رواية ولا فى الأحلام لدعاء عبدالرحمن ( الفصل الخامس عشر)

هذا الموقع محمي بموجب اتفاقية حماية حقوق المحتوي العالمية

رواية ولا فى الأحلام لدعاء عبدالرحمن ( الفصل الخامس عشر)

مرحباً بكم أصدقائي وأحبابي عاشقي القراءة والحكايات الخلابة في موقعنا قصص 26 مع الفصل الخامس عشر من  رواية ولا فى الأحلام لدعاء عبدالرحمن، هذه الرواية مليئة بالعديد من الأحداث الرومانسية والطريفة والعاطفية.
تابعونا لقراءة جميع أجزاء رواية ولا فى الأحلام لدعاء عبدالرحمن.

اقرأ أيضا 

رواية مع وقف التنفيذ لدعاء عبدالرحمن


الفصل الرابع عشر من رواية ولا فى الأحلام لدعاء عبدالرحمن
رواية ولا فى الأحلام لدعاء عبدالرحمن ( الفصل الخامس عشر )
رواية ولا فى الأحلام لدعاء عبدالرحمن ( الفصل الخامس عشر )


رواية ولا فى الأحلام لدعاء عبدالرحمن ( الفصل الخامس عشر )

فتحت عينيها ببطء وهى تُتمتم بكلمات مبهمة وبلسان متثاقل ولكنها كانت كافية لتجعلها تنهض إليها على الفور متجهه إلى موضع رأسها مباشرة وهى تمسح حبات العرق التى غمرت جبينها ثم قالت بابتسامة حنونة:
- كيف حالُكِ الآن يا صغيرتى
أتسعت عيني "ياسمينا"  دهشة وهى تنظر إلى جليستها الرؤوم وتحاول النهوض بصعوبة وهى تقول:
- "مودة"؟!!
أقتربت منها وإحتضنتها بحنان وإشتياق وهي تربت على ظهرها تبثها الطمأنينة قائلة:
- نعم يا صغيرتى أنا بجوارك لا تقلقى
إنتزعت "ياسمينا" نفسها بهدوء من بين ذراعى "مودة" ومازالت محتفظة بملامح الدهشة والذهول على وجهها متسائلة بشرود:
- هل عُدنا إلى عالمنا من جديد ؟!!
ابتسمت "مودة" وهى تومىء برأسها قائلة:
- نعم لقد عُدتما إلينا يا صغيرتى ولكنك كُنتِ فاقدة للوعى لفترة طويلة
ألقت نظرة سريعة على المكان حولها وهى تتابع:
- ولكن أين هو "جاسر" ؟!
أحتضنتها "مودة" مرة أخرى وهى تجيبها :
- لقد أحضرك إلى هنا وإنتظرك كتيرا حتى تستعيدى وعيك ولكنك تأخرتِ كثيرا مما أفسح له مجالاً ليسرد على سمعى ما حدث لكما وما مررتما به من أهوال ثم جاء رسول"صارم الحكيم" منذ قليل يطلبه على الفور فذهب وترككِ فى رعايتى .
حاولت "ياسمينا" النهوض واقفةً بمساعدة ذراعى "مودة" وهى تنظر إلى ملابسها الملكية التى عادت كما هى قبل إنتقالهم عبر الزمن إلى بلاد الأهوال وعدلت من وشاحها الأبيض وهى تقول :
- هل أستطيع أن أتفقد المكان فى الخارج ؟
تناولت "مودة" كفها وهى تقول بابتسامة مرحبة :
- بالتأكيد يا أميرتى  .. هيا بنا
****************************************

عقد "صارم" حاجبيه وهو ينظر إلى "جاسر" وقد زينت ثغره ابتسامة متعجبة حائرة وقد طالت فترة صمته مما جعل "جاسر" يشعر بالقلق وقال بإندفاع وحماسة :
- أعلم أنك تظن أنى قد فقدت عقلى ولكن هذا ما حدث و"ياسمينا" الآن بصحبة "مودة" وإن لم تصدقنى أحضرتها لك لتسرد عليك ما رأيناه معاً فى تلك البلاد ..
نعم ليس عندى تفسير لما حدث ولكنه حقيقة أقسم لك
مط "صارم" شفتيه بهدوء وهو يتفحص وجه "جاسر" بعمق ثم قال وهو ينهض ويسير بهدوء وكفيه متشابكتان خلف ظهره :
- إهدأ يا ولدى .. أنا لا أُكذبك ولكن لا بد أن أتثبت من الأمر أولا
نهض "جاسر" على الفور وهو يتجه إلى الباب :
- سأحضرها لك لتتثبت بنفسك مما قلت
أشار إليه "صارم" أن ينتظر وهو يتجه نحوه قائلا:
- سنذهب سوياً
قال كلمته الأخيرة وهو يضع ذراعه على كتف "جاسر" مبتسماً وإتجها للخارج وهو يتابع حديثه معلماً :
- يا ولدى أنا اثق بك ولكن التثبت من الأقوال يجعلك تضع قدمك على أرض صلبة دائما
بمجرد خروجهما من البيت الخشبى الصغير وقع نظر "جاسر" على "ياسمينا" قادمة من بعيد بصحبة " مودة" التى أشارت إليه وهي تتحدث إلى "ياسمينا" قائلة:
- هاهو "جاسر" بصحبة "صارم الحكيم "
نظرت "ياسمينا" إلى "جاسر" متعجبة فلقد إستعاد هو أيضا ملابسه المقاتلة القديمة ثم توجهت عينيها تلقائياً بإتجاه "صارم الحكيم " فشعرت أنها رأته من قبل ولكنها توجست خيفة ..
فالجميع فى ذلك المكان يعلم من هى "ياسمينا" إنها ابنة القاضى المنصور الذى سمح لنفسه أن يصبح لعبة فى يد "سيسيان الأكبر" يوما ما وقتل ضمير الحق بداخله
زال بعض توترها عندما رأت "صارم" تنفرج شفتيه عن إبتسامة ودودة وهو يتابع اقتراب "جاسر" منها والذى كان يسرع بإتجاهها وبمجرد أن وقف أمامها قال بإشفاق :
- هل أنتِ بخير ؟
أومأت برأسها وهو تقول بإنكسار :
- نعم
لاحظ "جاسر" ملامح الحزن بوجهها فقال على الفور:
- ماذا بكِ يا "ياسمينا"
تحدثت "مودة" قائلة:
- أنها تخشى من وجودها هنا وتظن أن الجميع يكرهها
أطرقت "ياسمينا" إلى الأرض بحزن وهى تستدرك قائلة:
- ومعهم كل الحق فى ذلك فأنا ابنة المنصور الذي..
عقد "جاسر" حاجبيه ونظر لها معاتباً وهو يقاطعها قائلا:
- "ياسمينا" ألا تثقى بى ؟
حاولت أن تعقب ولكنه قاطعها مرة أخرى مؤكدا :
- كيف تخشى من أى شىء وأنا بجوارك .. الجميع هنا يعلم أنك ليس لك ذنب فيما حدث وأنك مختلفة عنهم
قالت "مودة" مؤكدة:
- نعم يا "ياسمينا" فأنا كنت دائما أقول لهم فى رسائلى أنك مختلفة ولم يكن عندك علم بما حدث فى الماضى.. إطمئنى يابنتى
نظر لها "جاسر" بعمق ثم أرسل تنهيدة قوية وقال:
- دعكِ من هذا الحديث الآن .. "صارم " يريد أن يتثبت مماقلته له ..
هيا تعالى معى وقصى عليه كل شىء رأيناه وعشناه وكابدناه سويا  ليتأكد بنفسه
إقتربت "ياسمينا" على استحياء وبخطوات مترددة بإتجاه "صارم" الذى ابتسم لها ليطمأنها ..
وقفت أمامه و"جاسر" وقف بجوارها و"مودة" إلى الجانب الآخر .. صمتت قليلا فقال لها "صارم" على الفور:
- مرحباً بك بيننا يابنتى
ابتسمت ابتسامة صغيرة بينما حثها "جاسر" على الحديث بنظراته لها فبدأت فى سرد كل شىء رأته بصحبة "جاسر" و"صارم" ينصت لها بإهتمام لا يخلو من الدهشة فلقد تأكد أن "جاسر" لم يكن يحلم فليس من المعقول أن يحلم أثنتيهما نفس الحلم بنفس التفاصيل وفى نفس الوقت
...  بعد وقت ليس بالقصير إنتهت "ياسمينا" من سردها وهى تلتقط أنفاسها بصعوبة وهى تتذكر لحظة مقتل "سارة وسلمى " بين يديها وابتسامتهما الساحرة بعد إنتفاض جسديهما الانتفاضة الأخيرة قبل أن يفارقا الحياة متشبثتان ببعضهما البعض وهطلت عبراتها دون أن تشعر كالأمطار الغزيرة تشق وجنتيها بصمت خانق شقة صوت "صارم" الذى قال بعينين سابحتين في سماء ملبدة بالغيوم :
- إن هذا لشىء عجاب
أندفع "جاسر" فى الحديث وهو يقول بحماس :
- مُعلمى لقد أخطأنا خطأ كبيراً حينما أقنعناك بأن نبتعد وننسحب فلو كنا وقفنا وصمدنا منذ سنوات كهؤلاء القوم الذين صمدوا وصبروا  لما تهالكت مملكتنا إلى هذا الحد ولما ثبتت أركان مُلك الطغاة فى بلادنا لقد أخطأنا ولابد من تدارك هذا الخطأ لابد أن نعود ونقف وقفة رجل واحد لابد أن نستعيد شراع مملكتنا من هؤلاء القراصنة

إلتفت إليه "صارم "بعينين متفكرتين :
- وحدنا فقط لن نفعل شيئا يذكر
أجاب "جاسر" بحماسة أكبر
- لا يا مُعلمى لسنا وحدنا فخطتنا منذ سنوات قد أثمرت بعض النتائج .. مجموعة الفتيان الذين تحمسوا وبدأوا فى التحدث إلى الناس وإقناعهم بعدم الصمت وقبول الهوان فى الطرقات والميادين والأسواق قد آتت أُكلها وبدأ الناس فى التذمر وإدراك ما فاتهم منذ سنوات وأنهم قد خُدعوا من قبل وأعتقد أنهم خائفون فقط من الخطوة الأولى وينتظرون أن نخطوها نحن أولا ونحن أجدر بذلك مُعلمى
عقد "صارم" حاجبيه بتفكير شديد وهو يناقش "جاسر" قائلا:
- ولكن فى وجه من سنرفع سيوفنا ونبالنا يا "جاسر" هل سنتقاتل فيما بيننا ونُهلك بلادنا بأيدينا وتعم الفوضى
تبادل "جاسر" النظرات مع "ياسمينا" ثم قال نافياً:
- لا يا مُعمى لن نرفع سيوفنا فى وجه أحد لقد رأينا هؤلاء القوم يرفعون فقد أصواتهم بالرفض والصمود ولذلك أصبحوا أقوى من قاتليهم ومن يحملون الموت إليهم لقد أضعفوا موقف سفاحيهم بصدورهم العارية ونفوسهم المطمئنة وصدى سلميتهم الذى دوى فى أذن العالم أجمع فأصبحوا رمزا للحرية والصمود وسوف نفعل مثلهم سنخوض معركتنا بصدورنا حتى نستعيد مملكتنا وإن خسرنا أرواحنا فلن نخسر كرامتنا

أشعلت كلامته حماس "صارم" وبدأت الخيوط تتجمع برأسه ويرى بحس الحكيم  صواب قرار "جاسر" فقال على الفور وقد أُوقدت شعلة التدبير بعقله:
- أرسل إلى فتياننا فى المدينة وأخبرهم أننا سنلحق بهم واطلب منهم تكثيف حديثهم مع الناس فى كل مكان حتى نعود ثم ينضموا إلينا ومعهم من آمن بفكرتهم بالميدان الكبير بجوار القصر
ظهرت ابتسامة متفائلة منتصرة على وجه "جاسر" وهو يومىء بالموافقة وهم بالإنصراف على الفور ولكن "صارم" استوقفه قائلا:
- إنتظر لا تذهب أنت اليوم بل أرسل أحد اصدقائك ممن يعرف الطريق إلى المدينة ويستطيع أن يتواصل مع مجموعة الفتيان كما أتفقنا
قال "جاسر" متعجباً :
- ولماذا لا أذهب انا
أشار "صارم" بإبتسامة مرحة إلى "ياسمينا" وهو يقول مشاكسا:
- هل سمعت يوما عن رجل ترك عروسهُ فى ليلة عُرسه وذهب فى مهمة بين الأحراش
إنتفض قلب "جاسر" وإتسعت ابتسامته وهو ينظر بإمتنان إلى "صارم" بينما تبادلت "ياسمينا" النظرات مع "مودة" غير مصدقة لما تسمع وهى تُتمتم بخجل :
- ماذا ؟!
أشار"صارم" برأسه إلى "مودة" أن تغادر ثم هم هو بالإنصراف وهو يقول مستطردا:
- تفاهما فى الأمر ثم إلحقا بى
قال كلمته وإنصرف وهو و"مودة" وتركهما ليقول كل منهما ما لديه فلقد أدرك بحكمته حقيقة مشاعر خفية تربط بين "جاسر" و"ياسمينا" بالإضافة إلى أن وجودها بينهم وهى زوجة "جاسر" أفضل بكثير من وجودها بصفتها إبنة المنصور
إستدار "جاسر" إليها بجسده كله ينظر إليها بسعادة مُغلفة بالحنان ثم قال بخفوت :
- فى كل مرة كنت أتحدث فيها إلى "صارم" كان يقرأ فيها عينى ويجيبنى عن ما يدور بخلدى دون أن أتفوه به أما اليوم فلقد قرأ ما يدور بقلبى وأعلن عن ما كنت أكتمه بداخله
أطرقت "ياسمينا" برأسها خجلاً واضطرابا وهى تفرك كفيها توتراً ولم تستطع أن تتفوه أو حتى تنظر إليه  مما جعله يشعر بالقلق ويقول بترقب:
- "ياسمينا" لكِ كامل الحرية فى قول لا  ولن يجبرك أحد على شىء لا تريدينه ولكن لا تصمتى هكذا
أرادت أن تغير مجرى الحديث من شدة الخجل الذى غلفها وطبع بصمته على وجنتيها بوضوح فقالت :
- هل تذكر الحديث الذى دار بيننا قبل أن تنقلنا العاصفة إلى بلاد أخرى هناك الكثير لم تقله لى وأنا أريد أن أعرفه ..
أريد أن أعرف كيف مات "سيسيان الأكبر" وكيف ظل والدى يحكم المملكة ولماذا أصبح "سيسيان " أخى هو الحاكم الفعلى وتوراى أبى إلى الظل  ؟
ظل "جاسر" ثابتا وهو ينظر إليها مليا وقال :
- هل تتهربين من الإجابة ؟
ثم مط شفتيه وهو يعقد ذراعيه أمام صدره قائلا بحزن:
-  أنتِ ترفضيننى يا "ياسمينا"
رفعت رأسها مسرعة وهى تهتف بخفوت :
- أنت مخطىء أنا لم أقصد هذا
ثم أطرقت برأسها مرة أخرى على الفور قبل أن ينظر إليها واستدارت توليه ظهرها وهى مازالت مكانها .. استدار "جاسر" ووقف قبالتها وهو يرفع رأسها إليه قائلا:
- سوف أروى لك ما تريدين معرفته ولكن أجيبينى أولا هل أنتِ موافقة على الزواج بى؟
أشاحت بوجهها بعيدا وهى تبتسم بحياء قد غلبها وهى تحرك رأسها بنعم
أرسل تنهيدة حارة وقد إتسعت إبتسامته وهتف بحماس وسعادة :
- الآن سأروى لكِ كل شىء ولن أصمت حتى الصباح ولكن ذكرينى عند أى نقطة فى السرد قد توقفنا ؟
قالت على الفور وهى تبتعد براسها قليلاً لتتجنب الاصدام بأحد فروع الاشجار فى طريقها:
- لقد توقفنا عندما صارت مقتلة عظيمة فى كل من يعترض على ما فعله "سيسيان الأكبر" بعدما أطاح بالملك "بالصالح" وأصدر الأوامر بعد ذلك بقتل "صارم الحكيم " ولهذا أقنعتموه بالتخفى والهرب بصحبتكم
أومأ "جاسر" برأسه وهو يلملم شتات أفكاره ويستدعيها من خزانة السنوات الغابرة ثم قال وهو يمشى بجوارها ببطء عاقدا ذراعيه أمام صدره:
- نعم لقد تذكرت .. استطاع "سيسيان الأكبر" بعد ذلك أن يكمم الأفواه إما بالمناصب والمال وتلاقى المصالح  وإما بالسلاح والقوة والغصب ..
بحثوا عنا كثيرا ولكنا كنا قد إختفينا تماما فى الغابة وإتخذناها مأوى لنا فترة ليست بالقصيرة فى عمر الزمن وإتفقت أنا ومن معى وكنا جميعا بين مرحلتى الصبا والشباب أن نقسم أنفسنا إلى مجموعات مجموعة تتدرب على السيف والرماية ومجموعة تعود إلى المدينة متخفية تندس بين الناس وتحاول إيقاظهم من غفوتهم وتوضح الحقائق الغائبة وتختفى سريعا دون أن يشعر بعملهم هذا أحد من جند "سيسيان الأكبر" أو بصاصيه وفى يوم من الأيام إستيقظنا على خبر مقتل "سيسان الأكبر"
إلتفتت إليه "ياسمينا" متسائلة وقد توقفت عن السير:
- من الذى قتله ؟
أجابها بحيرة صادقة :
- حتى الآن لا نعلم من هو ولم يكن وقتها من المهم أن نتعرف عليه يكفينا ما فعله ويكفينا الخبر
رفعت حاجبيها وهى تهتف بإستنكار :
- ولماذا لم تعودا إلى المدينة بعد ذلك
أشار لها أن تكمل سيرها بجواره وهو يقول :
- ألا زلتى لا تفهمين الأمر يا "ياسمينا" ؟ .. المشكلة لم تكن تكمن فى شخص "سيسيان الأكبر" فقط  لقد كانت منظومة الفساد والظلم متكاملة حقا وقائد الشرطة والحرس كان من أحد الطغاة الذين يسفكون الدماء دون أن يرمش لهم جفن ونحن لم نكن قد تمكنا من التدرب على حمل السيوف بشكل كافى ولم تكن سواعدنا قد اشتدت بعد
مالت براسها إلى اليمين قليلا وهى تقول متسائلة:
- هل كانت العودة و القتال ضمن خططكم فى ذاك الوقت
أومأ برأسه موافقا وهو يقول:
- أنا وأصدقائى كنا متحمسين جدا لذلك ولقد كان "صارم " رافضاً لفكرة القتال وكان يظن أن مجموعة الشباب التى تعمل على توعية الناس هم أفضل منا بكثير ولكننى أنا وأصدقائى كنا نشتعل حماساً لذلك اليوم الذى سنرفع فيه سيوفنا ونبالنا فى وجه الطغاة وكنا ننتظر فقط حتى تشتد سواعدنا ونصبح أكثر خبرة فى فنون النزال والحرب
نظرت إليه تحثه على متابعة الحديث فقال متابعاً:
- بعد موت "سيسيان الأكبر" أصبح والدك "المنصور" هو الحاكم الفعلى للبلاد وعن يمينه قائد الشرطة والحرس وعن يساره قائد الجيوش الذى تم ترشيحه له وبالطبع كان من أشد المخلصين
 لـ "سيسيان الأكبر" ويسير على الخطى التى رُسمت له مِن قِبَل قبيلة "الهود"
توقفت "ياسمينا" عن السير للمرة الثانية وهى تبتلع ريقها بصعوبة وقد شعرت بغصة فى حلقها وهى تسأل متخوفة من الإجابة :
- وهل والدى كان على علم بمخطط قبيلة "الهود"
نظر لها بإشفاق وهو يحاول ألا يجرح مشاعرها:
- لم يكن إلا مجرد أداة يا "ياسمينا" .. لقد استخدموه كغطاء لهم وأصبح والدك هو صورة الحاكم فى المملكة ولقد تركوه يظن ذلك سنين طويلة حتى يشتد عود أخيكِ "سيسيان"
تحسست جبينها بإضطراب وهى تتسائل:
- وما علاقة "سيسيان" أخى بقبيلة "الهود" ومخططهم
اقترب منها وهو يقول بحنان :
- ماذا بكِ هل أنتى متعبة؟
قالت بتوتر واضطراب:
- لالا من فضلك أكمل أريد أن أعرف كل شىء
عقد "جاسر" بين حاجبيه وقد عزم على مصارحتها قائلا:
- علاقة وثيقة يا "ياسمينا" .. والدته كانت ابنة أحد زعماء قبيلة "الهود"
استندت "ياسمينا" إلى الشجرة الكبيرة التى كانت تمر بجوارها وهى تقول بأنفاس متقطعة :
- والدتى ؟! ..
أخذ ينظر لها بتعاطف كبيروهو لا يعلم كيف يخفف عنها وقع تلك الصدمات المتكررة ثم قال بهدوء:
- والدتك ليست هى والدة "سيسيان" أخيكِ يا "ياسمينا"
صمت قليلاً يرقب قسمات وجهها التى تصرخ بالاستنكار والحيرة ثم قال مستدركاً:
- لقد كان والدك المنصور متزوجا بأمرأة أخرى وهى ابنة أحد زعماء قبيلة " الهود" وأنجب منها أخيكِ "سيسيان" وبعد أن فارقت الحياة بسنوات تزوج والدتك أنتِ وأنجبك منها .. كنت أظن أنك على علم بالأمر فى بادىء الأمر ولكن "مودة" أخبرتنى أن أحدا لم يخبرك بالأمر وخاصة أن والدتك كان تتعامل مع "سيسيان" بتعاطف وكأنه ولدها .
ولكنه لم ينسى مازرعته والدته بدمه وأرضعته إياه لقد نقشت بداخله أن إنتماءه الأول والأخير هو لقبيلة "الهود " فقط ولا يجب أن يعمل شىء إلا لمصلحتها وفقط ولهذا تركوا والدك يحكم المملكة سنوات وهو يظن نفسه الحاكم الفعلى ولم يكن ذلك إلا لأنهم كانوا ينتظرون فقط أن يصبح "سيسيان" مستعدا وقادرا لتولى أمور المملكة

مسحت براحتها حبات العرق الوهمية فوق جبينها وقد شحب وجهها وهى تردد بذهول:
- وإذا كانت قبيلة "الهود" ترغب فى حكم بلادنا لماذا لم تتدخل مباشرة وإنتظرت كل تلك السنوات ؟
استند إلى الشجرة بجوارها بكفه وهو يجيبها قائلا:
-  لأنهم يعلمون أن عامة الشعب تكرههم وفى ذلك الوقت لم يكن شعبنا بعد قد نسى هذا الكره والعدواة التى بيننا وبينهم ولقد كانوا متأملين أن الزمن والمصالح وإفساد العقول مع الزمن سيسهل الأمر عليهم كثيرا ولقد حدث ما أرادوه لقد أنفقت قبيلة "الهود" أموالا طائلة للرواة والقصاصين والبصاصين والمهرجين ومطلقى الاشاعات سنوات وسنوات وبالفعل أفسدوا عقول الكثيرين حتى أن عامة شعبنا بعد أن كانوا متعاطفين مع مجموعة من الشباب كانت تحارب قراصنة قبيلة "الهود" التى سطت على بلادهم الصغيرة أصبحوا يصفونهم الآن بالقتلة والإرهابيين وعندما حاول الملك "الصالح " مساعدة هؤلاء الشباب بمساعدات بسيطة كان يسمح لهم بالمرور مثلا عبر بلادنا إلى بلادهم خلسة بدأوا يتهموه أنه خائن وعميل لهم

زاغت أنظار "ياسمينا" وهى تردد غير مصدقة :
- هل استطاعوا إفساد عقول الناس حتى أصبح عندهم الضحايا إرهابين وقتله !!
هز "جاسر" رأسه بضيق وهو يقول مؤكدا :
- نعم ولهذا عندما طلبوا فى الآونة الأخيرة إرسال بعض رجالهم بداخل بلادنا لم يستنكر الشعب هذا الفعل لقد انشغل الجميع بجمع الأموال والبحث عن الرزق وحماية أنفسهم من قطاع الطرق فكيف سينتبهون لحماية حدود مملكتهم

عقدت "ياسمينا"حاجبيها وهى تتسائل :
- وكيف استطعت أنت أن تصل إلى القصر بهذه السهولة ؟
رفع كتفيه وهو يقول ببساطة :
- طيلة السنوات الماضية وأنا أتدرب على الرماية ووجدت فى نفسى ميلا كبيرا لها وظهرت مهارتى التى لا يضارينى فيها أحد ورغم إعتراض "صارم" على ما كنت أنويه إلا انى تسللت إلى المدينة خفية عندما أنبأنى اصدقائى عن مسابقة سيقيمها قائد الجيوش ليضم إلى الجيش رجال أشداء ماهرين ..
إشتركت فى المسابقة بمساعدة أحد المخلصين وفزت فيها بالمركز الأول وأعجب قائد الجيوش بمهارتى كثيرا وألحقنى بصفوف الرماة ومع الوقت إستطعت أن اصل بمهارتى إلى أن اصبحت قائد الرماة وبمساعدة"مودة" استطعت أن أحصل على ذاك البيت الذى لا يفصله عن الغابة سوى حائط واحد وهكذا كان الأمر
نظرت إليه بعمق وقلبها ينتفض خوفا من إجابة سؤالها التالى ولكنها تنفست بعمق ثم أطلقت زفرة حارة وقالت:
- هل كان تدريبى على الرماية ثم  مساعدتك لى ضمن مخططك يا "جاسر"
جمع كفيه أمام وجهه وهو يغمض عينيه قليلا ثم يفتحها قائلا بصدق:
- لم تكونى ضمن مخططاتى فى يوم من الأيام ولم أكن أعلم أنهم سيستدعونى لتدريبك على الرماية ... منذ أن رأيتك للوهلة الأولى وأنا أشعر بضعفك وإحتياجك لى رغم الغطرسة التى كانت تغلف  حديثك معى وتحاول أن تخفى ما ورائها وفى المقابلة الثانية تأكدت من ذلك وتأكدت أكثر عندما أخبرتنى "مودة" بدافعك لتعلم الرماية لهذا تحديت الجميع وألححت على خروجك من القصر وأن تنتقل ساحة التدريب إلى بيتى وبستانى .. وكان  أصدقائى ينتظرون منى  إشارة البدء للتحرك وحسم المعركه التى سنواجه فيها الطغاة
تساءلت بفضول لم تستطع التحكم به :
- ولماذ لم تفعل ؟
ابتسم بحب وهو يقول بإهتمام:
- كنت أريد أن أخرجك من القصر أولا أنتى و"مودة" لتكونا بعيدتين عن ما سيحدث فمنذ أن شعرت بإحتياجك لى وأنا أرى نفسى مسئولا عنك وعن حمايتك ..
وثانيا العاصفة الزمنية التى تعرضنا لها ونقلتنا إلى بلاد أخرى جعلتنى أنظر للأمور بشكل مختلف وأستطيع أن افهم فلفسة "صارم " فى نهينا عن التقاتل مرارا وتكرارا
ثم رفع رأسه إلى السماء وهو يقول بشرود:
- القتال والحرب كان سيفقدنا تأييد الناس وتعاطفهم معنا بل والإنضمام إلينا بل وكانوا سيصدقون الشائعات التى كان الرواة يرددونها على مسامعهم دائما بأننا قتلة وسفاحين وإرهابين ونريد سفك دمائهم .
تعلمت وأنا أقف على بوابة لجان حراسة الميدان بجوار هؤلاء الشباب أن قوة الفكره أقوى من قوة السلاح .. ولهذا تراجعت بعد عودتنا إلى عالمنا عن فكرة القتال وقررت أن نواجه "سيسيان " بثباتنا وصبرنا وفكرتنا العادلة وليس بسلاحنا
ثم تنهد بحسرة أشعلت صدره وهو يتابع :
- لقد أخطأنا خطأ كبيراً يا "ياسمينا" عندما قررنا الهرب والتراجع إلى حين
إلتفت إليها بعد أن أنهى كلمته الأخيرة فوجدها قد بلغ الشرود منها مبلغه وأخذ يرسم بريشته الحائرة فوق ملامحها الشاحبة .. دنى قليلاً منها وهو يقول بجدية :
- "ياسمينا" سنتحرك قريبا وسنعود للمملكة وأنا على يقين أن الناس ستتحرك معنا وتنضم إلينا فلا تخافى ولا تخشى أبدا
رفعت رأسها إليه بإبتسامة مغتصبة من قلب مرتعد فقال مستدركا بمرح :
- أريد أن نقيم مراسم زواجنا الليلة فأنتِ لم تتدربى بعد على إصابة الهدف المتحرك
لم تستطع أن تخفى ضحكتها الرقيقة وهى تشيح بوجهها رغما عنها  رفعت كتفيها بإستسلام وسعادة وهى تسير بجواره بإتجاه "صارم " و" مودة" لتخبرهما بموافقتها على إقامة مراسم الزفاف قبل عودتهم إلى ديارهم التى افتقدوها منذ سنوات فالليلة هى ليلة عُرسهما رغم كل شىء..!

إنتهت مراسم الزواج وابتدى عطر النسمات يلفحهما ويعصف بهما بعيدا مبحراً على متن الشوق الهادر بين أمواج عاتية تداعب شذرات ماءها الباردة وجهيهما مشاكسة ولكن هيهات أن يلتفتا لها مهما زادت برودتها ومهما كثرت مشاغبتها حتى خاب أملها فإنحصرت وهدأت وإنسحبت بهدوء مفسحة المجال لخيوط الشمس التى أوشكت على الانسدال بلمعتها الذهبية الحارة تتكفل هى بمداعبة جفنيهما لتعيد سفينة حبهما المبحرة رغما إلى شاطىء النهار اللامع الذى جاء خصيصا لينير طريق تلك الخيول الضارية التى تشق الغابة شقا فى طريقها إلى بلادها ومملكتها معلنة إنتهاء وقت الخضوع والهرب والتراجع ..
*********************

إلي هنا ينتهي الفصل الخامس عشر من  رواية ولا فى الأحلام لدعاء عبدالرحمن، تابعونا على صفحتنا على الفيس بوك من هنا للمزيد من الروايات الأخري
تابع الفصل السادس عشر والأخير من رواية ولا فى الأحلام لدعاء عبدالرحمن 

جديد قسم : حكايات

إرسال تعليق