U3F1ZWV6ZTMzNTg0ODE3NzI1X0FjdGl2YXRpb24zODA0Njk2NDgxODg=
recent
آخر القصص

رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى - الفصل الخامس عشر

أصدقائي الأعزاء متابعي موقع قصص 26 يسعدني أن أقدم لكم الفصل الخامس عشر من رواية فى قلبى أنثى عبرية بقلم دكتورة خولة حمدى وهي رواية واقعية إجتماعية ممزوجة بالحب وأيضا  تتسم بالكثير من الأحداث والمواقف المتشابكة التي ستنال اعجابك بالتأكيد فتابع معنا.

رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى - الفصل الخامس عشر

حمل تطبيق قصص وروايات عربية من جوجل بلاي
رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى
رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى

رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى - الفصل الخامس عشر

كانت ريما مستلقية على السرير في السترخاء، ونظراتها مستقرة على السقف.
ما إن أحست بدخول ندى، حتى بادرتها دون ان تحول نظراتها الحالمة إليها:
أنتي محظوظة يا ندى!
التفتت إليها ندى في استغراب، فواصلت ريما وقد تجمعت العبرات في عينيها:
- أنت محظوظة بأحمد، كم هو طيب وحنون... كم يحبك ويهتم لأمرك!
التهبت وجنتاها حياء، وقد نسيت وعيدها للحظات.
اقتربت لتجلس إلى جانبها وهي تهمس:
أتعتقدينَ ذلك حقا؟
استوت ريما جالسة وهي تقول في تأكيد:
طبعا! لقد أحسست بذلك، لأنه لا أحد يهتم بي او يرعاني مثلما يفعل معك!
قالت ذلك وانهمرت الدموع على وجنتيها كالسيل.
سارعت ندى تحتضنها في حنان وحب، وأخذت تمسح على رأسها مهدئة ،قالت هامسة: لا تقولي هذا.
أنا أهتم لأمرك يا عزيزتي...

هل تأتين معي؟
أشاحت ندى بوجهها وهي تتشاغل بتمشيط شعرها السبط الناعم أمام المرآة، وقالت في لهجة بدا فيها التردد
لا داعي لحضوري... فهو جاء لتعليمك أنت.
لبثت ريما واقفة أمام الباب للحظات، ثم قالت:
حسنا... إن قررتي الانضمام إلينا ، فلا تترددي
حين لم يصلها ;رد من ندى، هزت كتفيها ثم انصرفت إلى درسها.
تابعتها ندى بنظراتها من خلال المرآة حتى انصرفت، وأغلقت باب الغرفة خلفها
ثم وضعت المشط عنها، وأخذت تعبث بخصلاتها الكستنائية في تفكير
ليست مضطرة للقائه اليوم، فهو لم يأت لرؤيتها.
للمرة الأولى يأتي احمد إلى المنزل من أجل شخص آخر غيرها!
مجرد التفكير في ذلك يزعجها.
وكل ما تذكر أنها هي من اقترح الأمر وخطط له، تطلعت إلى صورة ملامحها العابسة في المرآة، ثم ارتمت على سريرها مبعثرة خصلاتها وراءها في إهمال.
استلقت للحظات وهي لا تجد ما تشغل به نفسها عما يحصل في الغرفة الأخرى.
كيف يكون الدرس يا ترى؟، لم تكن قد رأت أحمد وهو يقدم دروسا من قبل، لكنها فكرت بأن مهنة التدريس قد تناسبه.
فهو واسع الصدر ويتسم بالصبر والأناة، ولديه أسلوب جميل في الشرح وإيصال المعلومة
تذكرت نقاشاتهما الطويلة، وكيف يتجاوز في كل مرة عن لهجتها العدائية وحجاجها الهجومية
فيتمالك نفسه، ويبحث حتى يرد عليها بهدوء وعن دراية وتمكن.
ابتسمت وهي تتخيل ملامحه أمام عينيها.
تلك العيون الحانية، وتلك الابتسامة الوديعة اللتي لا تفارق شفتيه وهو يتكلم بهدوؤ ورفق.
رنت في رأسها كلمات ريما: أنت محظوظة بأحمد
فجأة، اعتدلت في جلستها وفي عينيها نظرة جادة. نعم، إنها محظوظة به حقا. ولا يمكنها أن تضيعه من بين يديها ،أو تترك المجال لغيرها ليحتل مكانها في قلبه!
تخيلته وهو يجلس مع ريما يعلمها، لوحدهما، فاشتعلت الغيرة في نفسها.
كيف يمكنها ان تسمح بذلك؟ ،صحيح أن ريما تصغرها ببضع سنوات، وهي تبدو طفلة اكثر منها امرأة، لكنها أنثى على أية حال، ومهما كانت ثقتها فيه وفيها ، فإن لقاءاتهما المنفردة إن تكررت ستصنع بينهما نوعا من الألفة والصداقة.
خاصة انها مسلمة مثله، ازعجها الخاطر، فسارعت بتغيير ملابسها وتهذيب هندامها ثم خرجت.
كانت غبية حين رفضت حضور الدرس مع ريما، لكن الوقت لم يفت بعد.
احس احمد بالخيبة حين رأى ريما تدخل وهي تجذب من كفها كريستينا طفلة ميشال إلى غرفة الجلوس، حتى لا تكون هناك خلوة.
لبث للحظات ينظر إلى الباب المفتوح كأنه ينتظر حضور شخص آخر ،لكن أحدا لم يحضر ، حينها التفت إلى ريما في تساؤل:
اليست ندى في المنزل؟، ردت ريما
نعم، إنها في غرفتها...
هز أحمد رأسه، ثم قال وهو يتطلع إلى ساعته:
إذن دعينا نبدا الدرس الأول.
أخرج الكتب من محفظته، وأخذ يشرح لها المنهج الذي ستسير عليه الدروس والكتب الذي سيعتمد عليها فيها.
لكنه ظل يراقب الباب بين الفينة والأخرى كأنه يتوقع، او يأمل، دخول ندى في أية لحظة.
كان قد شرع في تقديم باب الطهارة وأخذ يلقن ريما القواعد، حين لمح ضيفا يقف قبيل الباب، مختفيا وراء الستائر.
ابتسم في ارتياح وهو يرفع صوته مشجعا ريما:
: والآن، فلنكرر الحديث مجددا... حتى نحفظه.
و كتلميزة نجيبة، أخذت ريما تردد قراءه الجمل والعبارات في تأدة وتركيز، لتحفظها عن ظهر قلب.
ولم تغفل نظرات أحمد عن التلميزة الأخرى اللتي كانت تتابع خفية.
وبعد هنيهة، قررت الخروج من مخبئها. رآها تتقدم وتقترب من مجلسهما على إستحياء
كانت ريما تواصل حفظها ، حين أشار أحمد إلى ندى بأن تجلس إلى جانبها دون أن يقاطعها. انصاعت ندى للأمر، وأنصتت معه إلى حفظ ريما
وهي تبحث في رأسها عن سبب تبرر به انضمامها إليهما دون تعريض نفسها إلى إحراج جديد.
لكن أحمد لم يمهلها ، فما إن أنهت ريما، حتى اللتفت إليها وهو يقول مبتسما: والآن دورك... هل حفظت؟
امتقع وجهها للحظة، لكنها لم تدري كيف واتتها الجرأة وتحركت شفتاها، لتقوم بتسميع الحديث الذي تلي أمامها لمرات على لسان أحمد، ثم على لسان ريما.
وما أن أنهت، حتى أخذ أحمد يصفق لها في إعجاب:، ممتاز! أنت سريعة الحفظ حقا !
أطرقت دون ان تنطق وقد ذابت خجلا أمام عبارات الثناء.
وتواصلت الحصة متراوحة بين المرح والجد ، فندى لم تضع الفرصة لتطرح كل ما يخطر على بالها من التساؤلات والاستفسارات.
وبعد مضي ساعتين ممتعتين، أغلق احمد الكتاب وهويقول في رضا:
-يكفي لهذا اليوم... ثم اخذ في جمع اشيائه استعدادا للانصراف.
راقبته ندى في شيء من الضيق. فقد حذ في نفسها ان تكون زيارته من أجل الدرس لا غير،
وأنه لم يهتم بالجلوس معها بعده، للحديث عن أمورهما الخاصة.
لكنها وقفت في استسلام لتشيعه إلى الباب كالعادة.
نزل أحمد درجات السلم القليلة باتجاه الحديقة، ثم التفت إلى ندى وقال مبتسما:
هل بدأت القراءة في كتاب السيرة؟
هزت رأسها علامة الإيجاب وهي تقول في خفر:
لكنني لا افهم كل شيء...فاللغة العربية جديدة بالنسبة إلي. لكن الكتاب مليء بالحكايات، وهذا مُسَلِّي.
جيد. بامكانك الاستعانة بريما... وإن احتجت إلى شرح إضافي فلا تترددي؟
بادلته الابتسامة وهي تهز رأسها موافقة.
لكنها فوجئت بملامح أحمد تتغير وتكتسي مسحة حزن غريبة.
كان قد استدار ليواجهها وأخذ يقول في لهجة جادة:
ندى... سأطلب منكي شيئا
نظرت إليه في انتباه ووجل، وقد احست بأنه يخفي أمرا ما. واصل احمد قائلا:
عديني... إن حصل لي مكروه ما..، أن تقرئي كل يوم ربع ساعة من القرآن.
من أجلي...
انقبض صدرها وضمت كفيها في توتر وهتفت:
أحمد... ماذا هناك؟، ما الذي يحصل؟
رسم على شفتيه ابتسامة فاترة وهو يقول:
حسان لم يعد... ولا أعلم متى يكون دوري... لكن لا تشغلي بالك، فقط عديني...
همست في مزيج من الحيرة والقلق:
أعدك...

حتى تتعرف إلى الإسلام، لم يطلب منها أحمد أن تقرأ القرآن وتفسره وتؤوله. بل وجهها إلى حياة الرسول
محمد (صلى الله عليه وسلم)، وشجعها على البدء من هناك.
بدت رغبته غريبة بالنسبة لندى.
كانت توقن بأن المصدر الرأيسي لكل ديانة هو مرجعه الأول بلا منازع، لأنه يكتسب طابعا إلهيا وقدسيا.
لذلك لم تتوقع أن يحملها على دراسة حياة بشر فان
شرح لها أحمد أن دافعين رإيسيين كانا وراء الطلب.
أولهما هو سهولة التعرف على الإسلام من خلال شخص الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ، فقد كان رجل خلقه القرآن.
فقد توقع أن يكون القرآن صعبا عليها، من حيث اللغة والمفاهيم التي ستبدو نظرية. أما المثل التطبيقي الحي الذي في سلوك رسول الإسلام ومآثره، فسيكون في متناول فهمها
أما الدافع الثاني فقد احتفظ به لنفسه، وهو يكتم ابتسامة أغاظتها.
لم تعلم إلا بعد وقت طويل أن أحمد لاحظ غيرتها الشديدة حين اقترح تعليم ريما بنفسه، وخاف الن تكون الغيرة حاجزا دونها ودون الاهتمام الصحيح بالدين.
وتأكد الشك لديه فيما بعد حين رآها تتعمد مقاطعة ريما ومعارضتها لمجرد شد انتباهه إلى وجودها.
فقرر أن يترك القرآن جانبا إلى حينه، ويوكل إليها مهمة خاصة بها، ولا تشملها دراسة ريما
فلا تحدثها نفسها بالتطاول على القرآن بأسئلتها العجيبة، التي لم تخطر حتى ببال قريش، لمجرد انتذاع الكلمة من ريما!
الكتاب الذي اهداها إياه احمد كان بلغة عربية بسيطة، ومليئا بالقصص، مما جعله سهل الفهم رغم حداثة عهدها باللغة ومسليا أيضا ، فقد كانت مولعة بالحكايات.
كان عليها أن تكذب بشأن الكتاب، وتدعي أمام عائلتها بأن الكتاب للريما ، لكن تلك الكذبة سببت لها متاعب من نوع آخر.
فقد صارت ريما تلاصقها كل ما همت بالقراءة فيه، فتنشأ مشادة بين الفتاتين.
الم تكن تلك مهمتها الخاصة))؟، فلماذا تصر ريما على منافستها فيها؟، ولم تكن ريما لتتردد في الهتاف بصوت عال حتى تسمع سونيا
أوا ليس لي هذا الكتاب؟، إذن هاته)).
كل ما تقدمت ندى في القراءة، ازدادت تعلقا ، ليس بالكتاب، بل بشخص الرسول (صلى الله عليه وسلم).
كم من مقطع كررت تلاوته وعيونها تفيض بالدمع. كم من مقاطع أخرى اشعرتها بانشراح عجيب، وملأت يومها نورا قدسيا مبهجا
لقد كان رجلا عظيما، بقلب رحيم لفتات حانية، ونظرة محافظة وثاقبة في آن.
سلوكه راقي وسمته التوضع، يحيط به لا صحابة فقط بل أمة كاملة.
لم تتوقف كثيرا أمام المعجزات، بل ركزت انتباهها على الأفعال التي بدت لها ملهمة أكثر من كل الخوارق
تذكرت كلمات قالها أحمد في أحد النقاشات:
إني أريد ان أعيش على خطى الحبيب، محمد ابن عبد الله (صلى الله عليه وسلم)، فمن قدوتك أنت؟
لم تستطع الرد عندها ، فلم تكن قد فكرت في موضوع القدوة من قبل. كانت مستقلة برأيها ومكتفية بنفسها
لكن أحمد اضاف:
ارجو أن تتبعي زوجك لاحقا، إذا كان ذا خلق ودين وبما أننا سنتزوج، فإنني أوسيك بنفسي خيرا، وأنا أهل له»
فكرت في أثناء قراءتها في إعجاب، لو كان أحمد يريد ان يشبه هذا الرجل، ، فإنه لأمر مطمئن.
كان يقول، إنه يتمنى أن يأخذ الرسول محمدا (صلى الله عليه وسلم) بين ذراعيه، أن يقبله ويضمه.
لكنه كان يخشى ألَّا يستطيع النظر في وجهه حين يلقاه، لأنه قصر في واجباته تجاهه وتجاه دينه.
مجرد التفكير في ذلك كان يجعل جسده يرتجف كالمحموم
فكرت ندى أنها لم ترى بشرا يتعلق ببشر آخر إلى تلك الدرجة. حتى المسيحيون،
فإنهم يقنسون المسيح كابن للرب، وليس كبشر مثلهم.
دخلت ندى بيتها. القت حقيبتها وكراساتها في زاوية، ثم ارتمت على السريرفي إعياء.
التفتت إليها ريما التي كانت تجلس إلى المكتب تراجع دروس الفقه والعبادات،
ورسمت على شفتيها ابتسامة طفولية عذبة.
-أهلا بعودتك!
كانت ندى قد عادت إلى الدراسة منذ أيام قليلة، بعد أن تم الاحتفال بزواج دانا وميشيل كما اقترحت راشيل،
وبطريقة ترضي جميع الأطراف تقريبا
! فندى تضايقت حين أحجم أحمد وعائلته عن حضور الحفل، واكتفوإ بتقديم هدية للعروسين.
ولم تذخر سونيا جهدا في إبداء استيائها من هذا التصرف، وعادت لتذكر ندى بأن فترة الخطبة طالت بما فيه الكفاية، وصار بامكانها ان تتخذ قرارها بالانفصال!
كانت ندى تتفهم اختلاف العقيدة والممارسات الدينية بينها وبين أحمد، لكنه كان بإمكانه التنازل قليلا وحضور الحفل المنزلي، دون أن يضطر إلى دخول الكنيسة.
لكنه لم يستجب لإلحاحها ، وأصر على عدم دخول المنزل طالما كان الحبر اليهودي حاضرا !
وانعكست تلك الحادثة سلبا على علاقتهما، خاصة مع تباعد لقاءاتهما بسبب انتهاء الإجازة.
أحمد لم يأت هذا الأسبوع!
قالت ريما ذلك في قلق. أشاحت ندى بوجهها في ضيق وهي تقول في عدم اكتراث:
احمد سافر إلى صيدا ... أمامه سنة دراسية أخيرة قبل أن يتخرج...
هتفت ريما في اهتمام:
هل سيتخرج هذه السنة؟ وماذا سيعمل؟
سيصير مهندسا زراعيا وربما يهتم باستصلاح ارض جده...
اقتربت منها ريما وهي تقول بنفس الحماس:
رائع! إنها مهنة جميلة ونبيلة، ثم اضافت في تفكير:
هل ارض جده بعيدة؟
خمسون كيلو مترا تقريبا عن بلدتنا.
وصيدا... هل هي بعيدة؟
نعم بعيدة...
إذن هل سيأتي كل أسبوع للدرس؟، انقلبت ندى على جانبها وهي تقول في ضيق:
لا أدري؛
كانت منزعجة من أشياء كثيرة.
فلم تكن تصرفات أحمد وحدها ما يقلقها ، لم تكن الأوضاع هادئة في الجنوب، وكانت تسمع كل فترة عن عمليات جديدة وصدامات متكررة بين مجموعات المقاومة، وجيش الصهاينة.
فيزيدها ذلك خوفا على أحمد، خاصة أنه قد ابتعد عنها وعن عائلته برجوعه الى صيدا، فلم يعد بامكانها الاطمئنان عليه ومتابعة أخباره عن قرب. لكن ما إن يتصل بها وتطمئن إلى سلامته، حتى تطوق نفسها مشاعر الغضب والغيظ اللتي شبت من تصرفاته الأخيرة التي عنتها نوعا من اللا مبالاة بمشاعرها!
وفي حين كانت هي تتظاهر بعدم الاكتراث له ولاتصالاته، كانت ريما تظهر اهتماما كبيرا ، وتسأل عنه بشكل متواصل.
فتقلق إن تغيب اسبوعا أو تأخرعن موعده، وتلح على ندى حتى تتصل بعائلته، وكان كل ذلك يشعل الغيرة في قلب ندى...
ولم تكن في تلك الآونة في أحسن حالاتها وهي ترى إمعان ريما في السؤال عنه وعن دراسته ومستقبله!
سكتت ريما للحظات، وقد أحست بأن ندى ليست في مزاج جيد، ثم قامت لتجلس إلى المكتب من جديد
لكنها كانت قلقة هي الأخرى، ولم يكن بإمكانها التركيز كثيرا. فمنذ تزوجت دانا وعادت ندى إلى كليتها، اصبحت تجلس ساعات طويلة بمفردها في الغرفةة
كانت تتحاشى نظرات سونيا الغريبة، كما كانت تتحاشى نظرات تانيا من قبل. ربما لم يكن الأمر ليزعجها حين كانت تقيم عند جاكوب، فهي كانت نوعا ما في بيتها، ومع العائلة التي نشأت فيها وتعودت عليها حتى صارت قطعة منها...
لكن الأمر مختلف جدا مع سونيا. فهي تبقى ضيفة عندها وغريبة عنها تماما
صارت تفكر كثيرا وتتأمل في واقعها ومستقبل حياتها.
كان قد مر أكثر من شهر على إقامتها في منزل ندى.
كان جورج لطيفا جدا معها، مثل ندى تماما. يسأل عنها ويهتم لأمرها... ذكرها ببابا يعقوب! وتساءلت في شيء من الاستغراب عن المفارقات العجيبة التي جمعت شخصا طيبا مثله بامرأة متحجرة مثل سونيا
ولم تكن تلك هي الحالة الوحيدة التي تدعو إلى العجب، فجاكوب وراشيل أيضا كل منهما حظي بشريك ذي طباع مختلفة !
وهي، كيف سيكون شريك حياتها يا ترى؟، كانت ككل البنات في مثل سنها قد بدأت تعيش أحلاما وردية، وتكون صورة شبه كاملة، بمقاييسها الخاصة، عن فارسها. وحين كانت تشتد عليها الظروف، كانت تتوجه
إلى الله، وتسأله ان يرسل إليها من ينقذها ويخرجها من حياة الذل والهوان، ويحافظ على دينها ويحميها.
لكن سرعان ما كانت تتراجع وترضى بما هي فيه، فتدعو الله أن يهدي أهلها ويردهم إليه ردا جميلا...
فهي تحبهم ولا تريد فراقهم قبل كل شيء ?.
وأما الفارسى، فقد طردته من خيالها مبكرا ، حتى لم يعد له مكان في حياتها. وسرعان ما استعاضت عنه بهدف جديد...
انتبهت من أفكارها حين جاءها صوت ندى وهي تقول:
ريما..، ربما من الأفضل أن تسجلي في المدرسة الثانوية لاستكمال دراستك...
لامت نفسها على برودها وجفافها معها منذ لحظات، وفكرت في مجاذبتها أطراف الحديث.
فهي تعلم مقدار وحدتها، وتحس بالفراغ الذي تعيشه في الفترة الأخيرة، وفكرت في أن ممارستها لبعض النشاطات الخارجية سيساعد في تحسين نفسيتها كثيرا.
تابعت في لهجة حادة:
هناك مدرسة قريبة، فيها الكثير من المسلمين، يمكنك أن تلتحقي بها... فالسنة الدراسية قد بدأت منذ أسابيع فما رإيك.
نظرت إليها ريما في تردد، ثم قالت:
ولكنني لن أظل هنا طويلد... بل سأعود إلى مدرستي في تونس قريبا.، راشيل وعدتني بأنها ستعيدني!
تنهدت ندى في رذاء وقالت مشفقة: - لكن خالتي راشيل لم تظهر منذ مدة طويلة.
حتى إنها لم تحضر زفاف دانا، ربما صادفتها بعض المعوقات، وصار من العسير عليها إعادتك الآن
لم ترد ريما أن تصدق كلام ندى، مع أن نفس الأفكار كانت تراودها منذ أحست بتمادي إقامتها في لبنان أكثر مما توقعت.
لكنها كانت قد صدقت وعد راشيل من كل قلبها.
وكيف لا تصدقه وهو الأمل الذي تتمناه؟ ،أما الآن، فإن ما أالت إليه حياتها ينذر بذبول الأمل وتلاشيه القريب!
سرحت بنظراتها متفكرة دون أن تعلق،، ولم تكن حيرتها قد تاهت عن ندى، فقالت مطمئنة:
لا داعي للقلق... ستظلين هنا معي، وسنقضي أوقاتا ممتعة معا... أليس كذلك؟
كانت قد أمسكت بكفها بين يديها في حنان، وتطلعت إليها باسمة.
بادلتها ريما ابتسامة واهنة، ثم قالت وهي ترنو إلى السماء التي تظهر صافية من خلال النافذة:
هل تعلمين... ربما كنت محقة.
ربما من الأفضل ان أظل هنا بعض الوقت .
سكتت للحظات، ثم التفتت إلى ندى وقد اتسعت على شفتيها ابتسامة واثقة:
هناك أشياء يمكنني أن افعلها في لبنان... لا يمكنني ان افعلها في تونس، أليس كذلك؟
لم تفهم ندى ما رمت إليه ريما، لكن كلماتها بدت مطمئنة. فهزت رأسها موفقة وهتفت في حماس:
إذن تودين التسجيل في المدرسة؟
قبل أن تجيب ريما، فتح باب الغرفة في عنف، وظهرت سونيا عند المدخل.
التفتت الفتاتان إليها فزعتين، وانكمشت ريما على نفسها في توجس تحت نظرات سونيا القاسية.
هتفت ندى مستفسرة:
أمي... ماذا هناك؟
كانت سونيا تحلق في ريما في حدة وهي تقول في برود شديد:
أمور كثيرة يا صغيرتي. أمور كثيرة تغيرت... ويجب علينا ان نتصرف إذاءها!
اطرقت ريما بنظراتها إلى حجرها ، وقد أيقنت بأن الأمر يخصها
وأمام نظرات ندى المتسائلة، أخذت سونيا تشرح في هدو:
خالتك راشيل سافرت منذ فترة، وحين قمت بتحرياتي الخاصة، وجدت أن كل الأدلة تشير إلى أنها لا تنوي العودة إلى هنا...
فقد تم بيع المنزل بسرعة، وزوجها قد تقدم باءجازة مفتوحة من عمله، وجميع محاولات الاتصال بها باءت بالفشل!
قالت ندى في استغراب:
ئكننا نعلم أنها سافرت إلى تونس لقضاء الإجازة... ولا أشك أنها ستظهر عما قريب!
أشارت سونيا بإصبعها نافية وهي تجيب بلهجة قاطعة: -
لا يا عزيزتي... ربما كانت راشيل بالفعل قد سافرت لقضاء الإجازة، لكن تصرفات زوجها توحي بأنه دبر للعودة النهائية إلى تونس!
ربما لم يستشرها في الأمر ووضعها امام الأمر الواقع، ، لكن النتيجة بالنسبة إلي سيان!
راشيل تركت ريما عندنا ووعدت بدفع مصاريفها طوال فترة اقامتها عندنا ، لكنها اختفت ولم تدفع شيئا!
فلا أرى أمامي سوى خيارين اثنين، لا ثالث لهما... هبت ندى واقفة أمام والدتها وهي تفتح ذراعيها لتحمي ريما وهتفت في احتجاج:
- لا أرجوكي ، لا تفعلي هذا!
ريما ستظل عندنا! لا يمكن ان تفعلي معها هذا،
لم تكن ريما قد تحركت من مكانها ولا نطقت ببنت شفة ،كانت تجلس في نفس الوضعية وهية مطرقة، تحدق في أصابعها النحيلة في انكسار.
أين يمكنها أن تذهب بعد ان تخلى عنها الجميع؟ إنها في بلاد غريبة لا تعرف فيها أحدا غير عائلة ندى.
وللحظات، فكرت في عائلة احمد،: سماح والسيدة سعاد كانتا طيبتين جدا معها ، وأحمد كان يعلمها الدين عن طيب خاطر.
لكن هل يكفي هذا حتى تفرض عليهم نفسها في بيتهم وتعيش معهم؟
لكن إلى من يمكنها أن تلجأ غيرهم؟، تجمعت العبرات في عينيها وتساقطت في صمت على كفيها.
كانت منذ حين تناقش ندى عن المدرسة. وها هي بعد دقائق معدودة على وشك أن تطرد من البيت الذي يؤويها !، سبحان الله
تأملت ندى وهي تصرخ وتواجه والدتها مكانها.
كم هي طيبة ندى ايضا.
إنها تهتم لأمرها وتدافع عنها.
لكنها من الآن فصاعدا يجب أن تعتمد على نفسها. إلى متى ستظل ضعيفة تحتاج إلى المساندة والمساعدة؟، يمكنها أن تهتم بنفسها وتقرر بشأن مستقبلها
جاءها صوت سونيا أخيرا وهي تقول في حزم:
أعلم أنها وحيدة في البلاد ولا أقارب لها... لذلك لن أطردها
تسمر ندى وريما مكانيهما في توجس، وهنَّا تدركان بأن الحديث لم ينته بعد، فتابعت سونيا عرضها:
لكنها يجب أن تدفع مصاريفها وأجرة إقامتها معنا!
هتفت ندى مجددا :
أمي! !
لوحت سونيا بكفها في لا مبالاة:، هو عرض واحد وليس لدي غيره، إن كانت تريد البقاء فعليها أن تعمل في تنظيف البيت والمطبخ... وجميع الأعمال المنزلية. وفي المقابل، نؤويها ونطعمها من طعامنا
ماذا قلت؟
همت ندى بأن تعترض، لكن ريما وقفت في صلابة وهي تمسح دموع ضعفها،قالت بصوت عميق خال من الانفعالات:
نعم أقبل!، شكرا لك يا سيدتي!
تنهدت سونيا عند ئذ، ورسمت ابتسامة مهادنة على شفتيها وهي تقول:
ممتاز! نبدء من الآن إذن...
ثم أضافت وهي تسير إلى الباب:
إغسلي أكوام الصحون في المطبخ، وأعدي العَشاء.
وحين تنتهين من ذلك قومي بكي الملابس النظيفة، وأعيدي طي الملابس في خزانتي وخزانة ندى، فقد عمتها الفوضى...
قاطعتها ندى في حدة:
يمكنني أن اكوي ملابسي وأطويها. لست بحاجة إلى مساعدة أحد!
رمقتها سونيا في استهجان، ثم أضافت كأنها لم تسمعها:
- ثم امسحي أرضية المنزل، ونظفي بلور النوافذ... ولا تنسي تنظيف الأثاث من الغبار!
احتجت ندى مرة أخرى ،ولكن الليل سيحل قريبا ، كيف ستقوم بكل هذا ؟
هزت سونيا كتفيها كأن الأمر لا يعنيها ، وقالت مخاطبة- ريما
حين أستيقظ صباحا ، اريد أن يكون كل شيء كما أريد... وانتهي من الخزانة قبل أن آوي إلى سريري...
أفهمت؟ سأضع لكي قائمة مشتريات الغد. ،أريد منك أن تذهبي إلى السوق عند الصباح...
أومأت ريما برأسها في تسليم، وقد أيقنت بأن مرحلة جديدة في حياتها قد آذنت بالبدء.
*********************
إلي هنا ينتهي الفصل الخامس عشر من رواية فى قلبى انثي عبرية بقلم خولة حمدى
تابع من هنا : جميع فصول رواية فى قلبى أنثى عبرية 
تابع من هنا: جميع فصول رواية حكاية بقلم إيمان الصياد
تابعوا صفحتنا على الفيس بوك للمزيد من روايات حب
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

يسعدنا تلقي اقتراحاتك أو تعليقك هنا

الاسمبريد إلكترونيرسالة