قصة ولو بعد حين للكاتبة دعاء عبدالرحمن - الفصل الثالث والعشرون

مرحباً بكم أصدقائي وأحبابي عاشقي القراءة والحكايات الخلابة في موقعنا قصص 26 مع رواية جديدة من روايات الكاتبة دعاء عبدالرحمن و الفصل الثالث والعشرون من قصة ولو بعد حين للكاتبة دعاء عبدالرحمن، هذه القصة مليئة بالعديد من الأحداث الإجتماعية البوليسية الغامضة.
تابعونا لقراءة جميع فصول قصة ولو بعد حين للكاتبة دعاء عبدالرحمن.

اقرأ أيضا 

رواية مع وقف التنفيذ لدعاء عبدالرحمن

قصة ولو بعد حين للكاتبة دعاء عبدالرحمن - الفصل الثالث والعشرون
قصة ولو بعد حين للكاتبة دعاء عبدالرحمن

قصة ولو بعد حين للكاتبة دعاء عبدالرحمن (الفصل الثالث والعشرون)

العودة
 قفل..اثنان...ثلاثة أقفال كثيرة يوصد بها باب هذا المخزن القديم ذى المساحة الواسعة
والمنعزل عن العمران والذى قام بتأجيره فور خروجه من السجن بعد إطلاق سراحه
منذ أيام وهويعلم جيدا ماذا سيفعل وكيف سيسترد حقه الضائع؟
موقعه كاد يتطابق تماما مع احتياجاته لولا اقترابه بعض الشئ من الطريق الممهد للسيارات
لقد راهن على خوفها عندما وصلت أفكاره لتلك النقطة
لقد اضطربت وارتعش جسدها خوفا من قوله لها بأن هذا المكان مسكون بالأشباح ولو صرخت
فلن يسمعها أحد سواه... والعفاريت!...
أكثر من الخوف الذى اعتراها عندما استفاقت من غيبوبتها ووجدت نفسها مختطفة!.
يبدو أنها تخاف العفاريت أكثر منه!.
اتسعت ابتسامته أكثر قليلا وهو يجلس خلف مقود سيارة (أنور) الذى قام بسرقتها ليجتذب
بها عينى (غفران) ويجعلها تقترب بقدميها من الفخ الذى أعده لها.
قام بتشغيل محركها ليخرج بها من الأرض غير الممهدة نحو الطريق الممهد منطلقا بشغف
وباتجاه ذلك المشفى الحكومى الذى يرقد بداخله صاحب الرقم الثانى على قائمة انتقامه.
اختفت الإبتسامة فجأة وتلاشت
ذكرى أكف الظلم التى اجتمعت عليه محتها عنوة عن شفتيه فبرقت عيناه بقسوة
وبرود قاتل بدأ يعتاد نزع الحياة منهم يوما بعد آخر وللمرة الثانية على التوالى!.
دلف (حسن) إلى المشفى العام وهو يتخطى الحديقة على الجانبين بجوار الباب الحديدى
العريض والتى تساقطت أوراقها لعدم العناية بها وامتلأت بعلب الكشرى الفارغة
والأكياس المتطايرة هنا وهناك لم يوقفه أحد كما كان يتوقع.
المساحة الواسعة التى تلى الحديقة تحولت إلى موقف تكاتك أكواب الشاي وأعقاب لفائف
التبغ المسحوقة تعلو السور المنخفض للمشفى والذى يجلس أسفله بائع المشروبات الساخنة
والباردة ، دار نصف دورة حول المشفى ليصل إلى قسم الطوارئ والحوادث
القسم فى الطابق الأرضى ويتضمن غرفة الملاحظة حيث يرقد هدفه الآن
الممر يوحى بالنظافة فى بدايته.
أما وبعد تعمقه فى الداخل وجد ماقام بوضع خطته كلها على أساسه هو معاونيه
الباعة الجائلون يتجولون هنا وهناك بين الأسر المنكوبة التى تجلس فوق الأرض
المزدحمة بهم فى انتظار مصير مرضاهم المجهول
والأطفال الصغار يلعبون ويصرخون فى الطرقات التى تحولت إلى سوق شعبى
الممرضات مشغولات الان فى تناول وجبات ساخنة من فاعل خير لم يحلمن بها يوما
فلم يجد شخصا واحدا ليوقفه أو يسأله إلى أين ؟
مجموعة شباب يقفون بنهاية الممر يحملون طفلة صغيرة تنزف من رأسها ويديها
وممرضة وحيدة ضغيرة بالسن هى التى تحاول وقف النزيف بينما هم يصرخون
بأنها تعرضت لحادث سيارة ويحتاجون إلى مساعدة.
وللأسف لا وجود للأطباء فهم مشغولون الآن فى عراك بينهم يتشاجرون حول دورية
افشراف اليومى بينما تقف بجانبهم الممرضة الوحيدة والمسؤولة عن غرفة الملاحظة
والتى أشارت له بعينيها بأن يدخل الآن سريعا كما تم الاتفاق معها من قبل.
الغرفة ممتلئة بالأسرة إلا أنها جميعا خالية من الفرش والمرضى
إلا من مريض واحد فقط يحتل بجسده الضخم السرير الأخير منها الملتصق بجدار
متهالك الطلاء وملقى فوقه ملاءة كانت بيضاء يوما ما.
لم يستطع (حسن) رفع عينيه لتأمل بقية الجدران المزدحمة بالشروخ
فلقد تصلبت فوق جسد (أنور) النائم بالرغم من كل تلك المعارك الدائرة
بالخارج بينما صوت شخيره يعلو وينخفض بلا انتظام وكأن أنفاسه تتحشرج بداخل
صدره تأبى الخروج
أغلق الباب من خلفه وبدأ يقترب منه شئا فشيئا
كل خطوة نحوه تقفز به إلى ذكرى سيئة معه
ضغط أضراسه وضاق مابين عينيه القاسية
وبلا إرادة رفع أصابعه يتحسس بها أثر الضربة خلف رأسه وكأنه تلقاها الآن فقط
مشاعر كالموج الهائج تضرب كيانه فتبعثره وتلقى به تحت قدمى (أنور) الذى طالما
ضغط أنفاسه بحذائه المهترئ وهو فتى حديث البلوغ ريثما يتحداه أن ينهض لمواجهته
إن كان رجلا.
الآن انقلبت الآية يا أظلم.
همس بها بكره شديد وقد وصل إلى فراشه المعدوم وانحنى يتأمل وجهه
لقد بلغ الستين وتهدل جلده بينما لازال يرغب فى الحياة ويتمسك بها كعادته
وفى نفس الوقت يبخل على نفسه حتى بالعلاج فى مكان آدمى آخر
لقد دفع بعض الأموال مقابل سجنه وضن على صحته بمثلها.
رفع (حسن) يده تاركا راحته تزحف نحو عنق (انور) بينما طائر البغض يفرد
جناحيه صارخا فى عينيه المحدقة وهو لازال نائما يصارع أحد الكوابيس بأنفاسه
المتقطعة بأن يفتحهما ليراه وهو يقتله.
ولقد استجاب (أنور) للنداء فتح عينيه وهو يلهث شاعرا بذلك الضغط حول عنقه
فوق حلقه مباشرة
انتفض فجأة فى الفراش وهو يعتقد بانه لازال يحلم
لقد كاد يقتله فى الحلم
فاستيقظ منتفضا ليجده قابضا على أنفاسه فى الحقيقة
نظر له بهلع وكأنه يعاين ملك الموت فى تلك اللحظة
لحظة يعجز فيها اللسان عن الحركة
والعضاء عن إبداء أى مقاومة ولا يبقى سوى فزع
وعينين متجمدتين وخافق يقفز بجنون نحو نهاية الرحلة!.
تذلل يا أظلم ..إبك طلبا لحياتك العفنة..
لن يقتله سريعا يريد أن يراه متذللا تحت قدميه أولا.
لقد تخيل هذا المشهد مرات عديدة خلال سنوات سجنه الأخيرة
يتمنى أن يعيش هذا الشعور بكل جوارحه
شعور النشوة وهو يراه مكسورا أمامه كما فعل بوالدته من قبل.
شعور الخزى والضعف والنقص الذى صاحبه طيلة عمره بسببه
إزهاق روحه فقط لا تكفى ولا يظن أنه سيكتفى بعد اليوم.
أرجوك ..ارحمنى.
استطاع (أنور) أن يهمس بهما بأنفاس لاهثة وقد بدأ يستوعب الأمر
لقد راى نظرات الكره والشر فى عينى (حسن) كثيرا من قبل
أما مايراه الآن فنظرات قاتل شرس لن يتراجع.
تأكد ان حياته ستنتهي فى التو وبدون إرادة منه وجد يده ترتفع حتى قبضت
على كف (حسن) الساكنة بتصلب فوق عنقه
فشعر ببرودتها وكأنها تحولت إلى يد آلة للقتل لا تنتمى للبشر
فبدأت عيناه تدمعان ثم يبكى متوسلا حياته كما طلب منه.
ارحمنى ياحسن ..لخاطر أمك الطيبة ارحمنى.
لخاطر أمى؟!!
قالها (حسن) بدهشة وبدأت ضحكاته الخافتة المتقطعة تزداد جنونا رويدا رويدا
نظراته المجنونة زادت من هلع (أنور) وانهمرت دموعه أكثر وتعالى نحيبه وهو
مازال قابضا على يد (حسن) يريد أن ينجو ولا مفر
خرج صوته متحشرجا وإرادة الحياة تدفعه دفعا وهو يقول باكيا:
أقبل قدميك سامحنى  عندما أخرج من هنا سأقبل رأسك أمام الجميع وأرد إليك كرامتك
سأعترف بكل شئ أنت ابنى و(رمزى) هو من قتل (سلمى)..زأرجوك.
مال (حسن) برأسه يمينا وهو مازال محتفظا بنظراته المجنونة وهو يكرر بسخرية الكلمة
التى لا يبدو أنه لم يسمع سواها:
أنا ابنك؟!
حاول (أنور) أن يحرك رأسه مؤكدا بالرغم من الرعب المسيطر عليه ولكن قبضة
قاتله لم تسمح له فعاد يكررها بتأكيد أكبر بينما عقله يرفض ماسيقوله:
نعم أنت ابني..أنا ظلمتك وظلمت أمك...
سأكتب لك البيت والورشة باسمك...وكل ماعندى لك.
عندى لك اقتراح آخر .
تعلقت روح (أنور) بكلماته بأمل فى النجاة بينما يده مازالت تقاتل فى معركة خاسرة
لتحرر عنقه بينما يرفع (حسن) حاجبيه ويقول مقترحا:
ما رأيك بأن أقتلك الآن ..فتذهب إلى أمى فى العالم الآخر وتعتذر لها هناك؟
وسأخرج أنا من هنا دون أن يعلم أحد بأننى قتلتك
أرثك وأخذ كل ماكان لديك ونرتاح منك ويعود الحق لاصحابه فأنت كنت من البخل والغباء
لدرجة أنك لم ترفع قضية لتنفى نسبي لك واكتفيت بان توصمنى طيلة عمرى ب ابن الحرام.
انهار (أنور) باكيا بقوة وبدأت خفقات قلبه تتباطأ ويشعر بالدوار وبصقيع يلف جسده من كل
وبأنه يودع آخر لحظاته من الدنيا وككل المسافرين الذين يتذكرون كل مانسوه قبل انطلاق
القطار مباشرة ،مرت أمام عينيه صورة زوجته الراحلة (زينب) بجمالها الهادئ وصوتها
الدافئ وخجلها منه وصبرها عليه
لم تكن تطلب منه سوى طعام جيد لابنهما وحياة آدمية لها.
نعم لقد كان يحبها ولكن حبه لأمواله أكثر وهى بدأت تتدلل وتستتنزفه بطلباتها
كما كان يقول له (صفوان) دائما ثم أنجبت طفلا يشبه خطيبها الأسبق وابن خالتها
وعندما بدأ يتكلم بدأ يتلعثم مثله وظل هكذا وفى النهاية أردت القضاء عليها بأن
يدفع أموالا لا آخر لها عند أطباء تأخر الكلام والنطق وما شابه.
كل تلك الذكريات مرت عليه فى لحظات قليلة حتى سقطت يده بجواره مستسلما
لمصيره وارتفعت مقلتاه نحو عينى (حسن) المواجهتين له بسخرية مريرة وبدأ لسانه
يتثاقل عن الحركة فخرجت حروفه متعثرة متبعثرة كما كان يتكلم ولده سابقا وهو يقول:
عدم رفعى للقضية..لم يكن بخلا ولا غباء..ياولدى ...صدقنى.
خف الضغط حول عنقه فجأة وبدأ الهواء يمر إلى رئتيه من جديد ولكن بصعوبة والألم
يضرب صدره بشدة وذراعيه بينما شعر باقتراب (حسن) منه أكثر وسمع صوته يخترق
أذنيه بفحيح غريب وهو يسأله وكأنه يريد الإجابة بالفعل:
لماذا لم تحاول رفع قضية؟..تكلم.
أغمض (أنور) عينيه اللتين باتتا تدوران فى سقف الغرفة وهو يشعر بروحه تنسحب شيئا
فشيئا من أطراف جسده بينما الدوار العنيف لا يفارق رأسه
هل سيقابل (زينب) بالفعل فى العالم الآخر؟ كيف سيواجهها؟
هل مسموح بالاعتذار؟ هل كانت الدنيا تستحق مافعله؟!
جاءه صوت (حسن) يسأله بإصرار أكبر مكررا ينتزعه من لحظات نزعه فهمس باعتراف
شحيح مثله يواجه به نفسه للمرة الأولى:
أمك كانت تريد أن تعالجك بمبالغ طائلة وعندما رفضت وضربتها سرقتنى وذهبت إلى ابن
خالتها ليساعدها فى علاجك.
دقيقة كاملة مرت فى صمت مطبق بعد أن انتهى (أنور) من اعترافه
بينما تتلاقى العيون لا يطرف لأحدهما جفن يحدقان ببعضهما البعض فى مواجهة غير
متكافئة بين الثأر والرجاء
فهل تكون مواجهة الأخطاء والاعتراف بها بصدق
أفضل بكثير من الاعتذار الباهت لمجرد القفز فوقها؟
أنت مثير للشفقة.
قالها (حسن) وهو يرفع يده عن (أنور) الذى شهق بقوة وبدأ فى نوبة سعال متقطعة
واضعا يده فوق صدره بإعياء شديد.

اعتدل (حسن) بجذعه واقفا مكورا قبضته بقوة وهو يتابع بنظرات جامدة حالة (انور)
وهو يهدأ قليلا ويتنفس بعمق فيعود ليسعل من جديد
لا يعلم أيا منهما يحتاج إلى التنفس بعمق
يحتاج أن يخرج من هنا على الفور
هو الذى يختنق وليس (أنور)
ثورة عارمة تتعارك بداخله
لماذا تركه ولم يقتله؟ لماذا أراد أن يعرف؟ ما الداعى؟...بل ما الفارق؟
وجد قدميه تتراجعان للخلف ويبتعد عن الفراش نحو باب الغرفة
وعيناه لازالتا مثبتتين على طريق الفراش وسعاله المتقطع الذى بدأ يهدأ وينتظم
رفع قبضته خلف ظهره معتصرا مقبض الباب المعدنى بقوة وعندما عادت عيناهما
للمواجهة من جديد سأله (حسن) بهدوء ظاهرى:
هل تعلم لماذا لم أقتلك يا (أنور)؟
تحركت عينا (أنور) باضطراب فقال (حسن) على الفور دون أن ينتظر إجابة وقد
صارت عيناه بلون الدم:
لأننى لو فعلت ..فسأكون ابن حرام بحق ولكنى لست كذلك.
قالها وفتح الباب وفر
فر بما تحمله الكلمة من معنى برغم كل ما مر به لازالت  آدميته تعافر بداخله
لازال يشعر أنه والده بعد كل مامر به
لازالت أمه قابعة فى مكان ما فى قلب الوحش المظلم تؤنبه وتدفعه نحو النور
يكاد يقسم أنه رآها منذ لحظات تقف بينه وبين والده وتنظر له بتحذير
(أنت لست ابن حرام لتقتل أباك )
ضرب السيارة بغضب قبل أن يدفع جسده بداخلها بعنف لا يعرف كيف يوجهه؟
لقد نجا (أنور) بعد كل مافعل لمجرد أنه والده
استطاعت (زينب) أن تنقذه من بين يديه.
فهل ستنجح فى إنقاذ (غفران)؟!
*********************

إلي هنا ينتهي الفصل الثالث والعشرون من قصة ولو بعد حين للكاتبة دعاء عبدالرحمن، 
تابعونا على صفحتنا على الفيس بوك من هنا للمزيد من الروايات الأخري

جديد قسم : قصص مثيرة

إرسال تعليق