟ "

لم استطع الرد من شدة الفزع

وليد شد ّ الضغط على يدي و تأوه ثم قال :

" أنا مرهق جدا ... سأرتاح قليلا..."

و حرر يدي و حرك يده نحو المقود و أوقف محرك السيارة فيما رأسه لا يزال ملتصقا بمسند المقعد دون حراك... ثم أغمض عينيه و هوت يده مرتطمة بأي شيء... و استقرت قرب يدي... تحركت أصابعه و أمسكت بيدي مجددا ... ثم سكن عن الحركة و بدا لي و كأنه... فقد وعيه...

قلت بهلع:

" وليد... أأنت بخير ؟ "

لم يستجب... هززت يده و كررت :

" وليد... رد علي ! "

فأطلق أنّه خفيفة ضعيفة... أحسست بها تخرج من أعماق صدره...

" وليد... كلمني أرجوك... "

تكلم وليد من طرف لسانه دون حتى أن يحرك شفتيه :

" لا تخافي... رغد "

و شد على يدي... ثم سكن عن الكلام و الحركة...

راقبته فرأيت صدره يلهث بأنفاس قوية تتحرك عبر فمه... يكاد بخارها يغشي زجاج السيارة ... أما أنفه فقد كان لا يزال ينزف... و قطرات الدم تقطر من أسفل فكّه لتتلقاها ملابسه و تشربها بشراهة...

منظر أفزعني حد الموت...

هتفت بما كان قد تبقى لحبالي الصوتية من قدرة على النطق :

" وليد... أنفك... ينزف ... "

لم يجب...

" وليد... "

و لم يرد

" وليد... رد علي ... أرجوك "

و أحسست بيده تضغط علي قليلا... ثم تسترخي...
كانت دافئة جدا... و رطبة...

تناولت بعض المناديل و قرّبتها من وجهه... و توقفت برهة مترددة ... أنظر إلى مجرى الدماء ينسكب من أنفه... إلى شفتيه المفتوحتين... إلى ذقنه... تكاد قطرات منها تتسلل إلى فمه ممتزجة مع الأنفاس الساخنة... دون أن يشعر بها أو ينتبه إليها...

قربت المناديل من سيل الدم و مسحته بخفة... و وليد لم يشعر بشيء... و لم يفعل أي شيء...

لم أعد أسمع غير صوت الرياح الماطرة تصفع زجاج السيارة مثيرة في نفسي رعبا منقطع النظير...

الغيوم السوداء الكثيفة تلبدت في السماء و حجبت أشعة الشمس...
قطرات المطر تزاحمت على نوافذ السيارة... و أوهمتني بالشعور بالغرق حتى أصبحت التقط أنفاسي التقاطا... و أعصر يدي ببعضهما عصرا...

أخذت أراقب كل شيء من حولي... أنفاس وليد القوية... أرواق الأشجار المتراقصة في مهب الريح... سيول المطر المنزلقة على النوافذ... و عقارب ساعة يدي تدور ببطء و سكون... و السيارات المعدودة التي مرّت بطريقنا الموحش و ربّما لسوء الطقس تجاهلتنا...

شعرت برجفة تسري في جسدي... اقتربت أكثر نحو وليد و حركت يديّ و أمسكت بذراعه ناشدة الأمان... و جفلت لحرارتها...

لم يحس وليد بي... لقد كان غارقا في النوم ...

تأملت وجهه... كان شاحبا كالعشب الجاف... جليا عليه المرض... عيناه وارمتان و تحيط بهما هالتان من السواد... و بعض زخات العرق تبرق على جبينه العريض... و آثار الدم الممسوح تظهر على أنفه المعقوف و ذقنه الملتحي... و الهواء الساخن يتدفق من فمه مندفعا بقوة...

وليد قلبي... مريض...
نعم مريض !
و مريض جدا...

آنذاك... تمنيت... و ليت الأماني تتحقق فور تمنيها... تمنيت لو كان باستطاعتي... أن أمسح على رأسه أو أربت على كتفيه...
تمنيت... لو أستطيع أن أبلسم جرحه الدامي أو أنشف جبينه المتعرق ...
تمنّيت ... لو كنت هواء ً يمتزج بأنفاسه و يقتحم صدره... و يلامس دفأه ...
تمنيت لو أعود طفلة و أرتمي بحضه... و أبكي على صدره...

لطالما كان يعتني بي حين أمرض... لطالما عالج جروحي ... و سكّن آلامي... و هدّأ روعي... لطالما ربت على كتفي و مسح دموعي... و رسم الابتسامة بين خدي ّ...
لطالما حمل همومي الصغيرة... و حملني ضئيلة على ذراعيه...

تشبثت بذراعه بلا شعور مني.. و لا شعور منه...
إنْ حنينا ً إلى الماضي... أو خوفا ً من الحاضر... أو أملا ً في الغد...
تعلقت بتلك الذراع تعلق الغريق بطوق النجاة... و كأنها آخر ما تبقّى لي... من وليد قلبي...

بعد قليل... رأيت سيارة تتوقف أمامنا ... فزعت ... اشتد قبضي على ذراع وليد ... هززتها بقوة و هتفت بانفعال :

" وليد انهض "

لم يفق ... تسارعت ضربات قلبي و اصطدمت ببعضها البعض... غرست أظافري في ذراع وليد و أنا أرى باب تلك السيارة ينفتح و صرخت بقوّة :

" وليد ... انهض أرجوك... أرجوك "

أحس وليد بشيء يعصر ذراعه... و أصدر صوت أنين مخنوق ...

ثم بدأ يتحرك و أخيرا فتح عينيه...

التفت إلي ّ بجهد بالغ ... دون أن يبعد رأسه عن المسند ... و لما التقت نظراتنا رأيت المرض مستحوذا عليه... أيما استحواذ... رأيت القلق و الألم ينبعان من أعماق عينيه...

قلت و الفزع يصرخ في حنجرتي :

" وليد... أفق أرجوك... إنهم قادمون "

مشيرة نحو السيارة...

وليد نظر إلى السيارة و قطب جبينه ثم قال بصوت شديد البحة بالكاد يسمع و يفهم:

" اتصلي بسامر "

حملقت به غير مستوعبة للجملة... و كررت لأتأكد :

" سامر ؟؟ "

وليد أغمض عينيه في ألم و قال :

" سامر... هيا يا رغد ... "

هتفت :

" وليد.... "

في فزع و قلق شديدين...

لكنه لم يجب... لا بالكلام، و لا بالأنين، و لا حتى بطرفة عين...

هاتف وليد كان موضوعا في أحد الأرفف أمامي مباشرة، و بسرعة تناولته و اتصلت بسامر...

~~~~~~~~~

فور وصولي إليهما، تفاقم الذعر الذي كان قد أصابني مذ سمعت رغد تقول :

" الحق... يا سامر... وليد متعب جدا "

المشوار استغرق منّي حوالي العشرين دقيقة و أنا طائر بالسيارة على الطريق البري...
الطقس في ذاك اليوم كان سيئا للغاية و مررت بأكثر من حادث مروري أثناء سيري...

سيارة وليد كانت مصطدمة بأحد المصابيح الضوئية و من الضرر الظاهر عليها يتضح أن وليد لم يكن مسرعا جدا ...
أوقفت سيارتي على مقربة و خرجت مباشرة مهرولا ... الجو كان عاصفا، باردا و ممطرا... و الشارع خال ٍ من السيارات...

رأيت رأس وليد مسندا إلى المقعد... و عينيه مغمضتين ... و كان ساكنا عن الحراك...
أما رغد فقد كانت جالسة على المقعد المجاور له و متشبثة بذراعه... في وضع يوحي للناظر إليها أنها مفزوعة جدا

اقتربت من باب وليد و لما هممت بفتحه وجدته مغلقا... طرقت النافذة و أنا أقول :

" افتح الباب "

و شقيقي لم يحرّك ساكنا. هتفت مخاطبا رغد و التي كانت آنذاك تراقبني في وجل :

" افتحي الباب يا رغد "

و لم تفعل ذلك مباشرة... بل استغرقت بعض الوقت تحملق بي
ألم تستوعب بعد أنني سامر ؟؟

بمجرد أن فتحـَت هي القفل فتحتُ أنا الباب و أطللت برأسي إلى الداخل:

" وليد... أأنت بخير ؟"

و هالني أن أرى بعض الدماء تلوث أنفه و شفتيه و فكه السفلي... و حتى ملابسه...

وليد التفت نحوي ببطء و حذر و فتح عينيه ثم قال :

" أنا متعب... "

ثم رفع يده اليسرى و وضعها على رأسه إشارة منه إلى مصدر التعب... لابد أن رأسه أصيب في الحادث... لطفك يا رب...

قلت و أنا أمد يدي إليه لمساعدته على النهوض :

" أتستطيع النهوض ؟ قم معي... "

وليد أزاح يده عن رأسه و أشار إلى رغد و هو يخاطبها دون أن يلتفت إليها :

" تعالي رغد "

حينما نظرت إليها رأيت الذعر يملأ قسمات وجهها و الرجفة تسري في جسدها ربما من الخوف أو من برودة الهواء المندفع بقوة عبر الباب، حاملا معه قطرات المطر...
و كانت تمسك بذراع وليد تكاد تعانقها...

إن شهورا طويلة قد مضت على لقائنا الأخير... و هذه ليست باللحظة المناسبة لأسرد لكم كيف أشعر... و لا حتى لأسمح لنفسي بأن أشعر...

ساعدت شقيقي على النهوض، و بمجرد أن وقف استند إلي، ثم فجأة تركتي و جثا أرضا و جعل يتقيأ

و أيضا رأيت الدماء تنسكب من جوفه على الأرض... ما جعلني أزداد فزعا... و ما جعل رغد تقبل نحونا مسرعة و تشهق بقوّة...

شقيقي بدا مريضا جدا... و الواضح أنه مصاب بدوار شديد لا يستطيع معه تحريك رأسه ...
لا شك أن الإصابة قد شملت دماغه...
يا رب... خيب شكوكي...

بعد ذلك، أسندته إلي ّ مجددا و سرنا مترنحين نحو سيارتي... تلفحنا الرياح و يغسلنا المطر... و يقرصنا البرد... و كان وليد رغم حالته الفظيعة تلك و صوته المبحوح ذاك لا يفتأ ينادي :

" تعالي يا رغد "

أما هذه الأخيرة فقد كانت تسير إلى جانبنا ضامّة ذراعيها إلى صدرها يعلوها الذعر... و تنساب قطرات لامعة على وجهها لا أستطيع الجزم ما إذا كانت من ماء السماء أو ماء العين...

جعلت أخي يضطجع على طول المقاعد الخلفية مثنيا ركبتيه، وقلت مخاطبا رغد :

" اركبي "

و قد كانت لا تزال واقفة إلى جواري عند الباب الخلفي تنظر إلى وليد بهلع
و الأخير قال مؤكدا :

" اركبي يا رغد "

عدت إلى سيارة شقيقي لإغلاقها و جلب المفاتيح و أقبلت ُ مسرعا... و فور جلوسي على المقعد نزعت نظارتي المبللة و فركت يدي ّ الباردتين ببعضهما البعض ثم التفت نحو رغد الجالسة إلى جانبي و سألتها للمرة الأولى :

" هل أنت بخير ؟؟ "

و لكم أن تتصوروا مدى الدهشة التي تملكتها و هي تنظر إلي... !

سألتني مذهولة :

" ماذا فعلت بوجهك ؟؟ "

" لا يهم... ماذا حصل معكما ؟؟ "

أخبرتني رغد بأن وليد كان مريضا و لكنه قدم إلى المدينة الصناعية ليصطحبها إلى مزرعة أروى و من ثم ينطلقون إلى المدينة الساحلية من أجل العمل... و أنه كان يقود بسرعة معتدلة و بدا متعبا ثم انحرف في سيره و اصطدم بعمود المصباح... و فقد وعيه...

و أن إحدى السيارات قد توقفت للمساعدة لكن وليد صرف راكبيها و لم يسمح له بتقديم العون...

و هي تتحدث كانت تتوقف لالتقاط أنفاسها أو لإلقاء نظرة على وليد... و لم يخف َ علي مدى القلق و الهلع الذين كانت تعانيهما آنذاك...

ذهبنا مباشرة إلى إحدى المستشفيات و حضر فريق طبي و حمل وليد إلى غرفة الطوارئ و بدؤوا بفحصه و علاجه...

و الطبيب يفتح قميصه ليفحصه هالني منظر رهيب...
الكثير من الندب و آثار جروح قديمة مختلفة مبعثرة على جدعه... لم يسبق لي ملاحظتها قبل اليوم...
أما الطبيب فقد تبادل هو من معه النظرات الغريبة... و علامات التساؤل...

أمر الطبيب بعدها بإجراء فحوصات ضرورية ليتأكد من الحادث لم يؤثر على رأس وليد... و جعلتنا شكوكه ندور في دوامة الجحيم ... إلى أن ظهرت النتائج مطمئنة و الحمد لله...
ثم أمر بإبقائه في غرفة الملاحظة إلى أن يعيد تقييم حالته، و رجح أن يستلزم الأمر إدخاله للمستشفى...
غرفة الملاحظة تلك كانت تحوي مجموعة من الأسرة لا تفصل بينها أي ستائر... و هي خاصة بالرجال فقط...

" يمكنك ِ الانتظار هناك "

قال الممرض مخاطبا رغد و مشيرا إلى غرفة الانتظار الخاصة بالسيدات لكن رغد لم تتزحزح قيد أنملة و بقيت واقفة معي إلى جوار وليد

و لأن الغرفة كانت تخص الرجال و ممتلئة بهم فقد شعرت بحرج الموقف و قلت مخاطبا وليد الممدد على السرير بين اليقظة و النوم :

" سننتظر في الخارج... سآتي لتفقدك بعد قليل "

وليد فتح عينيه و خاطبني :

" انتبه لها "

ثم وجه نظره إلى رغد ... رغد سألته مباشرة و بلهفة :

" هل أنت بخير ؟ "

وليد قال و هو يغمض عينيه :

" سأنام قليلا... "

و يبدو أنه نام فورا ....

لم يكن بحاجة لتوصيتي على رغد... هل نسى أنها قبل شهور و إن طالت... كانت خطيبتي ؟
أم هل نسى أنها... و منذ ولدت كانت و لا تزال ابنة عمّي ؟ و أنها و منذ الطفولة... رفيقة عمري؟؟؟
خرجنا من غرفة الملاحظة تلك... و وقفنا في الممر لبعض الوقت...
رغد سألتني آنذاك:

" هل سيكون بخير ؟ "

كنت حينها أنظر إلى أرضية الممر الملساء... و أستمع إلى خطوات المارة حين تدوس عليها...
و أضرب أخماسا بأسداس ... في مخاوفي و توجساتي...
رفعت رأسي و نظرت إليها... لم يزل الهلع مرسوما لا بل محفورا على قسمات وجهها...
كانت تضم يديها إلى بعضهما البعض و تعبث بأصابعها بتوتر شديد... و الله الأعلم... من منّا أكثر قلقا و أحوج إلى المواساة...

قلت مجيبا عن سؤالها :

" نعم، إن شاء الله "

قالت بانفعال :

" و ماذا عن الدماء التي خرجت من جوفه ؟ "

قلت :

" تعرفين أنه مصاب بقرحة في معدته منذ العام الماضي... ربما عاودت النزيف "

امتقع وجه رغد و احتقنت الدماء فيه فغدا أشبه ببركان على وشك الانفجار... و قالت :

" و هل رأسه سليم حقا ؟؟ هل الطبيب واثق من ذلك؟؟ لماذا نزف أنفه إذن ؟؟ لماذا لا يسترد وعيه كاملا ؟؟ "

و هو السؤال الذي يدور في رأسي و يضاعف مخاوفي... و ما من جواب...

رغد لما رأت صمتي تفاقم هلعها و هتفت و هي بالكاد تزفر أنفاسها :

" إن أصابه شيء فأنا سأموت "

و جاءت كلماتها و كأنها تهديد أكثر من كونها قلقا... كأنها تهددني أنا بأن تموت هي لو أصاب وليد شيء لا قدّر الله... و كأنني المسؤول عمّا أصابه... و كأنني أملك تغيير القدر...
وكأنني جدار مصنوع من الفولاذ... يمكنه تلقي أقسى الطعنات من أعز الأحباب... دون حتى أن يخدش

رفعت رغد يدها إلى وجهها تداري ما لا تجدي مداراته أمام مرآي...

" يا رب... أرجوك... أبقه لي ... يكفي من أخذت... أرجوك... أرجوك ... أرجوك... "

تفطّر قلبي بسببها و لأجلها... و أوشكت على النحيب معها...
و تذكّرت الحالة التي اعترتها بعد وفاة والدي ّ ... و التي خشينا أن تلحق بهما بسببها لولا لطف الله و رحمته...

تركتها تبكي لبعض الوقت... فقد كانت بحاجة لذلك... ثم قلت مشجعا وأنا المنهار المكسور :

" اطمئني يا رغد... سيتعافى بإذن الله "

بعد هذا ذهبنا إلى السيارة و بقينا في داخلها نعد الثواني و الدقائق و الساعات... و قلبانا لهجان بالدعاء و التضرع إلى الله...
و كنت أمر لتفقّد شقيقي بين فترة و أخرى و أراه لا يزال نائما ... و أرى كيسا يحوي مجروش الثلج يوضع على رأسه من حين لآخر...

في آخر مرة... و أنا أتأمل شقيقي عن كثب، و هو بهذه الحال السيئة... و وجهه شديد الشحوب و شعره قد طال و تبعثر فوق جبينه و الجليد ينصهر في الكيس الموضوع عليه... و الدماء متخثرة في أنفه المعقوف... و بعض آثارها تختبئ بين شعيرات ذقنه النابتة عشوائيا...
و الأنفاس الشاهقة الساخنة تنطلق عبر فمه و الندب القديمة تغطي جسده فيما السائل الوريدي يتدفّق إلى عروقه بسرعة... و أنا أتأمل كل هذا و ذلك ... شعرتُ بأسى شديد عليه...
كم بدا لي... مريضا ضعيفا عاجزا... و هو ذلك الجبل القوي الذي لم يتزعزع لدخوله السجن أو لكارثة تدمير مدينتنا أو لوداع شقيقتنا... أو لفاجعة موت والدي ّ ...
حقيقة كان هو الأقوى و الأصلب من بيننا جميعا... و كان الجدار الذي استندنا عليه للنهوض من جديد ...

لم أكن قد قابلته منذ شهور... كان يحرص على الاتصال بي من حين لآخر... و يخبرني بتطورات ما حصل معه... و يلح علي للانتقال إلى المدينة الساحلية و العمل و العيش معه في رغبة كبيرة منه لم شمل العائلة المشتت...

و لكن... هل بإمكاني العيش في مكان تعيش فيه رغد... أو تحت ظل سقف ضم والدي ّ إليه ذات يوم ...؟
آه يا والداي... و آه لما حل بنا... بعد رحيلكما...
أمسكت بيد شقيقي و قد اعتصرني الألم... و كلما اعتصرني أكثر ضغطت عليها أكثر... حتى انتبه وليد و أفاق من النوم...

نظر وليد إلي و ربما لمح بقايا اعتصار قلبي بادية على وجهي... ثم نظر من حولي ثم قال :

" أين رغد ؟ "

و ليته سأل عن أي شي آخر سواها...
ليته سأل... عن جثتي والدي ّ و عن الجروح التي كانت تغطيهما كلية...
ليته سأل عن الهول الذي أصابني و أنا أدقق النظر في جثمانيهما و بملء إرادتي... لا أكاد أميّزهما...
ما حييت ... لن أنسى تلك الصورة البشعة... أبدا...
و ربما كانت رؤية الندب على جسد شقيقي و الدماء المتخثرة في أنفه هي ما أثار في نفسي هذه اللحظة تلك الذكرى الفظيعة المفجعة...

" أين رغد يا سامر ؟ "

عاد شقيقي يسأل و قد علاه القلق، أجبت مطمئنا :

" في السيارة "

قال معترضا :

" تركتها وحدها ؟ "

قلت :

" كنت معها، أتيت لأتفقدك دقيقة "

قال :

" أهي بخير ؟ "

أجبت :

" نعم، الحمد لله لم تصب بأي أذى... أنت فقط جرحت أنفك "

و تبادلنا النظرات الدافئة...

قلت :

" سلامتك يا وليد "

و أنا أشدد الضغط مجددا على يده، وليد تنهد و رد بصوته الخافت :

" سلمك الله "

قلت :

" كيف تشعر الآن ؟ "

" الحمد لله.. أظنني تحسنت "

نقل وليد نظره من عيني إلى الساعة المعلقة على الجدار و التي كانت تشير إلى الرابعة عصرا ثم قال :

" هل كنت نائما كل هذا الوقت ؟! "

" نعم... كنت متعبا جدا "

قال و هو يزيح كيس الثلج بعيدا :

" أنا أفضل الآن "

و حاول النهوض قائلا :

" دعنا نغادر "

اعترضت و طلبت منه أن يبقى حتى يأذن الطبيب بانصرافه لكن وليد أصر على مغادرة المستشفى تلك الساعة و لم أجد بدا من تنفيذ رغبته...

عندما لمحتنا رغد نقترب من السيارة خرجت منها مسرعة و على وجهها مزيج متناقض من الراحة و القلق... ثم سألت موجهة الخطاب نحو وليد :

" هل أنت بخير ؟ هل تعافيت ؟ "

وليد هز رأسه إيجابا ... و إن كان جليا عليه التعب و الإعياء
ركبنا أنا و هو في مقدمة السيارة و جلست رغد خلفنا...

لمح وليد مفاتيح سيارته موضوعة على رف أمامي فسأل :

" أين هاتفي ؟ "

أجابت رغد الجالسة خلفنا :

" تركتـُه في مكانه "

قال وليد :

" اتصلي بالمزرعة... لابد أنهم قلقون الآن ... أخبريهم بأننا بخير و سنقضي الليلة عند سامر"

و لما لم يصدر من رغد أي شيء يدل على أنها سمعت أو فهمت ما قال ، ناداها وليد

" رغد ؟؟ "

فقالت مباشرة :

" حاضر "

و بادرت بالاتصال عبر هاتف محمول تحمله في حقيبتها... ظننته هاتف وليد ثم اكتشفت لاحقا أنه يخص رغد...

قال وليد :

" لا تأتي بذكر الحادث "

قالت رغد :

" حاضر "

و بعد جمل قصيرة دفعت رغد بالهاتف إلى وليد الذي راح يكرر أنهما بخير و أنهما سيأتيان لاحقا و أنهما سيقضيان هذه الليلة ... في شقتي أنا !
الشقة التي أخذنا سامر إليها كانت جديدة... و يبدو أن سامر قد انتقل إليها قبل بضعة أشهر... و هي شقة صغيرة لا تحوي غير غرفة نوم واحدة و غرفة معيشة صغيرة و حمام واحد !

فور وصولنا قاد سامر وليد إلى السرير الوحيد في ذلك المكان فاضطجع وليد عليه و التقط بعض الأنفاس ثم قال :

" أنا آسف... لكنني متعب للغاية "

سامر قال مباشرة :

" لا عليك... عد للنوم يا عزيزي "

وليد نظر إلي و كأنه يطلب الإذن مني ! قلت :

" ارتح وليد ... خذ كفايتك "

وليد نظر إلى سامر ثم قال :

" اعتنيا بنفسيكما "

ثم أغمض عينيه و استسلم للنوم !

أجلس ُ أنا و سامر في غرفة المعيشة نشاهد التلفاز و لا يجرؤ أحدنا على النبس ببنت شفة !
لكم أن تتصوروا حرج الموقف... فالرجل الذي يجلس معي هنا كان قبل فترة خطيبي... خطيبي الذي عشت و ربيت معه... و وعيت لهذه الدنيا و أنا في صحبته...
و هو و منذ أن أبلغني بأنه أطلق سراحي... ذلك اليوم ... و نحن في المزرعة... لم يعد له وجود في حياتي...

الشهور توالت بسرعة و توقفنا عن تبادل الزيارات و حتى المكالمات...
لا أعرف تحديدا أي أفكار تدور برأس سامر هذه الساعة إلا إنني متأكدة من أنه أبعد ما يكون عن التركيز في البرنامج المعروض على الشاشة...

عندما حان موعد الصلاة أخيرا تكلّم...

" سوف أذهب لأداء الصلاة و من ثم سأمر بأحد المطاعم "

قال ذلك و هو ينظر إلى ساعة يده، ثم تابع :

" لن أتأخر... تصرفي في الشقة بحرية "

و نهض و سار نحو الباب...

لم أجرؤ على قول شيء... ماذا عساي أن أقول و أنا في موقف كهذا؟؟ و كيف يخرج و يتركنا وحدنا و وليد مريض جدا ؟؟

قبل أن يغلق الباب و هو في الخارج سمعته يقول :

" أتأمرين بأي شيء ؟ "

رفعت بصري إليه ... كنت أريده أن يستشف من نظراتي اعتراضي على ذهابه... لكنه غض بصره مباشرة و أشاح بوجهه جانبا...

شعرت بألم...

ليتكم تشعرون بما أشعر... بل لا أذاقكم الله شعورا مماثلا...

سامر... كان رفيق طفولتي و صباي و شبابي... كان أقرب الناس إلي... كان مسخرا وقته و كل ما باستطاعته من أجلي أنا... كان يحبني حبا جما... كثيرا جدا... و لم يكن أبدا... أبدا... يشيح بوجهه عنّي أو يتحاشى النظر إلي... لقد كنت خطيبته و لم يكن شيء أحب إليه من النظر إلي و الجلوس بقربي...

و الآن ... ؟؟

طأطأت رأسي في أسى و حسرة... و كيف لا أتحسّر و آسف على فقد إنسان عنى لي مثل ما عناه سامر طوال تلك السنين ...؟؟
إنه ... لم يفقد أحد ذويه مثلما فقدت ُ أنا... و مثل من فقدت أنا...

لما لم يجد سامر مني الجواب، انصرف مغلقا الباب بالمفتاح...

حينها لم أتمالك نفسي و جعلت أبكي...

بعد ما يقرب من النصف ساعة توهمت سماع صوت منبعث من غرفة النوم... و بدأ الوهم يتضح أكثر فأكثر... حتى تيقنت من أنه وليد...

ذهبت إلى الغرفة و أنا أسير بحذر... و ناديت بصوت خافت :

" أهذا أنت ... وليد ؟ "

كانت الغرفة مظلمة إذ أن سامر كان قد أطفأ المصابيح عندما غادرناها...

وليد قال بصوته الشبه معدوم :

" رغد ؟ ... "

" نعم... هل أنت بخير ؟ "

وليد بدأ يسعل بشدة سعالا استمر لفترة...
أفزعني سعاله... فتشت عن مكابس الإنارة و أضأت الغرفة...

كان لا يزال في نوبة سعال لم تنه...

" هل أنت بخير ؟؟ "

لم يكن يستطيع التوقف... تفاقم قلقي و نظرت من حولي ثم خرجت إلى غرفة المعيشة بحثا عن بعض الماء...

عدت إليه مسرعة و قدمته إليه... و بعدما شربه انتهت النوبة و ارتمى على السرير مجددا...
و أخذ يتنفس بعمق من فمه و يسعل أحيانا...

هدأ قليلا ثم سألني :

" أين سامر ؟ "

قلت :

" ذهب ليصلي... "

قال :

" اتصلي به "

وقفت مأخوذة بالهلع... و سألت :

" اتصل به ؟؟ "

قال :

" نعم... أنا متعب "

و شعرت بأعصابي تنهار... و ما عادت ساقاي بقادرتين على حملي... كنت أقف بجوار وليد و أرى بوضح علامات التعب و المرض ثائرة على وجهه

قلت بصوت متبعثر متفكك :

" ما بك يا وليد ؟ طمئني أرجوك ... "

و اجتاحتني رغبة عارمة في البكاء...
وليد نظر إلي و مد يده و أمسك بأصابعي ... و شعرت بحرارته الشديدة تنتقل إلي... ثم قال :

" لا تقلقي... أنا بخير "

قلت بانفعال :

" لا لست بخير ! أنت مريض جدا ... أرجوك أخبرني ... هل قال الطبيب شيئا ؟ "

وليد أطال النظر في عيني ... و كأنه يبحث عن شيء مختبئ خلف بؤبؤيهما... ثم قال بحنان :

" هل... تخافين علي ؟ "

أخاف عليك؟ بل أكاد أموت من الفزع عليك... ألا ترى أن ساقي ّ... ترتجفان ؟ ألا تشعر بأنني... سأهوي أرضا ؟ ألم تحس برعشة يدي و برودتها ؟ لقد جفّت دمائي فزعا عليك يا وليد... و القلب الذي ينبض بداخلي... يضخ فراغا...
وليد ... ألم تفهم ؟؟

قلت بصوت متقطّع واهن :

" وليد... أنا... إنني ... "

و هنا عادت نوبة السعال إليه مجددا... أقوى و أعنف...

لم أحتمل ذلك ... كادت روحي تخرج مع سعلاته ... أسرعت أجر ساقي ّ جرا ... إلى هاتفي و اتصلت بهاتف سامر...

" من معي ؟ "

" أنا رغد... "

" رغد ؟؟ "

" نعم... سامر عد بسرعة أرجوك "

" ماذا حدث ؟ "

" وليد مريض جدا ... أنا سأنتهي... "

و انهارت ساقاي أخيرا و هويت أرضا... و أخذت أبكي بل أصرخ ... لا أعرف ما قال سامر... لم أسمع أو لم أع ِ شيئا... و لم أقو َ بعدها على النهوض...

ربما كان سامر على بعد أمتار من الشقة لأنه حضر بسرعة و ما إن دخل الشقة حتى هتفت :

" أرجوك افعل شيئا ... لا تدعه يموت ... "

كنت جاثية على الأرض في عجز تام... سامر لم يطل النظر إلي ّ ... بل ألقى بالأكياس التي كان يحملها جانبا و أسرع نحو الغرفة...

~~~~~~~~

وليد كان يسعل بشدة و بالكاد يجذب أنفاسه... و كان العرق يتصبب من جبينه بينما يشتعل جسده حرارة... لدى رؤيته بهذا الشكل، أصبت بالروع ... و قررت إعادته إلى المستشفى فورا...
رغد الأخرى كانت بحالة سيئة و بصعوبة تمكنت من النهوض و مرافقتنا...

هناك شخـّص الطبيب حالته على أنها التهاب رئوي حاد... و أمر بإدخاله إلى المستشفى مباشرة... لكن وليد رفض ذلك تماما و اكتفى بقضاء بضع ساعات تحت العلاج...

أمر الطبيب بحقنه بعدة أدوية... و أبقى قناع الأوكسجين على أنفه طوال الوقت... و ظل يتلقى العلاج حتى انخفضت حرارته و تحسن وضعه العام قليلا...

أما رغد فقد كانت منهارة و مشتتة للغاية... و ما فتئت تطلب مني أن :

" لا تدعه يموت ... أرجوك "

و كـأن الموت بيدي أو أملك لمنعه سبيلا...

أظن أن وفاة والدي ّ اللذين كانت هي متعلقة بهما كثيرا... و بحاجة إلى رعايتهما... جعلها تتصور الموت يحيط بها و تخشى حدوثه...

و ربما أيضا كان للمأساة التي عاشتها ليلة القصف على المدينة... أثرها العظيم ...

و بالتأكيد... فإن حبّها لوليد جعلها في هوس على صحته... و حياته...

لا زلت أذكر كيف استقبلته في ليلة زواج دانة... و كيف تدهورت صحتها و نفسيتها بعدما علمت بأمر ارتباطه بأروى...
و كيف كانت تراقبهما بغيظ في المزرعة... فيما أنا أتفرج عليها... و أقف كالشجرة... بلا حول و لا قوّة...

و ها أنا الآن أقف كالشجرة... أمام شقيقي و خطيبتي السابقة... بلا حول... و لا قوّة...

تمر الساعات بطيئة ثقيلة داكنة... خرساء عن أن كلمة أو إشارة... و كلّما أن ّ وليد اخترق خنجر صدي... و كلّما تأوه مزقت سكين أحشائي... و كلّما أفاق استقبلته أنظارنا بلهفة... فيقول :

" أنا بخير "

و كلما أغمض عينيه رفعت عيني إلى السماء داعيا الله أن يجعله بخير...

كان وقتا عصيبا... اكتشفت فيه أنني أحب شقيقي هذا أكثر مما كنت أعتقد... و بالرغم من كل شيء أو أي شيء...

مع مرور الوقت تحسنت حالته و استرد بعضا من قوّته و طلب منّي إعادته إلى الشقة...

" و لكن يا عزيزي... الطبيب ينصح ببقائك "

فرد :

" أنا بخير الآن... لنعد يا سامر... لابد أنكما متعبين... و خصوصا رغد "

و فهمت ما يرمي إليه...

رغد قالت معترضة :

" أنا بخير "

فقال وليد :

" و أنا كذلك "

و نظر إلي ّ ... فقلت :

" حسنا... هيا بنا "

و في الواقع لم يكن هناك حل أفضل من العودة في تلك الساعة المتأخرة من الليل...

في الشقة بدا شقيقي أفضل حالا بعض الشيء و لكنه لم يستطع مشاركتنا الطعام لشعوره بألم في معدته. الطعام كان مجموعة من الشطائر و العصائر... كنت قد جلبتها من أحد المطاعم أول الليل.. تناولناها أنا و رغد و نحن نراقب وليد... في غرفة النوم...

السكون التي ساد وليد جعلنا نستنتج أنه نام مجددا...

خاطبتني رغد سائلة :

" إنه أفضل... سيتحسن... أليس كذلك ؟ "

قلت :

" إن شاء الله... "

رغد قالت برجاء شديد :

" أرجوك... اعتن ِ به جيدا... افعل أي شيء لعلاجه "

أجبرتني جملتها على النظر إليها ثوان ثم بعثرت نظراتي بعيدا...
و هل تظنين يا رغد... أنني سأقف متفرجا على شقيقي و هو مريض بهذا الشكل ؟؟
أم تظنين أنني سأقصّر في العناية به انتقاما لما فعله بي في السابق ؟؟
أم تعتقدين أن هروبك منّي إليه سينسيني دماء الأخوة التي تجري في عروقي و عروقه؟؟

قالت رغد :

" يوم الغد... سأطلب من خالتي الحضور لأخذي معها... و بالتالي يتسنى لك نقله للمستشفى و معالجته "

و كلنا يدرك أن وليد رفض دخول المستشفى بسبب وجود رغد... إذ لم يكن من اللائق إدخاله إلى المستشفى و عودتنا وحيدين إلى الشقة...

تابعت رغد:

" سأتصل بها باكرا لتأتي سريعا... لا يجب أن نتأخر أكثر من ذلك... "

و لم أعقّب على حديثها بل كنت ألهي نفسي بشرب بقايا عصير الفراولة من كأسي الورقي... علها تطفئ شيئا من لهيب صدري...

قالت رغد :

" أنا آسفة لأنني عطّلت الأمر ... "

جملتها هذه أثارت اهتمامي... لكني تظاهرت باللامبالاة...

استرسلت رغد :

" لطالما كنت... و سأظل عقبة في طريقكم جميعا... لطالما سبب و سيسبب وجودي لكم التعطيل و الضيق... أنا آسفة... لقد طلبت منه أن يتركني في بيت خالتي لكنه من أصر على أخذي معه... سأبقى عبئا و عالة عليكم رغما عني... لكن... ماذا أفعل ؟ فأنا لا والدين لي ... "

و كصفعة قوية تلقيت كلمات رغد... صفعة لم تدر وجهي نحوها فقط بل جعلتني أحملق فيها بذهول...

رغد من فورها خرجت مسرعة من الغرفة... لتخبئ دموعها خلف الجدران...

لم استطع أن أحرك ساكنا... أحسست بالمرارة في داخلي بل و في عصير الفراولة على لساني...
و تركتها تبكي و أنا في عجز تام عن تقديم شيء من المواساة... أو تلقي شيئا منها...
*********************
إلي هنا ينتهي الفصل الحادى والأربعون من رواية أنت لي بقلم منى المرشود
تابع من هنا: جميع فصول رواية أنت لى بقلم منى المرشود
تابع من هنا: جميع فصول رواية آدم بقلم جودى سامى
تابعوا صفحتنا على الفيس بوك للمزيد من روايات حب
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

يسعدنا تلقي اقتراحاتك أو تعليقك هنا

الاسمبريد إلكترونيرسالة