-->
U3F1ZWV6ZTMzNTg0ODE3NzI1X0FjdGl2YXRpb24zODA0Njk2NDgxODg=
recent
آخر القصص

رواية إمبراطورية الرجال بقلم رحاب إبراهيم - الفصل الثالث والستون

 مرحباً بكم أصدقائي وأحبابي عاشقي القراءة وأجمل الروايات الممتعة والروايات الرومانسية مع رواية رومانسية جديدة للكاتبة المتألقة رحاب إبراهيم والتي سبق أن قدمنا لها العديد من الروايات والقصص الرائعة من قبل واليوم مع روايتها التى نالت مؤخرا شهرة كبيرة جدا على مواقع البحث نقدمها علي موقعنا قصص 26 وموعدنا اليوم مع الفصل الأول من رواية إمبراطورية الرجال بقلم رحاب إبراهيم

رواية إمبراطورية الرجال بقلم رحاب إبراهيم - الفصل الأول

إقرأ أيضا: حدوتة رومانسية

رواية إمبراطورية الرجال بقلم رحاب إبراهيم
رواية إمبراطورية الرجال بقلم رحاب إبراهيم

رواية إمبراطورية الرجال بقلم رحاب إبراهيم - الفصل الأول

فتحت عايدة باب غرفة يوسف وأشارت لوجيه وأسر أن يرتدوا الكمامة الطبية....لم يكترث لتوجيهاتها وجيه وهو ينظر لأحب انسان الى قلبه وهو يرقد هزيلا ضعيفا شاحباّ.....المرض يظهر عليه ولكنه لم يدرك للآن أن ما يظهر عليه تابع لحالته النفسية طيلة الأيام الماضية....

نظر يوسف بصدمة له وحاول أن يعتدل ولكنه لم يستطع النهوض بسهولة لثقل جسده من العقاقير المخدرة.....

هز وجيه رأسه برفض هذا المشهد أمامه....ركض اليه مع هتاف عايدة بتظاهر الخطر بينما لم يعبأ وجيه لأي شيء....اخذ يوسف بين ذراعيه بضمة قوية ولأول مرة يختبر وجيه هذا القدر من الدموع وهو يضم يوسف بكل قوته ويردد :- ابني...


انسابت دموعه التي نادرا ما كانت تزور خديه وهو يشدد ذراعيه حول جسد يوسف الذي بدا ضعيفاً ويظهر أعراض المرض عليه بقوة...تجمد يوسف للحظات من المفاجأة الذي لم يخرج منها منذ دقيقة تقريبـًا حتى حاول أن يبعد عمه عنه بدموع طفرت على وجنتيه رغما عنه....كأنه أصبح وباء يخشى على أحبائه حتى من نفسه....قال بصوت ضعيف :-

_ ابعد عني يا عمي....أنا تعبان وممكن أعديك...و

قاطعه وجيه بأشارة من سبابته بعدما ابتعد قليلا ونظر اليه بشوق....قال بصوت متهدج من الدموع :-

_ اوعى تقول أنك تعبان تاني قدامي...أنت هتخف وهتبقى كويس ، ليه فضلت هنا ومعرفتش حد !! ليه يا يوسف ليـه ؟!

ابتلع يوسف ريقه الجاف تقريبا وقال وعينيه تذرف الدمع :-

_ كان عندي أمل أني أخف وارجع لكم من غير ما تشوفوني بالحالة دي ، كنت فاكر أن الموضوع يومين وتعدي لكن كل يوم صحتي في النازل لحد ما بقيت خلاص...أنا خلاص ياعمي...يمكن بعد أيام اودعكم ، ده نتيجة التقارير الطبية اللي بتتعملي كل يوم...خلاص


ضمه وجيه مرة أخرى وأغمض عينيه بغصة حارقة بحلقة من فرط الألم ومرارة بالقلب عالقة ومتيبسة عن الفرار....هز رأسه رافضا ما يسمعه وعينيه تنطق الحزن بالدمع...من يستطع أن ينتظر موت صغيره وهو مكتوف الأيدي؟!

قال بتصميم وتأكيد :-

_ما تقولش كده....هتقوم بالسلامة وبكرة افكرك ، أنا هفضل جانبك لحد ما تقوم بالسلامة.....لو هصرف عليك اللي ورايا واللي قدامي انا موافق...

هتف آسر بصوت مرتعش من البكاء وهو يرى يوسف الذي لم تكن تفارقه الابتسامة والمرح بهذا الضعف وقال :-

_ تقوم بالسلامة وحسابك معايا بعدين على بعدك عننا..

نظر يوسف له بألم حتى اقترب منه آسر وخطفه من ذراعي عمه وضمه بقسوة قائلا بعصبية ودموع :-

_ ماتزعلش مني ، انت حته مننا كلنا يا غبي ، جالك قلب تتحمل ده كله لوحدك أزاي؟! كلنا لازم نبقى جانبك في المحنة دي...

اطرفت عين يوسف بدموع وقال بضعف :-

_ مكنتش عايز اعذبكم معايا ، كل لحظة بتمر عليا صعبة ، محبتش اغير الصورة اللي في خيالكم ليا بصورة واحد مريض مستني موته بين كل لحظة والتانية....سيبوني وامشوا وابعدوا عني ارجوكم...

هتف آسر بغضب وعينيه حمراء من البكاء فأقتربت "عايدة" إليهم في نبرة تحذيربة :-

_ على فكرة قربكم منه كده غلط وخطر عليكم ، بعد الزيارة تعالوا معايا في تحليل كده سريع هنعمله احتياط...

التفت وجيه بعصبية والقى الحديث بوجهها بدهشة :-

_ ليه ما اتصلتيش بيا وقولتيلي ؟! طب هو حتى لو رافض يعرفنا ليه تسمعي كلامه !! لو أبنك مكان يوسف كنتي عملتي ايه ؟!

التمعت عين عايدة بدمعة سرعان ما اخفتها وقالت :-

_ عندي نور مكان يوسف وحالتها أخطر منه كمان ، لكن دي كانت رغبته

اكد يوسف قائلا :-

_ دي الحقيقة يا عمي...أنا خليتها توعدني انها ما تكلمش حد ولا تعرف حد أني هنا لحد ما اطلع سواء طلعت حي أو ميت...

نظر وجيه حوله وقال :-

_ انا هنقله لأكبر مستشفى هنا في لندن....مش حاسس أن هنا رعاية كافية لحالته وهو معزول وكأنه مسجون بالشكل ده !


شرعت عايدة بالحديث وهي ترتجف رعبـًا من مجرد الفكرة وفضح أمرها فقالت :-

_ ماينفعش...هنا في رعاية اكتر من كافية لحالته وكمان هنا مش زي مصر مافيش مستشفى هتقبله بسهولة بسبب الفيروس حتى لو دفعت كل فلوسك مقدما....ده غير أنه لو طلع من هنا وحصل مشكلة ومعرفتش تلاقي مستشفى فيها اماكن عزل لحالة يوسف هيبقى صعب ترجع هنا تاني....فكر قبل ما تاخد خطوة تندم عليها وكل لحظة بتمر من غير رعاية لحالته بتشكل خطر كبير عليه....وماتنساش اننا مش في بلدنا ومتغربين....


اعترض يوسف قائلًا وكأن الأمر أصبح جميعه سواء:-

_ مافيش داعي يا عمي...هنا بيعملوا اللي عليهم ومافيش تقصير منهم...


تنهد وجيه بأسى وثقل عظيم على قلبه ثم قال :-

_ خلاص مش هيخرج بس هتكلم مع اكبر دكاترة هنا وهجيبهم لحد عندك....وده آخر كلام...

جف حلق عايدة من الرعب التي لم تستطع اخفائه اكثر من ذلك ......


**************


بعد إجراء فحص طبي سريع صممت عليه عايدة ريثما تقنعهم بالأمر ولو بشيء بسيط كهذا....وقف وجيه أمام غرفة يوسف وبجانبه آسر ....تحدثوا مع عايدة قليلا ثم انصرفت لمتابعة عملها بقدم بالكاد تخطو من الخوف مما ينتظرها اذا انفضح أمرها....أتت ممرضة بزيها الوردي وتحدثت مع وجيه بلغة انجليزية ثقيلة وأخبرته أن مريضة تدعى "نور" في انتظارهما بغرفة بآخر الممر بالطابق الثاني....تساءل آسر وقال بعدما انصرفت الممرضة وقال :-

_ هي نور عرفت أزاي اننا هنا ؟!

رد وجيه سريعا وقال:- معرفش....يمكن حد من الممرضات...يلا نزورها بما اننا هنا...

سارا في الممر باتجاه المصعد حتى هبطوا للطابق الثانِ واتبعوا الخطوات حتى آخر الممر ليجدوا غرفة تشبه غرفة يوسف بإنعزالها ولكن حركة الطاقم الطبي تدب بالمكان....دلف وجيه للغرفة بخطوة بطيئة ونظرة تتفحص تلك الفتاة الممدة على فراشها بوجه يظهر علبه الشحوب لدرجة كبيرة وبعض الاسلاك المتصلة بالأجهزة الطبية موصولة بجسدها وأصابع يدها.....اقترب وجيه اليها وقال بلطف :-

_ سلامتك يا نور ، عاملة ايه دلوقتي ؟

ابتسمت نور وهي تنظر له بأعين ذابلة ناعسة....قالت ببطء :-

_ الحمد لله أنك جيت ياعمي وجيه....كنت مستنياك

تعجب وجيه قليلا وشعر بشيء غامض بينما القى آسر السلام فأجابته نور ببطء أيضا ، اقترب وجيه اليها وتساءل:-

_ أنتِ عايزة تقوليلي حاجة ؟!

هزت رأسها بهزة خفيفة ويبدو أنها المتها فأنكمش حاجبيها قليلا قبل أن تتابع وقالت :-

_ عايزة اريح ضميري....أنا ..داخلة عملية كبيرة بكرة الصبح ، نسبة نجاحها ضعيفة اوي ، مش عارفة أن كنت هخرج منها ولا لأ....

قال آسر بمحاولة أن يظهر بعض المرح :-

_ بتقولي كده ليه !!! أنتِ بسبع أرواح زي القطط !

ابتسمت نور له بالكاد وقالت بصوت كأنه منهك ومتعب حد التيهة :-

_ اوعدني الأول يا عمي أنك ما تتسببش لأمي أو بابا بأي أذية ، مش هتكلم غير لما توعدني...

نظر آسر ليه بريبة بينما حدق بها وجيه لبرهة وبدأ يصدق ظن قلبه وتمنى أن يكن صحيحا وقال :-

_ اوعدك يا نور...قولي اللي عندك...

تنهدت نور براحة ثم قالت بدموع تسللت من عينيها :-

_ يوسف مش مريض ، كل اللي عنده كان نازلة برد جامدة من تغيير الجو من بلد لبلد...

ابتسم وجيه وكأن خنجر كان مغروس بقلبه واندفع بعيدا بحديثها ولكنه اخفى فرحته الشديدة لشدة مرصها وحالتها التي لا يرثى لها فقال :-

_ قلبي كان حاسس...بس

قاطعته نور بشهقة بكاء :- بس ماما حجزته هنا بأدوية خاصة أثرت على صحته شوية ووهمته انه تعبان فعلا....عشان ما يمشيش ويسيبني ،عشان عارفة أني بحبه ووجوده بالنسبالي كل احلامي ، أنا سمعتها وهي بتتكلم مع بابا عن اللي عملته وكانت بتعيط .....بس أنا خلاص مابقتش عايزة حاجة غير أني امشي وانا مش سايبة حد زعلان مني....انا حاسة أني هموت في العملية....

امتلأت عينيها بالدموع والخوف معا بينما شفق عليها وجيه وقال :-

_ لا يا حبيبتي ما تقوليش كده ، هتطلعي بالسلامة وهترجعيلنا بخير....


قالت راجية بتوسل وبكاء :-

_عشان خاطري سامح ماما ، خد يوسف من هنا وقوله أني حبيته يمكن فعلا عشان وقف جانبي كتير في مرضي....أو يمكن عشان كان حنين عليا أوي اكتر من أهلي.....قوله يسامحني ويسامح ماما لأن اللي عملته كان بسببي....ولو مت خليه يدعيلي دايمـًا..


قال آسر بقوة :- بس يا نور اللي والدتك عملته ما يتغفرش بسهولة ، يوسف حالته النفسية واضحة عليه ، لو الخوف من المرض بعد فالخوف من حالته النفسية لسه موجود وده بسبب....

قاطعه وجيه بحسم وقال بلطف وهو ينظر لها :-

_ خلاص ، انا هاخد يوسف من هنا بهدوء يا نور من غير أي مشاكل ، كلامك أوامر من غير نقاش....واعتبريني سامحت والدتك ، انما أنتِ بنتي ومحدش بيزعل من بنته ، وكمان أنتِ ما عملتيش حاجة تزعلني منك.

ابتسمت نور بين دموعها وقالت بامتنان :-

_متشكرة أوي...لو جبت بنوته سميها نور

هز وجيه رأسه موافقا بابتسامة لإرضاء تلك الصغيرة المسكينة......

************

بغرفة يوسف بالمشفى......


كان ممدد بجسد متيبس على فراشه عينيه تخشى حتى أن تتيه بالغفو خةفا أن لا تستيقظ مجدداً....فتفجائ بصوت مقبض الباب ينفتح بقوة ويولج للداخل وجيه ومعه آسر بخطوات واسعة والابتسامة على وجهيهما !!

اقترب وجيه له وجذبه ليعتدل قائلا بنظرة تملأها السعادة والراحة :-

_ أنت مش مريض يا يوسف ، أنت سليم مية في المية

ضيق يوسف عينيه بتعجب حقيقي فأكد آسر بهتاف :-

_ الدكتورة عايدة ام نور هي اللي عملت كده عشان تخليك جنب بنتها لحد ما نور تعمل العملية وحالتها النفسية تتحسن بوجودك...حجزتك هنا ووهمتك بالمرض !! اكيد كانت بتديلك أدوية تخليك ما تقدرش تقوم بخلاف حالتك النفسية اللي وصلتك بالشكل ده !!

تمتم يوسف بعدم فهم ولكن الأمل وكأنه انتشر بخلاياه فقال ببطء:-

_ يعني..أنا ...

ضمه وجيه بقوة وتنهيدة قوية ....قال براحة وقلب مطمئن :-

_ انا مسامح الدنيا بحالها مع الخبر ده ، أبني رجعلي اتمنى ايه تاني ؟!

قوم غير هدومك هنروح عند دكتور آسر حجز ميعاد عنده من شوية ، نشوف الادوية اللي دخلت جسمك ايه وعلاجها ايه...غير كده أنت مافيكش أي حاجة يا حبيبي...

ابتسم يوسف بالتدريج ، الأمل قادر على استعادة الطاقة الكامنة بروح البشر ليستطيع الانسان المواصلة بالحياة....قال بدموع سعادة :-

_ يعني أنا معنديش فيروس ؟ انا مش مصدق ...كأني بحلم

مرر آسر يده على رأس يوسف وقال بمشاكسة :-

_ وحشتني غلاستك يا مفجوع ، شكلك هترجع مفجوع اكتر من الأول

اتبع جملته بابتسامة عريضة ليضمهما عمهما هما الاثنان بقوة.....


أتت الدكتورة "عايدة" بخضم هذا المشهد لتقف متسمرة للحظات تحاول أن تكذب حدسها حتى انتبه لها يوسف بنظرة تحمل من العتاب ما جعلها تتأكد من ظنها.....قال يوسف لعمه :-

_ عايز أمشي من هنا يا عمي ، نفسيتي هترتاح لو خرجت من هنا.

اسنده وجيه بمساعدة آسر حتى وقف يوسف ثابتا من قلة الحركة.....قالت عايدة ونبرتها تهدد بالبكاء:-

_ في ايه بيحصل هنا ؟!

التفت لها آسر بملامح توضح ما بداخله ونظرات غاضبة :-

_ زي ما حضرتك شايفة....هناخد يوسف ، عارفة ليه ؟ لأن ببساطة هو مش مريض وأنتِ السبب في حجزه هنا في العزل !!

قال وجيه بقوة :- مالوش داعي يا آسر ، أنا هاخد يوسف من غير مشاكل ، وكفاية أني راعيت حاجات كتير وما اعملش مشاكل....


اتسعت عين عايدة بذهول فقد تأكدت من معرفتهم الحقيقة....أكثر ما أثار غضبها هو بث النشاط بجسد يوسف وكأنه أخذ جرعة من الطاقة بدلا من الجرعات التي كان تدسها بجسده حتى تثقل حركته....هزت رأسها برفض ووقفت أمام باب الغرفة تحجز الخروج وقالت بغضب والدموع تملأ عينيها :-

_ يوسف مش هيطلع من هنا قبل ما بنتي تخرج بالسلامة...

تحكم وجيه بغضبه وقال بتحذير :-

_ لحد دلوقتي مراعي صلة الرحم اللي ما بينا ووعدي لحد غالي عندي ، لكن أي اعتراض منك بخروج يوسف من هنا ههد الدنيا على دماغك ، انا معنديش اغلى من ولادي واللي يقربلهم اخسف بيه الأرض....ماتفتكريش أن سكوتي ضعف!!! أنتِ عارفة كويس أني اقدر اعمل كتير لكن انا وعدت ولازم اوفي بوعدي.....مش من مصلحتك توقفي الوقفة دي قدامي خصوصا بعد اللي اكتشفته واللي ممكن يتسبب في طردك من هنا.....


كثرت الدموع في عين عايدة وتحول غضبها لتوسل ورجاء فقالت وهي ترتجف من البكاء :-

_ ابوس ايدك خلي يوسف جنب نور لحد بكرة بس...وجوده هيفرق كتير هي بتفرح لما بيكون جنبها ، مش بشوف الابتسامة مالية وشها غير بوجود يوسف ، حس بيا ارجوك

كاد آسر أن ينفعل عليها ولكن اوقفه وجيه قائلا :-

_ لا يا آسر ، كفاية احساسها ، هنكون هنا الفجر بس هشوف ابني فيه ايه الأول وانتِ عملتي فيه ايه بالأدوية اللي اديتهاله...مش هنفضل هنا وعشان نور بس هجيبه قبل ما تدخل العمليات...أظن كده عملت اكتر من اللي عليا...

قالت عايدة ببكاء:- مأذيتهوش زي ما أنت فاكر.....يوم من غير الأدوية االي كنت بديهاله وهيرجع زي ما كان..


صمتت بعد ذلك باكية بقهر على كل شيء بينما بدل يوسف ملابسه الذي اتى بها من ملابس المشفى وخرج أمام عينيها دون أن تستطع التفوه بكلمة وكأنه افرج عنه للتو من سجن دام سنوات !!

*************

مرت عدة ساعات حتى استقر وجيه بالفندق ومعه يوسف وآسر بعدما تم إجراء عدة تحاليل طبية وأخذ نتائجها.....

جلس وجيه على مقعد بغرفة الفندق وتنفس الصعداء وهو يحمد ربه بكامل قلبه ....قال :-

_ الحمد لله ، الحمد لله الف مرة ، نتيجة التحاليل تمام مافيهاش مشاكل غير انه هيحتاج شوية فيتامينات الفترة الجاية....

ربت آسر على قدم يوسف الذي يفرد ساقيه امامه وهو يجلس على المقعد بإرتخاء وقال :-

_ حمد الله على سلامتك يا يوسف ، شدة وعدت الحمد لله

تنهد يوسف بعمق وقال :-

_ ما اعتقدتش أن هنسى الأيام دي طول عمري...زي ما اكون اتولدت من جديد...عمري ما حسيت بقيمة ونعمة الصحة غير دلوقتي !!


وجيه بحنان :- رجعت لأبوك ، أنا لو مكنتش لاقيتك مكنتش هرجع مصر على واقف رجلي ، أنت متعرفش غلاوتك عندي عاملة أزاي

ابتسم له يوسف بمحبة كبيرة وقال :-

_ وجودك دايمًا كان بيبقى الحل لكل المشاكل ، وجودك كان فيه كل الأمان في عز الخوف....تعرف أنا دايما كنت بدور على دور اقرب من دور الأب بس مافيش...أنت في روحي يا عمي...

جذب وجيه رأس يوسف بجانبه وقبلها بمحبة وبعض من المشاكسة قائلا :-

_ حمد الله على سلامتك يا حبيبي...مراتك كان هيحصلها حاجة في غيابك....والحمد لله أننا لحقناك قبل موضوع الجواز من نور ده


يوسف شاردا بعض الشيء :- حميدة وحشتني أوي...انا حاسس أني متغرب عنها هي مش عن بلدي !!


قال آسر ليطمأنه :-

_كلها كام يوم ونرجع ونتلم كلنا في مكان واحد....لمتنا هتبقى حلوة أوي ، كل ما اتخيلها ارتاح نفسياً....زي ما يكون ربنا بيعوض فرقتنا طول السنين اللي فاتت بلمة كبيرة وعيلة بجد ، كل فرد فيها قلبه على التاني ، لا في بينا غيرة ،ولا حد بيكره التاني....هتصل بيهم اطمنهم علينا كلنا اكيد قلقانين أوي...

وجيه متنهدا بابتسامة وارتياح :-

_ الحمد لله...ربنا حقق حلم من أحلامي....

************


قبل الفجر بساعة تقريبـًا....كان ثلاثي إمبراطورية الزيان يتقدمون الخطا بالمشفى...ليتفاجأ وجيه بعايدة تقف أمام الطبيب الذي يستعد لإجراء العملية.....تقدموا اليه حتى خرجت نور على سريرها الطبي المتحرك بواسطة اثنين من الممرضات...التفوا حولها ولكنها نظرت ليوسف بنظرة غامضة وقالت :-

_ فضلت ادعيلك طول الليل وأنا بقرأ قرآن...اوعى تكون زعلان مني ؟

اغرورقت عينيها بالدموع حتى نفى بقوة وقال برفق :-

_ لا يا نور ، عمري ما زعلت منك ، هستناكي تخرجي بالسلامة أن شاء الله ، وانا كمان هفضل ادعيلك لحد ما تخرجي....

قالت بدموع ونظرة غريبة :- افضل ادعيلي دايمًا ، دعواتك هتوصلني..

ابتلع يوسف ريقه بغصة بحلقه...كلماتها المته فهي بمثابة شقيقته الصغرى وفرافها مؤلم كثيرا عليه.....ابتسم رغما وقال :-

_ حاضر...بس متتأخريش بقى في العملية عشان انتِ عارفة أني بجوع بسرعة وهروح اتغدى واسيبك...

حاول ان يبدوا مرحا في حديثه ولكن نظرتها الراضية المبتسمة للجميع اقلقته حتى دخلت غرفة العمليات....


مرت عدة ساعات.....

خرج الطبيب بزيه الأخضر الخاص بالمشفى وبغرفة العمليات تحديدا في نظرات آسفة....ركضت اليه عايدة برعب حتى هز رأسه بإعتذار متمتا عدة كلمات وكانت....عزاء

صرخت عايدة ببكاء وقهر واسندها زوجها الذي اتى منذ ساعة تقريبا بسبب مهمات عمله بمشفى آخر....

تطلع بهم وجيه بشفقة وألم على تلك الصغيرة التي رحلت وتركت أثر بقلوب الجميع.....التمعت عين يوسف بدمعة مقيدة فقد شعر بألم لفراقها حقا.....نالت الشفقة والألم أيضا من قلب آسر الذي توجه الى عايدة بعزاء صادق....

قالت عايدة ببكاء وقهر :- نور ماتت...بنتي ماتت ، احلى حاجة في حياتي ماتت وسابتني....

قال يوسف بحزن شديد :- البقاء لله

قالت عايدة بقهر وندم :-

_ سامحني يابني....سامحني عشان خاطر نور

أجاب يوسف بصدق :- مسامحك ، عشان خاطر نور

اسدلت عايدة نظرتها وهي ترتجف من البكاء بينما اتت سمر وزوجها لتتفاجأ بوفاة شقيقتها وتجهش بالبكاء بعد صدمة دامت للحظات.....


قدم وجيه والشباب خالص العزاء ثم رحلوا من المشفى لعلمهم أن الجثة ستشحن في تابوت بالطائرة حتى بلدها مصر....

***********


بعد عدة أيام بمطار القاهرة....

وقف جاسر ومعه للي وجميلة وسما.....بينما حافظ على عدم اعلام رعد بالأنر وهو ببلد آخر ريثما علمه بحالة يوسف وما حدث معه فلم يجد جاسر داعي لشن القلق مع رعد الذي سيعود بعد أسبوعين في جميع الأحوال.....

وقف جاسر وعينيه تتنقل يمينا ويسارا على العائدين حتى طل وجوه الثلاثي...كاد أن يقفز فرحا وكانت عينيه على يوسف الذي ركض اليه بعدما استعاد صحته قليلا....استقبله جاسر وهو يفرد ذراعيه كأنه يستقبل صغيره بلهفة.....ارتمى يوسف بين ذراعيه بضمة قوية حتى احاطه جاسر بيديه وكأنه سيخنق ضلوعه من الضمة....

تنهد بقوة وشوق قائلا :- وحشتني أوي....أنا أول مرة دموعي تنزل كان بسببك !!

ابتسم يوسف له بحنان وقال :- اديني عرفت غلاوتي

لكمه جاسر بغيظ وقال :- بقى مكنتش عارف يا غبي يا مفجوع !!

ابتسم للي لوجيه بنظرة مشاكسة وقالها بنظرة ماكرة سريعة فقالت ليوسف بابتسامة :- حمد الله على سلامتك يا يوسف

التفت لها مرحبا بابتسامة :- الله يسلمك

تمسكت سما بذراع آسر في مرح وقالت بابتسامة عريضة :-

_ حمد الله على سلامتكم كلكم

وتابعتها جميلة أيضا بينما يوسف انشغلت عينيها بالبحث فقال جاسر له بهمس :-

_ سمعتني وانا بكلمك وبتقولي خليها تنساني....في معاهدة صلح تنتظرك يا چو

ابتسم جاسر بمرح له بينما توترت عين يوسف بقلق وريبة من الأمر....

قال وجيه بجدية :- طب يلا بقى عشان وحشني البيت أوي.....

تمسكت للي بذراع وجيه وأمامها الشباب يسيرون بضحكاتهم ومشاكستهم....قالت له هامسة :-

_ ما اتصلتش بيا بقالك يومين !! ينفع ؟!

هز رأسه بثقة وكتم ابتسامته :- آه ينفع....بحب اطير من عينك النوم

رفعت حاجبها بثقة وقالت :- بقى كده !!!

هز رأسه مؤكدًا ببسمة ماكرة فقالت بغيظ :-

_ ماشي يا وجيه

قال بتعجب :- ايه ماشي يا وجيه دي ؟! بتفكري في ايه يعني ؟!

أجابت ببساطة وشيء من الدلال في صوتها :- مخصماك


قال بسخرية :- في حد يخاصم حد لسه جاي من السفر ؟!

أجابت دون اكتراث :- أنا

ابتسم ابتسامة واسعة رغما عنه وقال :- أنتِ روحي اللي وحشتني موت.

ابتسمت بالتدريج ونظرت له قائلة :-

_ لو فاكر أنك كده صالحتني يبقى عندك حق ..

اطلقت ضحكة خفيفة وشاركها في ذلك وهما يسيرون سويًا...


**********


بقصر الزيان.....

انعزلت حميدة بغرفتها.....معرفتها الحقيقة جعلتها روحها تتحرر من الخوف ولكن يبقى بالقلب شيء عالق بجراح لم تضمد....لم تستطع الذهاب معهم....لم تريد مقابلتها به عامة للجميع....بها شيء تريد قوله معه سرا...ظلت تطوف بالفكر حتى وجدته يفتح باب الغرفة....وهنا وكأن الوقت توقف.....

اعتدلت حميدة بفراشها ببطء....وقف يتأملها بشوق عصف عينيه ولكنه يريد سبيلا بها يدعوه لذلك....اقسى شيء عليه أن ترفض ذراعيه لضمها لذلك تمهل....

تقدم يوسف عدة خطوات إلى غرفته ليجدها جالسة على الفراش تبكِ بصمت...عينيها متورمة من عنف الدموع فدلف ببطء ومضى إليها حتى وقف أمامها بجسده الذي ظهر عليه الهزال جليـًا ونقص الوزن....قال بصوت يحمل من الألم ما اضعفه :-

_ كان نفسي أول ما أنزل من الطيارة ألاقيكِ مستنياني ، تجري عليا واخدك في حضني لحد ما اطمن واصدق أني رجعت !

تماسكت حميدة بعض الشيء واخفت دموعها وهي تنهض...ابتعدت خطوة دون إجابة بملامح جامدة حتى قبض على معصم يدها وقربها اليه بنظرة متوسلة.....بها ضعف ورجاء ابكى قلبها...تابع بألم :-

_ أنا عارف أني جرحتك

حاولت الابتعاد ولكنه شدد على يديها ورفض ابتعادها ...يكفي فراق وبُعد لوع قلبه لأيام....بعدما شارف على النهاية...قال بضعف وعينيه به عبرات مقيدة :-

_ انا محتاجلك يا حميدة....ربنا وحده اللي عالم اللي مريت بيه....محدش بينتظر موته...بس أنا كنت منتظره في أي لحظة..

هزت حميدة رأسها بمرارة واجهشت بالبكاء فقد علمت بخطة والدة نور أيضا فقالت :-

_ تقوم لما تختار حد جانبك يكون حد غير مراتك !! الأيام اللي أنت عيشتها أنا عيشت أسوأ منها !! من خوف ورعب عليك ، ومن وجعي وصدمتي بقرارك !! أول مرة أحس أني قليلة عندك للدرجة دي !

قال رافضا بألم :- عمرك ما كنتِ قليلة عندي ، بس ....

قاطعته ببكاء أقوى :-

_ مش عايزة أي مبررات ، أنت لسه في محنة وأنا مراتك ولسه بحبك...لسه على عهدي معاك ، لكن مش عارفة انسهالك !! معرفش هقدر اكمل كده ولا لأ !

ضيق عينيه بحزن ودهشة قائلا ببطء :- تكملي !! هو ده العهد اللي ما بينا ؟!

كانت تنظر للأسفل وتبك بعصبية حتى رفعت عينيها لتصيح به فصدمت...بدموعه

نظرت له بألم شديد فقد كانت دموعه أكبر اعتذار ممكن أن يتقدم به....ارتمت على صدره بضمة قوية دون كلمات....احاطها بذراعيه بكامل قوته وقال معتذرا وعينيه بها دموع لم تجفف :-

_ أنا أسف يا حبيبتي.....أنا غلطان ، عاقبيني واعملي اللي أنتِ عايزاه بس اوعي تفكري تبعدي ، أنتِ كل حاجة ليا...

قالت بشوق وعشق :-

_ وأنت أزاي فكرت للحظة أني هبعد عنك ! زعلي منك حاجة ،وأني ابعد دي حاجة تانية....

قبّل رأسها معتذرا عدة مرات حتى رضيت وابتسمت بين دموعها.....ابتسم لها قائلا :-

_ ميزة اللي حصلي أني عرفت قيمة كل حاجة كانت معايا واتحرمت منها لكام يوم.....أولهم أنتِ....وأخرهم أنتِ

*********************
إلي هنا ينتهي الفصل الثالث والستون من رواية إمبراطورية الرجال بقلم رحاب إبراهيم
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

يسعدنا تلقي اقتراحاتك أو تعليقك هنا

الاسمبريد إلكترونيرسالة