-->
U3F1ZWV6ZTMzNTg0ODE3NzI1X0FjdGl2YXRpb24zODA0Njk2NDgxODg=
recent
آخر القصص

رواية الطاووس الأبيض ج2 بقلم منال سالم - الفصل الثالث عشر

مرحباً بكم أصدقائي وأحبابي عاشقي القراءة وأجمل الروايات الممتعة والروايات الرومانسية مع رواية رومانسية جديدة للكاتبة المتألقة منال محمد سالم والتي سبق أن قدمنا لها العديد من الروايات والقصص الرائعة من قبل علي موقعنا قصص 26 وموعدنا اليوم مع الفصل الثالث عشر من رواية الطاووس الأبيض ج2 بقلم منال محمد سالم .

رواية الطاووس الأبيض ج2 بقلم منال سالم - الفصل الثالث عشر

إقرأ أيضا: حدوتة رومانسية 

رواية الطاووس الأبيض ج2 بقلم منال سالم

رواية الطاووس الأبيض ج2 بقلم منال سالم - الفصل الثالث عشر

 على الرغم من مغيب الشمس وحلول الظلام إلا أن هذا لم يمنعه من القيام بتلك الزيارة الاستثنائية لها، ليطرق على الحديد وهو ساخن. لم تتوقع "بثينة" رؤية ابن أختها واقفًا على أعتاب منزلها، بالطبع كان من البديهي أن تظن أنه قد جاء لتهديدها، وربما الانتقام منها لفضحه بوقاحة؛ لكنها كانت أقوى من الشعور بالضعف أو الندم، رمقته بنظرة مستخفة به، وسدت عليه المدخل متسائلة بفظاظةٍ:

-جاي ليه يا ابن "بدير"؟

رد عليها "تميم" بنوعٍ من العجرفة، وهو يجوب عليها من رأسها لأخمص قدميها بنظرة احتقارية صريحة:

-كويس إنك عارفة أنا ابن مين، وابن "بدير" لو ليه حق عند حرمة هياخده برضوه!

استشعرت التهديد من نبرته ونظراته، فاتخذت موقفًا هجوميًا، وقالت متعمدة التقليل من شأنه بأسلوب سافر:

-إنت جاي تهددني في بيتي؟ دي القوالب نامت والأنصاص قامت.

فــرد ذراعه ليستند على حافة الباب، وانتصب بكتفيه متطلعًا إليها بنظرة خالية من أي عطف، ثم استطرد يقول بصوتٍ أقرب للفحيح، تسلل إلى بدنها وأرعبها:

-التهديد دي للهفأ، أنا بأجيب حقي بإيدي، ومن كل واحد جاب في سيرتي بالغلط.

لن تنكر "بثينة" أنها شعرت بالخوف من طريقة تحديقه به، لم يظهر عليه المزاح، كان يقتلها بنظراتها، على الفور تبدلت تعبيراتها للحزن، وادعت النحيب، ثم قالت بصوتٍ متقطع:

-كل ده عشان بأحمي بنتي؟ بقى تهون عليك يا "تميم"؟ تضربها وعاوزني أسكت، حرام والله، طب واللي في بطنها؟ عاوزها تسقط؟ ده أنا أم، وبأحس بضنايا.

أطلق ضحكة عالية هازئة بها قبل أن يصمت فجأة ليقول ساخرًا منها:

-إيه الحنية دي كلها؟ بس تصدقي مش لايقة عليكي خالص!!

واصلت عويلها قائلة:

-الله يرحمك يا "غريب"، موت وسبتنا آ....

اخشوشنت نبرته على الأخير، واشتدت عروقه، حين قاطعها بغتةً:

-بلاش جو الصعبنيات ده لأحسن مابياكلش معايا، اللي مات مات خلاص، ولو عاوزة الحي يحصله فأنا جاهز!

عفويًا تلمست عنقها مرتعدة من فكرة إقدامه على زهق روحها، أوحت لها هيئته الغريبة أنه قادر على تنفيذ ذلك دون أن يجفل، سألته من تلقاء نفسها آملة ألا تكون هي المنشودة بتهديده الضمني:

-قصدك عليا؟ أهون عليك؟ عاوز تموتني يا "تميم"؟ ده أنا أمك التانية

رد مصححًا بوقاحة:

-أنا ماليش إلا أم واحدة..

ثم صمت للحظة قبل أن يكمل وصلة إرهابها:

-اللي يمسيني أخرته كفن ونعش، فاللي يجي في دماغك يا خالتي، إنتي، بنتك، ابنك .. مش فارق معايا، لا دم ولا نسب، ولا صلة رحم! أصل في كتير عاوزين الدبح، والناس ماهتصدق تترحم عليهم.

شحب وجهها بشكلٍ مخيف، خاصة مع إشهاره لمدية صغيرة أمام عينيها فجأة، انتفضت لاطمة على صدرها، وقد كتمت شهقة مذعورة/ وحبستها في جوفها. سلَّك "تميم" بطرف المدية المدبب أسنانه الجانبية، خاتمًا حديثه بما يشبه النصيحة:

-أحسنلك تصلحي الليلة بدل ما تردم في الآخر عليكي.

هزت رأسها بإيماءات متعاقبة تعبر عن قبولها، وبإبهامه أعاد النصل الحاد إلى جرابه.. كان على وشك الانصراف؛ لكنه تذكر جملة جده التي أوصــاه بترديدها على مسامعها قبل أن يرحل. راقب ردة فعلها عن كثب، فعَمِد لتنفيذ ذلك حرفيًا، وقال وهو يتجه للدرج:

-أه صحيح.. لسه بتشيلي الفلوس تحت البلاطة جمب سريرك؟ ولا غيرتي النظام؟

تلبكت وردت بذعرٍ:

-إنت.. بتتكلم عن إيه؟

اكتسب وجهه طابعًا غامضًا أصابها بمزيد من الخوف، تحدث من زاوية فمه يودعها مشيرًا بإصبعيه على جبهته:

-سلام يا خـالتي!

لم ينظر نحوها مستشعرًا حالة الذعر البادية على تقاسيمها، وهبط الدرجات مدندنًا بصافرة بطيئة لاستفزازها،غمره شعورًا عظيمًا بالارتياح افتقده لوقت كبير، حان وقت الثأر، ورد الاعتبار!

.........................................................................

عـــاد "تميم" إلى أرض الواقع متأملاً من حوله بنظرات عابرة، جالت عيناه على الأوجه المتزاحمة، والتي ملأت مدخل البناية تقريبًا. حرك رأسه للجانبين محاولاً الرؤية من بين تلك الرؤوس المتداخلة؛ كان يبحث عنها تحديدًا، ولمحها من على بعد فتأهب في وقفته نافضًا وراء ظهره غضبه الذي اندلع قبل قليل. رفعت "فيروزة" طرفي ثوبها حتى لا تتعثر في خطواتها خلال سيرها خلف توأمتها العروس، فالذيل الذي امتد لما بعد أطرافه شكل عائقًا مزعجًا لها، تابعتها بنظرات مسرورة لفرحتها الظاهرة عليها، لمسة جادة من يد "علا" على كتفها أجبرتها على الالتفاف والنظر نحوها، فاقترحت عليها رفيقتها؛ وكأنها تفرض الأمر عليها:

-تعالي عشان تركبي معانا.

سألتها "فيروزة" باندهاشٍ، غير متوقعة أن يبادر أي أمر آخر لذهنها:

-أركب فين؟

ردت ببساطة، وتلك الغبطة ظاهرة عليها:

-معايا أنا و"آسر".

على الفور تحولت أنظارها نحو السيارة المصطفة خلف سيارة العروس، لتجد ذلك السمج يقف عند مقدمتها، عاقدًا لذراعيه أمام صدره، أبعدت عينيها عنه، والتفتت تسألها باستغرابٍ مستنكر:

-هو مش رجله مكسورة؟ بيسوق إزاي أصلاً؟

ربما لم تنتبه لتعافيه، فأجابتها بمنطقية:

-ما هو فك الجبس من كام يوم، أنا كنت معاه، يالا بقى قبل ما يتحركوا.

ردت عليها معتذرة بوجه منقلب:

-مش هاينفع يا "لولو"، أنا وعدت "همسة" إني هاركب معاها.

وببديهية معروفة كما المعتاد سألتها "علا":

-ليه هي أخت العريس مش هتركب؟

نفت بزفيرٍ منزعج:

-لأ.. هي مش موجودة هنا أصلاً.

هزت رأسها معقبة عليها:

-تمام.. فهمت.. عمومًا احنا وراكو..

ثم احتضنتها دون مقدمات، وهنأتها بلطفٍ مرح:

-ومبروك يا قلبي

ربتت على ظهرها تجاملها:

-الله يبارك فيكي.

عضت "علا" على شفتها السفلى، وقد حانت منها نظرة سريعة نحو "آسر"، لتقول بعدها بتنهيدة هائمة:

-هابقى أقرصها في ركبتها .. مش بيقولوا كده برضوه؟

ابتسمت "فيروزة" وهي ترد:

-أيوه.. عشان تحصليها في جمعتها

خرج من جوفها تنهيدة أخرى راجية رددت خلالها بأمل كبير:

-يا ريت

......................................................

استقرت في المقعد الخلفي بعد ترتيب ثوبها، ليكفي المساحة الشاغرة المخصصة لها، وتلميحات "فيروزة" باتخاذ حذرها حتى لا يتجعد ترن في أذنيها، بالرغم من عدم تحديقها بها. بدا كل شيء مشوشًا، مربكًا، ومتداخلاً في عقلها. حاولت "همسة" السيطرة على كم الأفكار الحائرة التي تسبح في فضاءات خيالها، لكنها فشلت، ربكتها أقوى من قدرتها على إيقاف الصخب الدائر في رأسها .. كانت الليلة في بدايتها؛ لكن أغلب قواها مستنزفة، مرهقة، ومتوترة. انتفاضة خفيفة اعترت جسدها حين التصق بها "هيثم"، بدا الأخير متحمسًا للغاية، على عكسها، وبخجلٍ زائد أخفضت نظراتها سريعًا عندما مدحها بنظراتٍ نهمة، مليئة بالرغبة:

-زي القمر يا "هموسة".

تخضب وجهها بمزيدٍ من الحمرة الدافئة، فيكفيها ما ألقي على مسامعها من أمور مخجلة طوال الأيام الماضية من كل امرأة تمتلك خبرة لا مثيل لها، كنصائح جادة ومثالية للحصول على حياة زوجية مستقرة، تنعم فيها بالجانب الحسي والوجداني في العلاقات الحميمية مع زوجها، أحست بشرارات من الخجل الممتزج بالخوف وقد تبادر إلى ذهنها تلك التلميحات المتجاوزة –وربما البذيئة- عما يحدث في ليلة العرس تحديدًا بعد انصراف المدعوين. أتى صوتها مهتزًا وهي ترد عليه بعد برهة مدركة أنه لا يزال ينتظر ردها:

-شكرًا.

.........................................................

تجمدت في مكانها مترددة للحظاتٍ، لم تتوقع أن يقود "تميم" السيارة، خاصة بعد أنباء القطيعة التي أشيعت في الأيام الأخيرة بينه وبين ابن خالته؛ لكن على ما يبدو كانت الأمور عادية، ولا مجال للخلاف أو الخصومة، كلاهما يبدوان طبيعيان، وإلا لما كان الأول يقود السيارة له. تشجعت "فيروزة" ملقية وراء ظهرها كل ذلك اللغو، وجلست في مكانها الشاغر -مثلما وعدت توأمتها- عاقدة العزم على ألا تسمح له بالنقاش معها فيما يخص ذلك الحريق المشؤوم، ليبقى الماضي في مكانه دون نبشٍ. تحرجت حين وجدته يمد ذراعه فجأة نحو التابلوه، شعرت بتلك الخفقة الموترة تجتاحها، وكان كل ما فعله ضبط إحدى الألعاب المتحركة الموضوعة عليه حتى لا تسقط. سدد لها "تميم" نظرة غريبة نافذة من تلك المسافة القريبة، شعرت وكأنها تخترقها، وتعري أسرارها المخبأة.

عبست "فيروزة"، وانعقد حاجباها، ثم رمقته بنظرة منزعجة تنذره بعدم تكرار الأمر، ومع ذلك قابلها بابتسامة غامضة؛ وكأنه يظهر لها عدم انصياعه لأوامرها الصامتة. نفخت في سأم، وأشاحت بوجهها لتحدق في الطريق عبر نافذتها، وزع "تميم" نظراته بينها وبين العروسين قبل أن يتنحنح بخشونة لينطق بعدها موضحًا:

-احنا هنطلع على طريق الكورنيش، هنلف هناك شوية، ومنه هنرجع

علقت "فيروزة" بنزقٍ؛ وكأنها تفرض عليه المسألة كأمر واقع لا نقاش فيه:

-"علا" و"آسر" ورانا، أنا هاعرفهم رايحين فين عشان منتوهش من بعض

تحولت تعابيره للتجهم، وغامت نظراته لنطقها باسم هذا الكائن المتطفل مجردًا من أي ألقاب، رافعة الكُلفة بينهما، مما استفزه بشكلٍ لا يطاق. تنفس بعمقٍ ليثبط أي مشاعر ناقمة تتسرب إليه، وقال باقتضابٍ:

-طيب.

........................................................

لو لم يكن محترفًا في القيادة لظن من يركب إلى جواره أنه يتعمد ارتكاب حادث مروع مع السيارة التي تتبعه؛ وكأن هناك مطاردة بينهما، إلى أن تمكن من الإفلات منها ليفقدها وسط زحام السيارات بالطريق المختنق، التوى ثغر "تميم" بابتسامة منتشية لنجاحه في تضليل "آسر"، وواصل القيادة بتمهلٍ ممل لم تلاحظه سوى "فيروزة" المراقبة لحركة السيارة، سألته بعد أن أخفضت صوت المذياع الصاخب قليلاً:

-هو احنا رايحين فين كده؟ ده مش طريق البيت!

أجاب مبتسمًا ببرودٍ، وتلك النظرة المتسلية ظاهرة في عينيه:

-بناخد لفة يا أبلة.

ردت بلهجتها الجادة، لتتأكد من وضع حدود في العلاقة بينهما:

-مش عايزين نتأخر على المعازيم.

آمــال رأسه ناحيتها ليضمن التفافها نحوه، ثم قال بثقةٍ غامزًا لها بطرف عينه:

-طول ما إنتي معايا ماتقلقيش.

تجهمت تعبيراتها أكثر، وظهر الاستنكار على محياها لتعلن بذلك عن رفضها لأريحيته في الحديث معها. ربما ندم لتسرعه في إلقاء تلك الجملة العابرة، بتلك الطريقة الودية المتخلية عن أي تحفظٍ على مسامعها؛ وكأن القلب نطق عن العقل معبرًا عن اهتمامه الجاد بها. توقع أن توبخه، لكنها لم تعقب، كانت مشغولة بالتطلع لهاتفها المحمول، نظرة خاطفة مختلسة ألقاها عليها فلاحظ أنها تراسل أحدهم، وبشكٍ مبرر له أسبابه المنطقية ظن أنه الكائن اللزج المدعو بـ"آسر"، لذا بغيظٍ أدار المقود بحركة دائرية مباغتة، أجبرت السيارة على الانحراف عن الطريق، والالتفاف بشكلٍ قوي جعل الهاتف يرتد تلقائيًا من بين أناملها، وتميل بجسدها نحوه لترتطم بكتفه، وقبل أن تعنفه لرعونته، هتف "هيثم" من الخلف مبديًا حماسه:

-الله عليك، عاوزين خمسات وعشرات كده.

تراجعت "فيروزة" عن توبيخه متوهمة أنه ربما يكون اتفاقًا ضمنيًا بينهما، وهي لم تنتبه له. لقى "تميم" استحسانًا من ابن خالته، وكذلك تقبلاً من طاووسه القريب منه، مما جعله يكرر تلك الفعلة قائلاً بحماسٍ يفوقه:

-أي حاجة يا عريس!

في المقعد الخلفي، كان "هيثم" مستمتعًا بذراعه الملتف حول عروسه وتطويقها، وكأنه يمهد لها بقرب احتضانه الحميمي لجسدها، لكنها لم تكن واعية لذلك، حيث تلبكت من الحركات العنيفة للسيارة، وظنت أنها ستنقلب بهم إن لم يتخذ "تميم" حذره، شهقت صارخة لأكثر من مرة، لكن مال "هيثم" نحوها ليقول بمدحٍ:

-ما تخافيش يا عروسة، "تميم" أستاذ الحركات الخِطرة كلها.

ابتلعت "همسة" ريقها، وقالت برهبةٍ طفيفة، غير تلك المسيطرة عليها بسبب طبيعة اليوم:

-ربنا يستر.

هتفت " فيروزة" من الأمام بما يشبه التهكم، لتظهر مشاركتها في حوارهما:

-المهم نوصل حتة واحدة.

تعقد حاجبا "تميم" بشدة، ورمقها بنظرة لائمة لكونها شككت في قدراته القيادية، وقال بقليلٍ من العجرفة:

-احنا عفاريت الأسفلت يا .. أبلة!

رف على جانب شفتيها ابتسامة ساخرة وهي تغمغم باقتضاب:

-باين..

لم يكترث إن كانت تسخر منه أم تثني عليه، يكفيه أنها الآن تبتسم في حضوره، وعلى كلماته التلقائية.

.................................................................

كانت لتتقبل بإلقاء نفسها في الجحيم، لتحترق حية، وتأكلها ألسنة النيران، على أن ترى ما يحدث الآن نصب عينيها. برزت عينا "خلود" من محجريهما وقد رأت زوجها يترجل من السيارة ليدور حولها قاصدًا الجانب الآخر، وبتهذيبٍ يدل عن لباقةٍ لم تختبرها معه فتح الباب لعدوتها؛ "فيروزة". كانت الأخيرة جالسة في المقدمة إلى جواره، حيث من المفترض أن تكون "خلود" بديلتها، في رفقة زوجها. توهم خيالها الكثير من الأمور غير الحقيقة، معتقدة أنها كانت تحادثه بأريحية، تبتسم له بإغراءٍ بين الحين والآخر، وربما التصقت به عن عمدٍ لتؤثر به بأسلحتها الأنثوية الفتاكة؛ هكذا خُيل إليها!

تحفزت لتنقض عليها ناقضة كل العهود التي أبرمتها مع نفسها بالظهور أمام العامة بالزوجة المحبة لبيتها، الطيعة لزوجها، واللطيفة مع الغرباء، لتؤكد للجميع بأنها ضحية اضطهاده العنيف، حتى وعدها بعدم الاتصال مع والدتها خالفته؛ وكانت تفضي كالعادة بسرها لها، تستشيرها في كل صغيرة وكبيرة؛ تاركة إياها تتلصص على تفاصيل حياتها. لولا قبضة "بثينة" التي اشتدت على معصمها تستحثها على البقاء، لتحركت نحوهما متسببة في فضيحة كبيرة تُحطم به الهالة البريئة المرسومة حولها. همست لها أمها متسائلة من بين ابتساماتها المتكلفة، والتي توزعها على الحضور:

-رايحة فين يا بت؟

تخشب جسدها، وانتفضت دمائها المغلية في كامل عروقها لتعزز من رغبتها في الفتك بها، بصعوبة أدارت رأسها في اتجاه والدتها تسألها بصوتٍ محموم بغضبه:

-عاوزاني أقف اتفرج يامه على المسخرة دي؟

بهتت ابتسامتها، وحذرتها بلهجة شديدة، حين رأت في عينيها إصرارًا على التصرف برعونة:

-اثبتي، بلاش فضايح، الناس هتتفرج علينا، واحنا مصدقنا الليلة اللي فاتت اتلمت.

اختنق صوتها وهي ترد بنبرتها الساخطة:

-فضايح؟ ده إنتي لسه هتشوفي الفضايح اللي بجد؟ عاوزاني أحط الجزمة في بؤي وأرضى بواحدة زي دي ماتسواش نكلة تاخد مكاني؟ أنا مراته، مش هي! أنا المفروض اللي أبقى معاه مش هي!

ردت عليها "بثينة" بتبرمٍ، وتعبيراتها تحولت للعبوس:

-ما إنتي اللي صممتي تفضلي هنا.

قالت بأنفاس هادرة رغم خفوت نبرتها:

-مجاش في بالي إنه هيوصل "هيثم"، فكرت بعد اللي حصل بينهم مش هيروح معاه في حتة.

شردت نظرات أمها، وقالت بتوجسٍ حقيقي:

-محدش عارف جوزك بيفكر إزاي اليومين دول!!

واصلت "خلود" هجومها المتحفز على غريمتها، فلعنتها قائلة:

-وطبعًا بنت الـ(...) دي مصدقت تستفرض بيه، مالهاش كبير يلمها الـ (...)!

عللت أمها وجودها معه قائلة:

-أكيد جت صدفة.

استنكرت جملتها تلك، وانفجرت تزأر في وجهها، بالرغم من خفوت صوتها عمن حولها:

-مافيش حاجة صدفة يامه، البت دي سهونة ومش سهلة، دي خطافة رجالة.

نصحتها "بثينة" بهدوءٍ علها تصغي لها:

-سيبك منها دلوقتي، هنتعامل معها بعدين، إنتي روحي لجوزك، وإنتي بتضحكي في وشه، ماتحسسهوش إن في حاجة، ولا إنك غيرانة وآ...

قاطعتها محتجة بشدة على كلماتها الأخيرة، وتلك النظرة الاحتقارية تغلف عينيها:

-أنا أغير من السنكوحة دي؟ على إيه؟ دي ماتسواش جزمة في رجلي!

جارتها في ازدرائها المهين لها، وأضافت بنفس أسلوبها الناصح:

-كويس، اتعاملي معاها كده، واترمقعي على جوزك قصادها، خليها تفلفل وتطق منك.

نفخت قائلة بغلٍ، دون أن ترتد نظراتها عن "فيروزة":

-ماشي يامه.

أوصتها مكررة نصيحتها حتى لا تتصرف بهوجائية:

-بالراحة ومن غير عصبية

..................................................................

على ما يبدو كان من العسير عليها أن تخرج من السيارة، دون مساعدة خارجية، حاولت مرارًا وتكرارًا فتح بابها؛ لكنه لم يستجب لها. كسا وجهها تعبيرًا مدهوشًا، -وأيضًا خجلاً- حين ترجل "تميم" من السيارة يستأذنها بتهذيب غريب عليه:

-بعد إذنك يا أبلة .. استني شوية.

توقفت عن تحريك المقبض المتعثر، وتابعته بنظراتها الحائرة وهو يدور حول مقدمة السيارة، توقف بجوار بابها ليفتحه لها، ازدادت حرجًا من قيامه بتلك الخطوة، نظرًا لتعطل القفل الالكتروني. لم تحبذ أن يظن بها أحدهم السوء، أو أن يفسر الموقف بصورة خاطئة، منحته نظرة ناعمة ممتنة مع ابتسامة مجاملة قبل أن تشيح بوجهها في اتجاه توأمتها، لتساعدها في فرد ثوبها، وإعادة تنسيق أطرافه التي تجعدت. أرهفت السمع للصوت الأنثوي الحاد الذي أتى من خلفها مادحًا:

-ماشاء الله يا حبيبي، بتفكرني بليلة دخلتنا..

نظرت "فيروزة" من طرف عينها نحو "خلود"؛ تلك الفظة بشحمها ولحمها ظهرت على الساحة، وأدركت أنها كعادتها أتت للاستعراض أمامها، وكذلك التنمر على شخصها. حدث ما خمنته عن طباعها الاستفزازية، وتابعت قائلة بميوعة ثقيلة:

-وعقبال يا رب ما تزف عيالنا، ربنا يخليك ليا يا حبيبي، ويبعد عنك عين الحسود.

لم تأبه بها "فيروزة"، التجاهل أفضل ما يمكن فعله مع أمثالها، سمعتها تردد عاليًا:

-هاشوف العرسان، استناني مش هتأخر عليك يا سيد المعلمين.

وكالعادة لم تلقِ لسماجتها بالاً، بقيت واقفة إلى جوار توأمتها تدعمها معنويًا بابتساماتها الودودة وهمهماتها العادية. رأت "فيروزة" نظرات "خلود" المغلولة مثبتة عليها، وبصورة سافرة، حتى وهي تخاطب أخيها:

-مبروك يا "هيثم"، ربنا يتمملك على خير، وتكون فعلاً تستاهلك.

رد "هيثم" بسعادة واضحة عليه يمدح خطيبته –التي باتت على وشك أن تقترن به دون زيفٍ أو نفاق:

-يا ريت أنا اللي استاهلها، هو أنا أطول القمر ده يبقى جمبي؟

رفرفت "همسة" برمشيها في حرجٍ كبير، وحدهما أو أمام الحضور لا يكف عن التغزل بها. أشار "هيثم" لها بيده يحثها على التحرك، فبدأت بالسير، ومن ورائها "فيروزة" تكُلمها:

-بالراحة يا "همسة".

تبعتها على مهلٍ، لكن استوقفتها "خلود" بشدّها بغيظٍ من ذراعها، متعمدة غرز أظافرها الحادة في لحمها، ألقت عليها نظرة حانقة، وسألتها ببرود:

-إيه مافيش مبروك؟

أزاحت "فيروزة" يدها عنها، وقد شعرت بشراستها على جلدها، حدجتها بنظرة غائمة متحفزة وهي تسألها متجاهلة إحساسها الحالي بالألم:

-لمين بالظبط؟

استغربت من جمودها، وقالت بتهكمٍ سافر:

-أه صح، نسيت إنك أخت العروسة، مخدتش بالي منك، ولولا إنك واقفة جمبها مكونتش شوفتك أصلاً، ماهو المثل بيقول لبس البوصة تبقى عروسة.

كركرت "فيروزة" ضاحكة قبل أن ترد ببرودٍ استفزها سريعًا:

-دي البوصة مش أنا..

ثم ربتت على جانب ذراعها مكملة نصيحتها النارية لها:

-وابقي اكشفي نظر عشان تشوفيني حلو.. أصل السواد اللي في قلبك من ناحيتي طفحت على عينك.

تبعت جُملها بضحكة مستخفة بها أشعلت من غيظها، وزادتها كمدًا. تسمرت "خلود" للحظات في مكانها محاولة وأد مشاعرها الحاقدة عليها، حتى لا تبدو منهزمة أمامها. رسمت بسمتها السخيفة، واتجهت إلى زوجها الذي بادر متسائلاً بتهكم رافضًا تزييف مشاعر غير موجودة بينهما:

-لازمتها إيه الحركات القرعة دي؟

تأبطت ذراعه بشكل مبالغ فيه؛ كأنها تخشى هروبه، وتعلقت به كالعلقة تشده من كتفه، لتبدو أكثر التصاقًا به، قبل أن تجيبه:

-هو أنا قولت حاجة غلطت؟ ده أنا بأوجب مع العروسة وأختها!

قال بتحفزٍ:

-ماهو باين.

جذبته ليتحرك معها وهي تهتف:

-يالا يا حبيبي ده الزفة بدأت

استل ذراعها بقوة منها ليقول بنبرته الباردة، ونظراته نحوها خالية من الاهتمام:

-شوفيها لوحدك.. أنا رايح عند معلمين السوق.

جاهدت لتبدو مبتسمة أمام إحراجه العلني لها، وقالت بابتهاجٍ زائد حفظًا لماء وجهها:

-وماله يا حبيبي، ما إنت ابن الكبير ..................................... !!

*********************
إلي هنا ينتهي الفصل الثالث عشر من رواية الطاووس الأبيض ج2 بقلم منال سالم
تابعوا صفحتنا على الفيس بوك للمزيد من رواية غرام
أو أرسل لنا رسالة مباشرة عبر الماسنجر باسم القصة التي تريدها
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

يسعدنا تلقي اقتراحاتك أو تعليقك هنا

الاسمبريد إلكترونيرسالة