-->
U3F1ZWV6ZTMzNTg0ODE3NzI1X0FjdGl2YXRpb24zODA0Njk2NDgxODg=
recent
آخر القصص

رواية ولا فى الأحلام لدعاء عبدالرحمن ( الفصل الرابع عشر)

مرحباً بكم أصدقائي وأحبابي عاشقي القراءة والحكايات الخلابة في موقعنا قصص 26 مع الفصل الرابع عشر من  رواية ولا فى الأحلام لدعاء عبدالرحمن، هذه الرواية مليئة بالعديد من الأحداث الرومانسية والطريفة والعاطفية.
تابعونا لقراءة جميع أجزاء رواية ولا فى الأحلام لدعاء عبدالرحمن.

اقرأ أيضا 

رواية مع وقف التنفيذ لدعاء عبدالرحمن


الفصل الثالث عشر من رواية ولا فى الأحلام لدعاء عبدالرحمن
رواية ولا فى الأحلام لدعاء عبدالرحمن ( الفصل الرابع عشر )
رواية ولا فى الأحلام لدعاء عبدالرحمن ( الفصل الرابع عشر )


رواية ولا فى الأحلام لدعاء عبدالرحمن ( الفصل الرابع عشر )

أستيقظت "ياسمينا" صباحاً على صوت طرقات سريعة وقوية على باب المنزل فنهضت على الفور فزعة وهى تلملم شتات نفسها وقد شعرت بإنقباض شديد يغزو صدرها ويخترقه بقوة .. فتحت باب غرفتها وخرجت منها إلى الممر الصغير الذى يحتضن غرف النوم فى خصوصية تامة
فاصدمت بـ "أم عصام " وهى تخرج من غرفتها فى سرعة وقد شحب وجهها وتُتمتم :
- يارب استر
هرولت إلى الباب وما أن فتحته حتى أندفعت "سارة" للداخل وهى تهتف بأنفعال:
- أيه يا جماعه مبتردوش على التليفون ليه و"عصام" كلمكوا ولا لسه ؟
قالت عبارتها وهى تتجه إلى التلفاز لتفتحه و"أم عصام " تنظر لها بدهشة وتتابع حركاتها العصبية قائلة:
- فى ايه يا "سارة"
ضغطت "سارة" أحد أزرار جهاز التحكم عن بُعد الخاص بالتلفاز وهى تقول بتوتر شديد:
- معقوله متعرفوش ! بيضربوا نار على المعتصمين عند الحرس الجمهورى من الفجر
وضعت "أم عصام" يدها على صدرها بألم وهى تشعر بأعتصار شديد بداخله بينما شهقت "ياسمينا" واضعة كفيها على فمها بخوف شديد وهى تشاهد التلفاز وما يدور به من مشاهد القتلى والمصابين والجرحى

لم تنتظر" أم عصام" كثيراً شقت الصمت بخطواتها الخائفة المرتعده وهى تسرع إلى غرفة نومها موجهة حديثها لـ"ياسمينا" قائلة:
- أدخلى ألبسى بسرعة لازم نروحلهم
حاولت "سارة" أن تستوقفها قائلة:
- هتروحى فين بس يا طنط .. خاليكى أنتى وأنا هروح وهبقى أطمنك
أنهت عبارتها وهى تزفر بقوة فلم تجد من يستمع لها .. دلفت كل منهما إلى غرفتها لتبديل ثيابهما على الفور وتركتا "سارة" تتابع ما يحدث بعينين دامعتين وقلق وتوتر وهى تضغط أزرار هاتفها فى محاولة أخيرة للتواصل مع "عصام" ولكن مازال الهاتف كما هو " مُغلق" .. أعادت الهاتف إلى حقيبتها بأصابع مرتعشةً وهى تحاول أن تبث الطمأنينة إلى قلبها مُتمتةً:
- خير .. خير إن شاء الله خير مفيش
بعد وقت طويل ومعاناة فى الطريق المؤدى إلى اقرب نقطة إلى نادى الحرس الجمهورى وصل ثلاثتهن إلى هناك . لم تكن الصورة بحاجه إلى تفسير .. الدماء فى كل مكان وحاله من الهرج والمرج تسود المكان .. حاولت "سارة " البحث عن "عصام " ولكنها لم تجده ولم تجد من يدلها عليه وكلما طالت مدة البحث كلما هربت الدموع من عينيها رغماً عنها وكلما أنقبض قلب والدته أكثر وأكثر وتجمدت الدموع فى عينيى "ياسمينا" وهى تحاول إختراق أجساد البشر أمامها باحثة بينهم عن "جاسر" .. صديقها اللدود وعدوها الحميم !!
لم يدم بحثها كثيراً فلقد اصطدمت بوجه عينيها فاشارت إليه وهى تهتف باسمه .. وقفت " أم عصام" تنظر إليه وهو مقبل نحوهن ببطء يُقدم ساق ويُؤخر الأخرى مُطرقاً برأسه إلى الأسفل وقد تلوثت ثيابه بالدماء .. لم يكن الأمر يحتاج إلى السؤال كادت أن تسأله عن "عصام" ولكن لسانها عجز عن التحرك لقد كانت عيني "جاسر" تجيب عن السؤال المرير .. مد يده ليخلع الكاميرا المعلقة برقبته ثم مد كفه بها إلى والدته وهو يهرب بعينيه من نظراتها المتجمدة الشاخصة وهو يقول بحزن عميق :
- "عصام" عاش بطل ومات بطل
************************************
هل من كلمات تستطيع أن تُسعفنا فى وصف دموع أم فقدت ولدها .. كانت ستزفه بعد اشهر قليلة إلى عروسة والان تزفة إلى القبر وبيد من ؟ .. بيد جندِ من جنود وطنه برصاص بلاده وهو واقف على أرضها يؤدى عمله وينقل الحقيقة لشعبها عن طريق كاميرته !!
لم تكن دموع بل كادت أن تكون دماء تعتصر القلوب وتمتزج بأوردتها لتصرخ فى كل نبضة وتلعن السفاح .. لم تستمع إلى شهيق خطيبته ولم تكد تراها وهى تكاد تفقد وعيها كل ما كانت تراه هو "عصام" رأته هو يحتضن أخته التى سبقته بالشهادة منذ سنتين ثم ينظرا إليها ويبتسما ويرسلا إليها القبلات .. عادت إلى منزلها ودلفت إلى غرفته تتلمس فراشة وتستنشق رائحته التى مازالت تعبق فى المكان ..
أخرجت هاتفه الشخصى وظلت تتحسسه وتقبله ثم تذكرت الأنشودة التى أسمعها اياها قبل أن يُقتل بيوم واحد وطلب منها أن تستمع إليها فى حالة استشهادة .. ضغطت الازرار ونامت على فراشه وهى تحتضن هاتفه وتستمع إليها وتبكى فى صمت بكاء يشق صمت الجدران البارده ليبحث عن ساكن الغرفه فلا يجد سوى ذكرياته وضحكاته وسجادة صلاته ومصحفه وصوت الانشودة يدوى بها
***********************************
لم تكن "سارة " باقل حالا من والدته فلقد فقدت حبيبها هى الآخرى .. لازمت فراشها لأيام لا يربط بينها وبين الواقع سوى جسدها المسجى فى السرير .. لا تستطيع النوم فكلما أغمضت عينيها التى زبلت بعد أن جف دمعها رأته يبتسم ويمد له يده ويحثها على النهوض ويعاتبها عتاب المحبين وهى تسمع كلماته تدوى بداخلها " لو مُت يا سارة لازم تكملى إوعى الحزن يوقفك لحظة بلدنا تستاهل حريتنا تستاهل فى سبيل الله كله يهون "
****************************************
لامست "ياسمينا" ذراع "أم عصام" بخفة وهدوء وهى نائمة وهمست فى اذنها بحنان وشفقة:
- أمى هل أنتِ بخير ؟
فتحت "أم عصام " عينيها ببطء ولا تكاد ترى من بين دموعها وقالت بإنهاك:
- الحمد لله
مسحت "ياسمينا " على راسها وهى تقول بهدوء:
- "سارة" فى الخارج تريد أن تراكِ
دب بعض النشاط فى جسدها وابتسمت بمرارة وهى تجيبها:
- "سارة " ... وحشتنى أوى
قالت كلمتها وهى تنهض معتمدة على ذراعى "ياسمينا" وإتكأت على كتفها وهى تخرج من غرفتها .. وقع نظرها على "سارة " وهى ترتدى الأسود وتنظر إليها وتبتسم بعينين متورمتين من البكاء وما أن رأتها حتى أسرعت إليها وأحتضنتها بقوة وهى تقبل راسها وكتفها وتقول معتذرة:
- آسفه أنى سبتك وأتخليت عنك وأنتى محتجانى بس غصب عنى أنا لسه قايمه من السرير النهارده
أبتسمت "أم عصام" ابتسامة شاحبة وهى تمسك بوجه "سارة" بين كفيها وتقول بعينين دامعتين :
- عذراكى يا بنتى بس ابقى خالينى اشوفك .. لما بشوفك بحس أنى شايفه "عصام" واقف قدامى
ذرفت "ياسمينا" الدموع وهى تشاهد ما يحدث ونظرت إلى "جاسر" الذى كان يدفن وجهه بين كفيه غارقاً فى أحزانه .. فلم تفارق صورة"عصام" عينيه طيلة الايام الماضيه وهو مدرج فى دمائه وثيابة مخضبةً بدمه الذى أُهدر بأعصاب باردة وضمير متجمد ورحمة معدومة .. نظرت "أم عصام" إلى الحقيبة المتوسطة التى تضعها "سارة" بجوار باب الشقة وألتفتت إليها متسائلة:
- شنطة ايه دى يا "سارة" ؟.. أنتى مسافرة ؟
ابتسمت "سارة " ابتسامة حزينة شارده وهى تجيب:
- لاء .. أنا هكمل اللى بدأناه أنا و"عصام" .. أنا رايحة رابعة
أمسكتها "أم عصام" من كتفيها وكادت أن تثنيها ولكنها لم تستطع .. قرأت "سارة" القلق البادى على وجهها فإحتضنتها بحنان وهى تقول:
- متخافيش عليا المهم خلى بالك من نفسك
رفعت "أم عصام" راسها وظلت تحدق فى وجه "سارة " للحظات جعلتها تشعر بالقلق عليها وتقول بهدوء وهى تتلمس كتفها:
- مالك يا طنط فى ايه
شعر الجميع فى هذه اللحظه أن "أم عصام" دبت بها الحياة من جديد واستقام ظهرها بعزة وأطلت نظرات التحدى من عينيها وكأنها أمرأة مقبلة على الأخذ بالثأر من الذى قتل ولدها وتكلمت فى رصانه وصرامة لا تحتمل النقاش:
- استنينى ..أنا جايه معاكى
وقف الجميع يحدق بها وهى تتجه لغرفتها ثم إلتفتوا إلى بعضهم البعض فى تساءل ودهشة بينما نظرت إليها "ياسمينا" وقالت بتردد :
- "سارة" ألستِ خائفة ؟
أبتسمت "سارة" وهى تقول بحزن يكسوه الاصرار:
- مبقاش فى حاجه أخاف عليها يا "ياسمينا" .. هما فاكرين لما يقتلوا الناس اللى بنحبهم هنخاف ونقعد فى بيوتنا لكن بالعكس .. كل ما يقتلوا شهيد بتخرج عيلته كلها بعد كده علشان ترجع حقه .. الاول كان بينا وبينهم حريتنا وبس دلوقتى بقى بينا وبينهم دمنا اللى ملطخ ايديهم !
تلاقت نظرات "جاسر" و"ياسمينا" وكأنهما يتحدثان بدون حروف ويتناقشان ثم يتخذان القرار الصحيح .. إتجه كل منهما إلى غرفته ليجمع ثيابه وفى كل منهما عزماً على مواصلة الطريق بجوار "سارة" و"أم عصام" ومن بالميدان ..
وأُغلق باب المنزل بعد خروجهم منه وقد اصبح خاوياً من ساكنيه تكاد تبكى جدرانه عليهم وهى تودعهم فلقد حان أوان الرحيل .. بعد أن كان المنزل عامراً بالضحكات يفتح ذراعيه للحياة والأمل ويتزين للزفاف القريب أصبح خاوياً على عرشه معروفاً بمنزل الشهداء !
******************************************
ميدان رابعة .. لا تتجه إليه الأجساد وفقط وأنما تتجه إليه العقول والقلوب فهل ياتى عليه يوماً وتنتمى إليه الأرواح ايضا؟! ... من لم تسرى قشعريرة بجسده عند دخوله ورؤية العباد والصائمين ؟ من لم يشعر بالدفء والتقارب رغم إفتراش الأرصفة فيه ؟! من لم تعلو همته فى العباده والاستمرار وهو يرى الركع السجود مواصلين ؟1 ..
إزدادت عينيه تألقاً بالأمل بعد أن كان يشعر بالأحباط .. ليس هو وحده بل هكذا ايضا تسلل ذاك الشعور إلى قلوب من معه "أم عصام " و"ياسمينا" و"سارة" التى مالت على أذن "ياسمينا" قائلة:
- النساء هاتفتش شنطتك .. عادى متقلقيش ده إجراء طبيعى للأمان بس
عبر "جاسر" بعد أن تم تفتيشه من قبل الرجال وهم يمزحون معه ويضاحكونه بينما وجدت كل من "ياسمينا "وأم عصام" فتيات صغيرات لا يتجاوزن الثامنة عشر يستقبلهن بإبتسامة ووردة بيضاء لكل منهما .. لم تكن تلك المراحل غريبة على "سارة" فهى تدخل وتخرج لتواصل عملها الصحفى دائما وكذلك "أم عصام" التى كان يحكى لها ولدها رحمه الله عن مراحل الدخول للأعتصام .. "ياسمينا" و"جاسر" فقط هما من كانا ينظران إلى كل ما حولهما بعينين مندهشتين فلم يكونا يتصورا قط أن يحدث تجمع لكل تلك الأعداد من البشر لا يمتلكون من الامكانيات الا القليل النادر ورغم ذلك تعلو شفاهم البسمات وتنطق أعينهم بالأمل فى الله ..
أجرت "سارة" أتصالا هاتفياً بأحد زملائها الصحفيين وصديق من اصدقاء "عصام" رحمه الله فأخبرها أنه قادم من بعيد ويراهم .. توقف "سارة" وهى تقول لـ"جاسر" :
- زميلنا جاى علشان تروح معاهم يا "جاسر" يعرفك على الشباب وهتفضل معاهم وأحنا بقى هنروح عند النساء ولو عوزت توصلنا تكلمنا فى التليفون
ألتفتت إليه "ياسمينا" بقلق فقالت لها "سارة "على الفور:
- متقلقيش هيفضل معانا فى الميدان هنا بس مش هينفع نقعد مع بعض هنا فى خيم للستات وخيم للرجاله ولو إحتاجتيه ممكن تكلميه فى أى وقت
ربتت "أم عصام" على كتف "ياسمينا" تطمئنها بينما أقبل صديق "عصام" ووقف يرحب بهم بشدة ثم قال موجهاً حديثه لـ"سارة"
- متقلقيش يا أستاذة .. "جاسر" فى عنينا
إنصرف "جاسر" بصحبته إلى مخيمات الرجال بينما إنطلقت بهما "سارة" إلى مخيمات النساء
الإبتسامه والاستقبال الحار من النساء جعل "ياسمينا" تبتسم وتترك قلقها جانباً وتندمج معهن ..
لم يكن من الصعب الأنتباه إلى لهجة "ياسمينا" والسؤال عنها .. حاولت "سارة" المراوغه فى الأجابة حتى لا تكذب وجعلتهن يعتقدن أنها غير مصرية ..
تطوع "جاسر" ليقف بين صفوف لجان التأمين على بوابات الميدان ليلاً وعند أول لحظة له عند مداخل التأمين فكر بطريقة القائد العسكرى كما كان فى عالمه وأول ما بحث عنه هو سلاح التأمين فإلتفت إلى قائد اللجنة وقال متسائلا :
- أومال فين السلاح اللى هنشيله فى التأمين
أبتسم قائد المجموعه وهو يناوله عصاه طويلة كانت فى يده :
- استلم سلاحك يا مجند
قال عبارته وإنصرف يتابع عمله مما جعل "جاسر" يشعر بغرابة الأمر ويسأل عن الأمر بجديه زميله فى اللجنة .. فإتجه إليه وقد كان يجلس على مقربة منه يقرا القرآن

وسأله بدون مقدمات :
- فين سلاح تأمين المداخل
رفع الشاب راسه وقد أنهى قراءته وقرأ علامات التعجب والصدمة فى وجه "جاسر" وهو ينظر إلى العصى بدهشة كبيرة فنهض وأخذ بيد "جاسر" وهو يلوح لصديق له بأنهما سيتغيبان خمسة دقائق وسار بجوار "جاسر" وهو يهمس فى اذنه :
- وطى صوتك هتفضحنا كده .. عاوزنا نشيل السلاح عينى عينك ولا أيه
شعر "جاسر" بالارتياح وقال هامساً:
- لازم طيب أتدرب عليه كده مش هينفع
أومأ الشاب برأسه موافقاً وهو يقول:
- هتدرب طبعا أومال أيه !..
تساءل "جاسر" بحذر وتركيز:
- نوعية السلاح ايه
ثم تابع بتردد :
- اصل أنا كويس أوى فى الرماية
أبتسم الشاب ثم قال بجدية :
- بص يا سيدى عندنا طبنجات و رشاشات وبنادق آلى على كام صاروخ موجه بعيد المدى
ثم أخفض صوته أكثر وهو يقول بحذر:
- وجايلنا بعد كام يوم تشكيلة كلاشينكوف أنما أيه بسم الله ماشاء الله 12 لون ابقى أختار اللى يعجبك
هز "جاسر" راسه برضا رغم أنه يجهل مجموعة الاسماء التى استمعها من الشاب وسار بجواره وهو يفكر كيف واين يتم التدريب على تلك الأسحله فى منطقة مأهوله بالسكان ومزدحمة وبها أطفال ونساء بهذا الشكل بالاضافة إلى عدسات الكاميرات التى تصورهم ليل نهار وتتجول بينهم بأريحية تامة
قطع تفكيره صوت الشاب وهو يشير إلى أسفل المنصة ويتجه إليها فأتبعه "جاسر" وهو يتلفت حوله بحذر وزادت حيرته عندما وجد الناس تنظر إليهما وهما يتجهان إلى حيث مخزن السلاح هكذا ببساطه دون أعتراض من أحد أو حتى نظرة شك واحدة ..
دلف "جاسر" خلف الشاب على الفور أسفل المنصة ثم عقد حاجبيه وهو يجول ببصره فى المكان الخاوى إلا من أسلاك الميكرفونات وطفايات الحريق وبعض الأخشاب المتناثرة وفى أحد الاركان القريبة صندوق خشبى مفرغ موضوع فوقه بعض المصاحف
وضع الشاب يده على كتف "جاسر" وهو يقول متفهماً:
- أنا عارف أنك ممكن تكون صدقت الاعلام واللى بيقولوه علينا وكنت عاوز تتأكد بنفسك والغريب يا أخى أن نفس الاعلام ده هو هو اللى كان بيقول على ثواره 25 نفس الكلام "سلاح , حماس ,سوريين , فلسطنين ,أجندات أجنبيه , كنتاكى , بنات وشباب وعلاقات جنسيه كامله " !
وبرضه الناس لسه بتصدقهم !!! .. علشان كده جبتك هنا علشان تشوف بعينك وتتأكد ان ده هو سلاحنا الوحيد
قال كلمته الأخيره وهو يشير إلى صندوق المصاحف ثم تابع:
- والصندوق ده شايلينه هنا علشان يبقى فى أمان ومكانه معروف لينا كلنا

أنهى كلماته وأنصرف على الفور وهو يشير لـ"جاسر" بأن يتبعه إلى مدخل تأمين الأعتصام حتى لا يتأخروا أكثر من هذا على عملهم هناك .. تبعه "جاسر" والمشاعر المختلطه تختلط بقلبه وعقله إلا أنه لم يستطع أن يمنع نفسه من الشعور بالأعجاب بهؤلاء البشر الذين يمتلكون طريقة مختلفة غير التى كان يمتلكها فى عالمه لاستعادة الحقوق المسلوبه

لاحظ أنه عندما تقترب الشمس من المغيب يبدء العمل الدؤوب فى توزيع التمر والماء بين المعتصمين يتلوها صلاة المغرب ثم يأتى إليه الشباب وكل منهم يحمل سندوتش من الجبن فى يد واليد الأخرى ثمرة خيار .. ابتسم "جاسر" وهو ينظر إلى الشاب عن يمينه فقال الشاب على الفور ضاحكا :
- ده بقى الكباب والكفته اللى بيقولوا عليه
ثم تابع مازحاً :
- علشان أعدادنا هنا كبيرة أوى بناكل جبنه وخيار فى النهضه بقى أعدادهم اقل مننا علشان كده بياكلوا كشرى
ثم عض شفتيه بمزاح وهو يستطرد :
- بحقد عليهم
ضحك "جاسر" وهو يتناول قطعة خبز من أحد الشباب عن يساره ووقف ينظر أمامه فى تفكير وشرود وهو يتذكر عالمه ومدى التطابق الذى حدث بين العالمين ولكن هناك أختلاف واحد قد يتمنى أن يعود لعالمه من أجله !!
**********************************
إلتفتت "سارة " بابتسامة كبيرة عندما استمعت إلى نداء طفولى بصوت صغير ورقيق وصغير لتجد طفلة تجرى نحوها مسرعة وتنادى باسمها ألتقطتها "سارة" بذراعيها وحملتها وهى تدور بها بحب كبير قائلة:
- سلمى حبيبتى وحشتينى أوى أوى
تصنعت "سلمى " الحزن وهى تلوى شفتها السفلى قائلة بعتاب:
- زعلانه منك يا سوسو .. كل يوم آجى أسأل عليكى يقولوا لسه مش جيتى
إحتضنتها "سارة" وقالت بأعتذار:
- آسفه يا "سلمى " يا حبيبتى والله كنت تعبانه أوى
قاطعتهم "أم عصام" بابتسامة وهى تُقبل عليهما فقالت "سارة " :
- دى "سلمى" يا طنط عندها 8 سنين أتصاحبت عليها هنا فى الأعتصام ومن ساعتها مبنسبش بعض
حملتها "أم عصام" وأحتضنتها مرحبة بها بحنان :
- ماشاء الله يا "سلمى " أنتى زى القمر يا حبيبتى
ابتسمت "سلمى " بخجل ثم ضحكت وقالت :
- شكرا يا طنط بس نزلينى بقى عاوزه اروح ألعب مع صحابتى
أنزلتها "أم عصام " بهدوء وهى تقول :
- لمضه أوى
أنحنت "سارة" على اذن "سلمى" روحى ألعبى يا ستى بس متنسيش تجيلى بعد كده علشان نراجع جزء عم مع بعض ماشى ؟
أومأت "سلمى " برأسها وهمست فى اذن "ساره" كمن يبوح بسر حربى :
- ماما قالتلى فى العيد هيجيبوا هنا مراجيح وحاجات حلوه كتير !
عقد "ساره" حاجبيها بمرح وهى تقول بصوت منخفض :
- وسمعت كمان أننا هنعمل كحك العيد
صفقت "سلمى "بكفيها بسعادة وهى تقفز وما أن سمعت نداء صديقاتها خارج الخيمة حتى هرولت إليهن على الفور وهى تهتف :
- هنتمرجح وناكل كحك بسكر ونلعب بالبلالين
تعالت ضحكات الصغيرات بسعادة يتبعها تصفيق حار وهتاف وكل منهن تحمل دميتها الخاصة و يسرعن بها إلى جوار المنصه .. تنتظر كل منهن دورها للصعود إليها والهتاف بكل حماس وبراءة
******************************************
مضت أيام رمضان وكلما مضى يوماً يقترب ابطالنا أكثر وأكثر من عالمنا وتنشأ بينهم وبين من يحيطون بهم من معتصمين علاقة حب ومودة وصداقة وتقارب روحى .. وكم كان مشهد الصلاة وتراص الاقدام بخشوع هو أكثر ما يؤثر بهما ويتعجبن من اليقين الذى يغلف قلوبهم برغم صعوبة ما يلاقون من شائعات تبصقها القنوات ليل نهار فى وجه واذن من يصدقهم ويبدؤن فى نشرها بين الناس بوسائل مختلفة ..
"جربانين , سوريات , 50 جنيه فى اليوم , جهاد النكاح " !!
*********************************
وفى فجر يوم 18 رمضان فوجىء الجميع بمذبحة أخرى
" مذبحة المنصة" مجزرة التفويض !!

وبدء توافد المصابين والشهداء على المستشفى الميدانى فى ميدان رابعه فى حالة من الذهول التى جعلت الجميع يتسائل لماذا ؟ لماذا قتلوهم ؟ لانهم ارادوا الإعتصام هناك فقط ؟ تساءلوا كثيرا وبكوا كثيرا على خيرة شبابهم الذين أُغتيلوا بيد الغدر .. وهم لا يعلمون ماذا ينتظرهم فى الغد القريب !!
**********************************
النسيان .. نعمة كبيرة من الله سبحانه وتعالى لولاها لعشنا ايامنا نجتر أحزاننا وما جفت عبراتنا وما توقف دمعنا ابدا .. أما هؤلاء لم يتسنى لهم أن النسيان ربما لتوالى المذابح والمجازر واحدة تلو الأخرى ولكن الأطفال بصحبتهم لا ذنب لهم ولا جريرة لذلك قرروا تأجيل الحزن قليلا من أجل صغارهم .. صغارهم الذين سيبتسمون ويمرحون من أجلهم وسيبقون ايضا فى هذا المكان من أجلهم .. من أجل مستقبلهم وكرامتهم وحريتهم التى نُزعت منهم عنوة ولن يرحلوا إلا باستردادها أو يموتوا .. وشعارهم لا يوجد إختيار ثالث ابدا إما أن نحيا هنا كراما أو نحيا عند ربنا كراما


مضت الايام كل يوم يكبر الحلم أكثر وتأتى الوفود بكثرة منهم من اراد مجاورة أخوانه فى الصف والثبات معهم وشد أزرهم ومنهم من كان لازال بداخله رواسب وشكوك وجاء ليتأكد بنفسه وبأم عينه و هلت نسائم العيد بالبهجة والفرح تحمل الكثير وتذهب بالكثير وتحول الميدان إلى أحتفاليه كبيرة وفرضت بهجة العيد سيطرتها على الجميع صغاراً وكباراً وكيف لا وهم من أجتهدوا فى العبادة فى رمضانهم وأتموه برباطهم هذا الذى ستتذكره الأجيال جيلاً بعد جيل وسيُدهشون من صمود ابائهم وأمهاتهم وأجدادهم المنقطع النظير ..
بعد صلاة العيد عانقت "سارة" والدة "عصام" وهى تقول بابتسامة:
- كل عيد وأنتى طيبه يا طنط
ابتسمت "أم عصام" بحزن ورغماً عنها أنفلت الدمع من عينيها ليشق مساره الطبيعى إلى وجنتيها شقاً وقلبها يعتصر من الحزن على ولدها ولكنها كفكت دمعها فى سرعة وهى تقول تقول بصوت باكى:
- المفروض كان فرحكم بعد كام يوم يا بنتى
ترقرق الدمع فى عينيى "سارة" وأحتضنتها وهى تقول بثقة لا تعلم من اين أتتها :
- ماهو فرحنا هيبقى بعد كام يوم برضه يا طنط
ربتت "أم عصام" على كتفها وهى تقول بحزن:
- بعد الشر عليكى يابنتى
نظرت "سارة" فى عينيها بعمق وقالت بابتسامة ملائكيه:
- ده مش شر يا طنط مين فينا ميتمناش أنه يموت شهيد .. هو انا أطول !

كست البالونات سماء الميدان منها المعلق على الأعمدة ومنها الموزعة على الأطفال واقام بعض القادرين مكان مخصص لألعاب الأطفال

ولم يستطع الشباب من منع نفسهم من المرح قليلا واللعب باسحلة بلاستيكية بشكل يوضح سخريتهم من الأشاعات التى يطلقها الأعلام عليهم

مضى اليوم الأول من ايام العيد وتسحر المعتصمين قبل الفجر لبداية صيام الست من شوال بداية من اليوم الثانى للعيد مباشرة وفى كل يوم يأتى الناس إليهم للأحتفال بالعيد معهم سواء من القاهره أو من محافظات أخرى حتى أنتهت ايام العيد الثلاث الساهرة المبهجة
وقبل فجر الرابع عشر من أغسطس صلى الجمية صلاة القيام ثم تناولوا وجبة السحور قبل اذان الفجر بقليل وبعد صلاة الفجر ترك "جاسر" نوبة التأمين وتوجه للنوم للاستراحة قليلا فلقد ظل واقف طوال الليل للحراسة على قدميه وبعد أن استسلم للنوم بسويعات قليلة أستيقظ فزعاً على صوت ضرب النار والغاز والصراخ والهتاف ..
نهض مسرعاً كمن رأى ثعبان بجواره وهرول إلى الخارج ليرى سحابة الدخان الناتجة عن القنابل والحرائق وسمع من حوله يهتفون "بيفضوا الأعتصام خالوا بالكوا فى قناصه فوق المبانى "
فوجد نفسه يجرى باقصى سرعته متجهاً إلى مخيمات النساء وعقله يدق ناقوس الخطر وصورة "ياسمينا" لا تفارقه وهو يبحث بين النساء عنها حتى وجد "أم عصام " تضع الكمامة على أنفها وفمها وتسعل بقوة فأتجه إليها وهتف بها :
- فين "ياسمينا"
قالت بصوت مبحوح :
- راحت مع "سارة" قبل الضرب عند البوابات ألحقهم يابنى
أتسعت عيناه فزعاً وأخذ يسعل بقوة وهو يشق الأرض شقاً بأتجاه البوابات وكلما اقترب كلما أزادا صوت طلقات الرصاص والخرطوش والبعض يتساقط من حوله اما جريحا واما شهيداً وما أن اقترب أكثر حتى تعثرت قدماه فى جثة شاب قد فارقته الحياه على اثر رصاصه فى قلبه مباشرة نظر فى وجهه وصرخ باسمه فلقد كان هو نفسه الشاب الذى أخذه اسفل المنصه من قبل ليريه كذب ما يروج له فى الأعلام هطلت الدموع من عينيه كالمطر وهو ينظر إلى ابتسامته التى علت وجهه وثغره فأغمض عينيه ونهض يبحث عن "ياسمينا" وسارة" مرة أخرى وهو يكاد لا يرى من اثر الدخان والدموع ..
ظل يدور فى المكان كالمجنون حتى استمع إلى صرخاتها من مكان قريب .. جن جنونه وهو يحاول الوصول إليها كاليث المقيد بالسلاسل وما أن اقترب من صوت صراخها حتى استطاع أن يراها وهى تجثو على ركبتيها أمام جثتين وتصرخ بأسمهما :
- "سااااااارة" ... "سلمى ااااااا "
وتبكى بغزارة وحرقة أقترب منها وجذبها من ذراعها وهو ينظر إلى الجثتين .. أغمض عينيه بمرارة وحزن وفتحهما مرة أخرى ليتأكد مما رأى .. لقد كانت "سارة" مخضبة بدمائها ووتعلو شفتيها ابتسامة ملائكية وتنظر للأعلى وكأنها ترى شىء يسعدها فى السُحب وهى تحتضن طفلة صغيرة لم يستطع تبين ملامحها فلقد غمرت الدماء وجهها ورغم أنها فارقت الحياة إلا أنها لم تترك دميتها من يدها وظلت قابضة عليها وكأنها تصر على اصطحابها معها أيضا إلى السماء كما اصطحبتها معها فى الدنيا .. لم تستطع "ياسمينا " الحراك وظلت تصرخ لا تريد فراق "سارة وسلمى" تريد أن تموت بجوارهما فلم يعد هناك فرق كبير فى نظرها بين الحياة والموت بعد كمية الدماء التى رأتها تسبح على الارصفة فى تلك الفترة القصيرة التى عاشتها فى تلك البلد التى تُقبِل ابنائها برصاص حي..

بدأت "ياسمينا" تشعر بالأختناق وصعوبة فى التنفس وهى تستنشق كمية كبيرة من رائحة الدخان المتصاعد والذى غطى سماء الميدان بموجبة ضبابيه ولم تستطع قدماها أن تحملها أكثر من هذا وبدأت تسقط بين يديه وهى تظن بل توقن أنها المرة الأخيرة التى ستراه فيها ... حملها بلوعة وهو لا يدرى اين يذهب بها .. ليس هناك مكان آمن يستطيع أن يضعها به .. كل مكان يُقتحم حتى المسجد والمستشفى الميدانى وكل شىء يُنتهك حتى الجثث لم تسلم منهم ومن جرافاتهم .. الشباب البواسل على البوابات قُتلوا جميعاً بعد صمود طويل بصدور عاريه وقلوب مؤمنة .. كان يجرى بها لا يرد الفرار بنفسه بل اراد حمايتها فقط وهو يقاوم ذلك الدوار الذى بدء يغزو عقله والارهاق يستشرى فى بنايه وأوصاله ويزحف منذراً بقرب النهاية.. وفجأة توقف وهو يراه فوق أعلى تلك البنايه أصطدمت عيناه بذاك السفاح وهو يصوب سلاحه نحوهما ويحدد الهدف المنشود ... تمتم بشفاه مضطربة:
- قناصة !
أدرك أنها النهاية حتماً فهما هدف سهل له ولكن جسد "ياسمينا" الذى سكن بين يديه فى مواجهة .. أستدار "جاسر" بثبات ليكون ظهره فى مواجهة القاتل وبدء يعدو فى الأتجاه المعاكس وهو يدرك بخبرته أنه مهما أبتعد فسوف تصيبه رصاصة القناص
وفجأة شعر بألأم شديد يخترق كيانه ويمزق جسده بل ويخنقة ويعتصره .. شعور غريب !! من المفترض أن يشعر بألأم أختراق الرصاصة ولكنه شعر بأعتصار جسده وأظلمت الشمس فجأة وتلاشى النور أمام عينيه وم يعد يشعر بجسد "ياسمينا" بين يديه بل لم يعد يشعر بشىء على الأطلاق .. فقد حواسه جميعاً وهو يشعر أنه يمر من عنق زجاجة ثم سقط بقوة وارتطم جسده بالارض وتدحرج جسده على أثر ذلك الهبوط الإضطرارى وبدأ يفتح عينيه ببطء وقد شعر أن كل شىء حوله قد سكن تماماً وساد الصمت إلا من صوت يعرفة تماما ..
أتسعت عينيه عن آخرهما بعد أن تيقن أن ذلك الصوت لم كن إلا صوت صهيل "جسور" .. نهض وهو يترنح بقوة ويتنفس بصعوبة ويبحث بعينيه عن "ياسمينا" حتى وجدها ملقاة بين الشجر و"عنان" تتحسس وجهها بهدوء
دار بجسده فى المكان ليتأكد أنه لا يحلم وهويُتمتم بابتسامة مريرة :
- لقد عُدنا !!
*********************
إلي هنا ينتهى الفصل الرابع عشر من رواية ولا فى الأحلام لدعاء عبدالرحمن
تابع من هنا: جميع حلقات رواية عشق ووجع بقلم شيماء رضوان
تابعوا صفحتنا على الفيس بوك للمزيد من روايات حب
أو أرسل لنا رسالة مباشرة عبر الماسنجر باسم القصة التي تريدها
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

يسعدنا تلقي اقتراحاتك أو تعليقك هنا

الاسمبريد إلكترونيرسالة