U3F1ZWV6ZTMzNTg0ODE3NzI1X0FjdGl2YXRpb24zODA0Njk2NDgxODg=
recent
آخر القصص

رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى - الفصل التاسع والعشرون

أصدقائي الأعزاء متابعي موقع قصص 26 يسعدني أن أقدم لكم الفصل التاسع والعشرون من رواية فى قلبى أنثى عبرية بقلم دكتورة خولة حمدى وهي رواية واقعية إجتماعية ممزوجة بالحب وأيضا  تتسم بالكثير من الأحداث والمواقف المتشابكة التي ستنال اعجابك بالتأكيد فتابع معنا.

رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى - الفصل التاسع والعشرون

حمل تطبيق قصص وروايات عربية من جوجل بلاي
رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى
رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى

رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى - الفصل التاسع والعشرون

كيف أنت الآن يا أحمد؟
حاول أن يبتسم مجاملة للطبيب الذي يتابع حالته في صبر:
الحمد لله...
هل تذكرت شيئا؟، أي شيء، حتى لو كان بسيطا وغير ذي قيمة؟
سكت للحظات وهويحاول إعمال عقله:
لست أدري...
لكن هناك أشياء تبدو لي مألوفة نوعا ما...
صحيح أنني لا أذكر أحدا من أفراد عائلتي، إلا أنني أحس بالارتياح بينهم.
هناك اشخاص التقيتهم، يبدو أنهم كانوا رفاقي في الماضي... ووجدتني أنسجم معهم بسهولة.
أحس في أعماقي بأنني أعرفهم منذ زمن.
قاطعه الطبيب ملاحظا:
لكن هذا قد يحدث مع شخص تلتقيه للمرة الأولى. إحساس الارتياح والانسجام بين شخصين ليس متصلا بالضرورة بمعرفة سابقة...
هز أحمد رأسه موافقا، وقد عادت إليه الحيرة والضياع.
استطرد الطبيب بسرعة:
هل حاولت مثلا ان تتعرف إلى النشاطات التي كنت تمارسها في الماضي؟
تذكر صلاته في المسجد منذ يومين.
والده قال إنه كان مواظبا على الصلاة في السابق.
قال في حرج:
صليت في المسجد.
نظر الطبيب في دهشة إلى الصليب الذي لا يزال يتدلى من عنقه وقال في فضول:
وهل احسست شيئا جديدا؟، كيف كانت التجربة؟
تردد احمد ثم قال في شيء من الارتباك:
لست أدري.
منذ سنوات وأنا اذهب إلى الكنيسة للدعاء والصلاة.
لكن حين دخلت المسجد، أحسست برهبة
أحسست بعظَمة المكان وقدسيته...
جلست اتأمل الناس في صلاتهم.
ثم وقفت وجربت أن اركع وأسجد معهم.
كنت أسمع تمتمة وهمهمة، لكنني لا ادري ما الذي يقولونه.
شجعه الطبيب على المواصلة وهو يسأله:
وهل حاولت أن تعرف ما الذي يقولونه في الصلاة؟
هز رأسه نافيا:
تحرجت من ذلك... ثم هي صلاة على اية حال، لا شك انهم يدعون الله... اليس كذلك؟
ابتسم الطبيب وهو يسجل بعض الملاحظات في دفتره: -نوعا ما... ثم اضاف مغيرا الموضوع:
عرفت أنك زرت الجامع والمبيت الجامعي.
هل تذكرت شيئا هناك؟
هز رأسه نافيا
ابتسم الطبيب مطمئنا ثم وقف وهو يدعوه إلى أن يتبعه:
تمدد على الأريكة وتنفس بعمق كما علمتك في الجلسة السابقة...
حاول الا تفكر في شيء، دع الفراغ يملأ عقلك. سأتحدث إلى والدك ثم أعود.
أطاعه أحمد في خضوع. أرخى رأسه فوق الوسادة المريحة وجعل عضلات جسده تسترخي.
سحب نفسا عميقا وهو يعد إلى أربعة، حبس الهواء في رئتيه لأربع ثوان، ثم تركه يتسلل ببطء عبر فمه في زفير طويل...
عد إلى ثمانية قبل أن يسحب نفسا جديدا.
لا يجب أن تفكر في شيء.
استرخ فقط. لا تفكر في شيء
كان التمرين مضنيا.
هو الذي امتنع عن التفكير في هويته وماضيه لسنوات أربع، يجد صعوبة الآن في السيطرة على الأفكار الكثيرة المشوشة التي تملأ عقله.
لا تفكر... أريد فراغا الآن. لا تفكر.
عاد الطبيب إلى قاعة الانتظار ودعا أبا أحمد للدخول. طالعه هذا الأخير في لهفة، فقال:
كما قلت لك في المرة الماضية، احمد لا يذكر شيئا الآن عن ماضيه، لأنه مر وقت طويل على فقدانه الذاكرة دون أن يتعرض لمؤثرات قد تثير ذاكرته, لذلك فإن استجابته ستكون بطيئة نوعا ما, قد يتطلب العلاج وقتا أكثر من العادة،
لكن يجب ألا نيأس أبدا.
أضاف وهو يرسم دائرة على الورقة أمامه:
خلافا لما يعتقده عامة الناس، فإن الذكريات الحديثة يكون استرجاعها أصعب من الذكريات القديمة.
فالأحداث التي يمر عليها زمن أطول تكون أكثر حفظا في الدماغ.
قال ذلك وهو يشير بقلمه إلى القسم الخلفي من الدماغ على رسم بياني علق على الجدار، ثم تابع:
قد يساعدني أن أعرف مثلا، هل انتقلتم إلى منزل جديد حديثا... هل تقيمون في المكان الذي ارتبطت به طفولة أحمد؟
بعد زواجي أقَمْت لفترة في بيت والدي رحمه الله ، وهو منزل ريفي صغير تحيط به أراضي فلاحية.
أحمد ولد هناك وعاش طفولته هناك أيضا. كان متعلقا كثيرا بجده وبالفلاحة... حتى إنه اختار أن يكون مهندسا زراعيا...
تهللت أسارير الطبيب وهويهتف:
-ممتاز، ما عليك فعله الآن، هو اخذه في زيارة إلى هذا المنزل الريفي ...
فكر للحظات ثم هتف من جديد:
بل سيكون من الأفضل أن تتركه يقوم بالزيارة بمفرده. وجود أشخاص حوله يسألو باستمرار إن كان قد تذكر شيئا لن يساعده على التركيز، وسيشعره بالإحباط إن لم تكن النتيجة فورية...
هز أبو احمد رأسه موافقا. صافح الطبيب في امتنان وهو يهم بالمغادرة.
استوقفه الطبيب حين وصل إلى الباب وهو يقول بابتسامة واسعة:
- آه، شيء آخر... أتركوا كتاب قرآن في غرفته، في موضع تقع عليه عيناه بسهولة...
لكن دون تعليق من أحد أو دعوة للقراءة فيه، دعوه يتصرف بحرية.
أنتظر زيارته بعد ثلاثة ايام

منذ عودته وهو يحس بالاختناق.
لا يشعر بأنه في مكانه الصحيح. كأنه قطعة شطرنج فقدت مكانها على الرقعة، وتلعب دورا غير دورها
يحس بالألم وهو يرى علامات الخيبة على وجوه هؤلاء الناس المتيقظين لكل حركاته وسكناته، ينتظرون منه إشارة إيجابية، لكنه لا يستطيع أن يلبي حاجتهم...
يحس بالخوف من الأيام المقبلة بعد السنوات الأخيرة التي قضاها في فلاحة الأرض.
إنه يحب الأرض ويهوى ترابها وهواءها وثمارها، لا يحس بالراحة بعيدا عنها فهل سيتأقلم بسهولة مع العيش في مثل هذه المدينة المكتظة؟
حين اقترح عليه والده أن يقضي بعض الوقت في منزل ريفي تمتلكه العائلة، رحب بالفكرة.
لم يكن قد تعود بعد على هواء المدينة الفاسد ومبانيها الشاهقة الخانقة.
مر بمدن كثيرة خلال رحلة بحثه عن هويته، لكنه كان يختار الإقامة خارجها.
تعود الهدوء والوحدة، ووجد توازنه في أحضان الطبيعة قاحلة كانت أم غناء
ليس من السهل عليه أن يتحول إلى حياة اجتماعية طبيعية، كما يريدون منه
توقفت السيارة أسفل التلة.
نظر إليه والده مبتسما وهو يشير إلى منزل يتربع أعلاها:
- هذا منزل جدك رحمه الله...
رفع أحمد بصره إلى حيث أشار.
للحظات أحس بالدوار.
نزل متمهلا من السيارة وهو يغمض عينيه.
أشاح بوجهه حتى لا يلاحظ والده التغيير الذي طرأ على ملامحه.
رفع رأسه بعد لحظات وأجال بصره في المكان متفحصا.
ومضت صورة في رأسه فجأة.
تسارعت دقات قلبه وهو يواصل تسلق الربوة.
إنه يعرف هذا المكان.
تضاعف عدد المباني في الجوار... اختفى جانب من الغابة بأشجارها البرية، وظهرت صفوفا من الأشجار المثمرة من الجهة الأخرى.
لكن الصورة التي ملأت رأسه كانت قريبة جدا, تبعه والده بخطوات سريعة، وهو يتابع حركاته في اهتمام وترقب.
لكنه تذكر فجأة توصيات الطبيب...
لا يجب ان يقاطعه.
حين وصلا إلى سور المنزل المنخفض، دس في كفه مفتاحا معدنيا قديما.
ابتسم وهو يربت كتفه:
سأتركك هنا. لدي بعض الأعمال خارج المدينة وقد أبيت هناك
اتصل بأيهم حين تريد العودة.
طالعه أحمد وفي عينيه نظرات شاردة:
لا داعي... سأستقل سيارة اجرة. نظر إليه والده في دهشة وتوجس:
هل أنت متأكد؟
ابتسم احمد ابتسامة خفيفة وهو يقول:
صحيح أنني فقدت ذاكرتي، لكنني أحتفظ بمداركي العقلية.
لست طفلا يمكن أن يتوه بسهولة.
كم أبلغ من العمر؟
أه... أوراق هويتي تقول إنني قد اقتربت من نهاية العقد الثالث...
ابتسم ابو أحمد وهو يشد على كفه في حرارة، ثم قال قبل أن يبتعد في اتجاه سيارته:
الشارع الرإيسي من هذا الاتجاه، على بعد مائتي متر.
ستجد سيارة تقلك من هناك.
تابعه أحمد بنظرات واجمة حتى تحركت السيارة، ثم دفع الباب الخشبي المنخفض.
تجاوز السور إلى الباحة المفروشة بالتراب.
انحنى ليمسك قبضة من التراب الندي، يعصره بين أصابعه، كأنه يسأله عن حاضره المفقود... وماضيه الضائع.
أغمض عينيه لثوان. تراءت في مخيلته صورة طفل صغير يرقض عبر الفناء أخذت ضحكاته البريءة المشاغبة تملء عقله.
فتح عينيه وقد اضطربت أنفاسه.
هل هو بصدد التذكر؟، هل كانت صورا من طفولته؟
نفض عن كفيه التراب ثم سار باتجاه الباب الداخلي.
تناول المفتاح القديم، بقدم الباب الحديدي الصامد، وأداره في القفل.
يبدو أنه لم يفتح منذ وقت طويل.
وضع كفه على صفحة الباب يتلمس وجهه الصدئ.
أخذ نفسا عميقا ثم دفعه برفق ليخطو إلى الداخل.
كان يتوقع الكثير وهو يجتاز عتبة الباب.
استعد لكم الذكريات التي انتظر أن تهاجم عقله مع توغله في المكان.
كان جسده المنتفض يشهد بشوقه لما سيراه ويحسه ويعيشه.
لكن ما حصل مع دخوله فاق كل توقعاته.
ما إن وضع قدمه على الأرض، حتى تركز انتباهه عليها دون غيرها.
سمع لخطواته وقعا غريبا، كأنه يدوس على جسم طري يحول بين قدمه والفناء المبلط.
تراجع خطوة وهم بالانحناء لاكتشاف الجسم الغريب، لكن حركته بترت فجأة وظلت ذراعه معلقة في الهواء وظهره يرسم نصف انحناءة.
تسمر في مكانه وهو يطالع المشهد الذي شد نظراته وأوقف كل حواسه دفعة واحدة.
هناك في فناء الدار المسقوف، كانت هناك عشرات، لا بل مئات، من الظروف المتناثرة التي غطت بعضها الأتربة، وتلاعبت الرياح المتسللة من شقوق الباب وفتحاته ببعضها الآخر، لتنشرها في ثنايا الدار.
تحت قدميه، كانت كومة منها تسد المدخل.
هل كانت الدهشة ما سيطر عليه في تلك الآونة، أم اللهفة؟
رسائل غريبة... كثيرة جدا ، تنتظره في ملتقى الماضي والحاضر. كيف عليه أن يستقبلها؟
قبض على مجموعة منها وأخذ يقلبها بين يديه. كانت كلها باسمه!
باسم أحمد دون غيره.
قبض قبضة أخرى، وأخرى، وأخرى... كلها باسمه! وكلها من مرسل مجهول
وجد نفسه يَحْبو على ركبتيه، يجمعها بشراهة وشوق، جمعها كلها حوله وجلس على الأرض دقات قلبه تتسارع بشكل مجنون.
منأين يبدأ؟

لم يغمض لها جفن تلك الليلة.
ما إن وضعت رأسها على الوسادة، حتى تدفقت الذكريات، كأنها تصب على رأسها صبا
رأت شريط حياتها يمر أمام عينيها , حياتها قبل احمد. حياتها مع احمد. حياتها بعد فقدان أحمد.
قطعا، حياتها انقلبت رأسا على عقب منذ أن عرفته.
انقلبت ثانية حين فقدته.
وها هي توشك على فقدان توازنها نهائيا مع عودته
أخرجها من عالمها الضيق وسار بها إلى نور أضاء كل ثنايا وجودها المهمش.
أهداها اغلى هدية قد يهديها بشر لبشر... نور الإيمان.
لا يمكنها إلا أن تكون شاكرة ممتنة له، ممتنة له من كل قلبها، ومع ذلك فألمها لا يقدر!
كانت قد عودت نفسها على غيابه.
تحررت من طيفه الذي لازمها كظلها لِزَمَن طويل، وقررت أن تعيش في عالم لا وجود لأحمد فيه.
كانت في حاجة إلى تجاوز الماضي حتى تقدر على تأسيس عائلة وبناء كيانها الجديد بشكل سوي.
وفجأة، يأتيها خبر مؤكد بأنه على قيد الحياة.
في مكان ما على سطح الأرض، غير بعيد عن موطنها، يوجد أحمد جديد.
لا يعرفها ولا تعرفه. لكنه يبقى أحمد رغم كل شيء كيف يمكنها تجاهل وجوده بكل بساطة؟، كيف ستسير أيامها بشكل طبيعي وهي تعلم أنه قريب؟
هل ستقضي حياتها تتجاهله وتهرب من خياله؟
ماذا ستفعل إن اعترض طريقها يوما؟، بل هل يمكن أن تتغير المعطيات ويتعرف عليها؟
ماذا لو ذكرها ؟
رباه
لا تنكر أنها تتشوق لرؤيته مجددا بعد كل هذا الغياب
ذلك الرجل الذي ملك قلبها وعقلها حتى وقت قريب.
كيف يبدو؟، هل تغير شكله؟، هل نحف أم الزداد وزنه؟
هل هو... هو؟
سماح تقول إنه لم يعد هو
لم يعد مسلما.
أحست بألم في صدرها
أين ذهب النور الذي كان يملأ حياته؟، هل انطفأ فجأة؟
يالهذا القدر...
هداها إلى السبيل ثم حاد عنه؟
رغم كل محاولاتها للخلود للنوم، لم تستطع أن توقف سيل الأفكار التي أقضت مضجعها...
احمد، الرجل الذي أحبته.
أحمد، الرجل الذي احترمته وتعلمت منه.
احمد، الرجل الذي شاركها أحلامه وأرادها شريكة لحياته...
كلهم ذهبوا بلا رجعة.
فاجأت نفسها وهي تتنهد في حسرة.
توقفت فجأة وزجرت نفسها.
أليست أفكارها هذه خيانة؟، إنها تتهيأ الآن لبدء حياة جديدة مع حسان.
لا يمكنها أن تفكر في غيره.
لا يمكنها أن تدع مجالا في تفكيرها لرجل آخر. حتى لو كان احمد؟
كيف لها أن تبُنَيّ بيتا مستقرا وهي لم تحسم أمر احمد هذا بعد؟
احمد الذي لا يعرفها ، أحمد الذي نسيها
ذكرت نفسها مجددا، من المهم أن تبقي هذه النقطة دائما أمام عينيها.
احمد لا يعرفها الآن. أحمد تخلى عنها.
رددت في إصرار.
سحبت اللحاف لتغطي رأسها
عصرت عينيها بشدة لتمنع دموعها من التسلل.
تحاول الفرار من هواجسها وأحاديث نفسها
لا تدري لو كان يذكرها في أي مأزق ستكون...

أدار أبو احمد المفتاح في قفل الباب ودخل.
تنحنح ليثير انتباه أهل الدار ثم رفع صوته بالسلام.
كان قد عاد للتو من سفره بعد أن قضى الليلة خارج البيت.
أطلت الخالة سعاد من المطبخ، وقد ربطت منديلا على رأسها ورفعت أكمام ثوبها.
استيقظت باكرا وأعدت الفطائر التي تتقنها حتى تدخل السرور على قلبي زوجها وابنها الغائبين.
وما إن تبين لها القادم، حتى هرولت إليه في شوق وهي تمسح يديها الغارقتين في زيت الزيتون بمنديل المطبخ.
لكنها توقفت في دهشة وهي تراه يتقدم بمفرده.
تطلعت إلى الباب المغلق وهي تهتف في حيرة:
أين أحمد؟ الم يأت معك؟
نظر إليها في دهشة بدوره وهو يهتف:
ألم يعد إلى البيت؟، كيف ذلك؟
تركته البارحة في منزل الضيعة...
صاحت سعاد وهي تضرب صدرها بكفها:
-كيف تتركه وحده؟، هل يكون قد ضاع مجددا؟
همس أبو أحمد محاولا تهدئتها وهو يتجه إلى غرفة الجلوس حيث الهاتف:
رويدك، رويدك... لا تهولي الأمر.
قد يكون ذهب إلى منزل سماح.
هتفت وقد شحب وجهها وصوتها ينذر ببكاء قريب:
كيف يمكنه أن يذهب هناك؟ إنه لا يعرف المدينة...
قال وهو يكون رقم هاتفه الشخصي:
أعطيته هاتفي الجوال، وطلبت منه الاتصال بأيهم حين يريد الرجوع.
حين ألفى الهاتف مغلقا ، كون رقم منزل ابنته.
أشار إليها بالصمت حين جاءه صوت سماح على الطرف الآخر من الخط.
سماح، هل قضى احمد الليلة عندك؟
استمع إلى هتافها المفاجئ في قلق وتوجس.
وضع السماعة في خيبة.
كانت حالة أحمد غريبة البارحة.
لم يكن على طبيعته. كان يجب ان ينتبه إلى ذلك.
هل تراه يفكر في الفرار منهم لأنه لا يذكرهم؟
هل تراه لم يطمئن إلى العيش معهم وهو يعدهم غرباء؟
كانت الأفكار السوداء تداهم عقله.
يا رب سترك...
تمتم في توتر وهو يتناول مفكرته.
سأحاوال الاتصال بكل أصدقائه القدامى... ربما يكون قد لقي أحدهم.
قاطعته سعاد في تساؤل:
هل يكون قد قضى الليلة في الضيعة؟
رفع رأسه في شك.
هل يفعلها؟
لكن البيت قديم ومهجور منذ سنوات... لا يوجد نور كهربائي والماء مقطوع.
ما الذي سيفعله هناك؟
تبادلا نظرات متسائلة مليئة بالشك
أين يكون

جافاه النوم طوال الليل.
عالج القنديل القديم بإصرار حتى تمكن من إيقاده، وجلس لساعات طويلة يقرء الرسالة تلو الرسالة.
لم يدر كم مر عليه من الوقت وهو على تلك الحال
حين رفع عينيه الدامعتين عن قطعة الورق الأخيرة، كانت الشمس قد ارتفعت في كبد السماء منذ ساعات.
قرأها دون ترتيب
لم يكن لديه الصبر الكافي ليعيد تنظيمها حسب تاريخ إرسالها ، لكن الأحداث التي تحملها ارتصفت تلقائيا في ذهنه حسب تسلسلها الزمني.
كل قطعة أخذت مكانها لترسم في رأسه ببطء، مشهدا متكاملا.
بكى طويلا مع كل خواطرها...
وهي تحكي له تجربتها في الغربة، وهي تبشره بإسلامها ثم بحجابها، وهي تبث إليه حزنها بوفاة أخيها المسيحي وعائلته، وهي تنعي إليه زوج أمها الذي رباها وأشفق عليها كابنة من صلبه، وهي تشكو إليه ضياعها وتشردها وقسوة والدتها عليها...
بكى بحرقة، كأنه يحس بكل كلمة من كلماتها.
كأنه يعيش معها السنوات الأربع الماضية يوما بيوم...
تلك المجهولة!
من تكون؟، من تكون حتى تكتب إليه كل يوم طوال فترة غيايه؟
من تكون لتشاركه حياتها بكل تفاصيلها على الورق، في حلها وترحالها، في مصيبتها وفي عيدها؟
لم يمنعها عن الكتابة سوى المرض الشديد الذي أقعدها عن الحراك!
من تكون؟، لا شك )أنها كانت قريبة منه بشكل أو بآخر...
تثق به كثيرا،
و... لا يريد أن يتخيل أكثر.
يريد أن يعرف الآن، ماذا كانت بالنسبة إليه - هي، اليهودية... وهو، المسلم.
تقول إنها مدينة له بإسلامها
كان هو من قادها إلى هذه الديانة التي يجهل عنها كل شيء اليوم
حركت كلماتها دواخله.
هل كان داعية؟، والده يقول إنه كان ملتزما بالإسلام، مواظبا على عباداته.
فكر في حيرة... ما الذي ستظنه به إن لقيته اليوم؟
لم يعد الشخص الذي عرفته.
لم يعد يحمل نفس العقيدة والمبادئ. لم يعد الشخص الذي غير حياتها، كما تصفه في رسائلها.
فاجأ نفسه وهو يفكر فيها بجدية واهتمام.
ما الذي فعلته به رسائلها حتى تشغل باله إلى هذه الدرجة؟، لكن السؤال الذي كان يلح عليه أكثر...
أين هي الآن؟
عاد يقلب الرسائل التي بين يديه في اضطراب وقلق. بالكاد يسيطر على انفعالاته.
كانت الرسالة الأخيرة قد وصلت منذ قرابة السنة. انقبض قلبه فجأة.
ربما فقدت الأمل بعودته وقطعت رسائلها ، أو حصلت معها ظروف منعتها عن الكتابة, هل يعقل أن يفقدها وهو بالكاد وجدها؟
هز رأسه بقوة، كأنه ينفض عنه الوساوس القاتمة. ربما كانت هي وسيلته لاستعادة ماضيه وحاضره ومستقبله أيضا...
بعد الليلة التي قضاها مع خواطرها، يحس أنه يعرفها جيدا.
ربما تعرف عليها مباشرة لو صادفها تمشيء في الشارع
إن كانت قريبة منه بهذا الشكل، فلماذا لم يرها مع جملة الأشخاص الذين زاروه ورحبوا به؟
لماذا لم يحدثه عنها احد؟، هل تكون على سفر؟، رسائلها كانت تأتيه تارة من فرنسا وتارة من تونس.
لاحظ الطوابع البريدية وأختام البريد المميزة لكل بلاد، رغم غياب عنوان المرسل في كل مرة.
لسر حفنة من الرسائل في جيب سرواله وخرج لا يلوي على شيء.
لا يدري كيف عبر المسافة الفاصلة بين الضيعة وقانا.
سيارة الأجرة والركض عبر الشوارع والأزقة.
لا يذكر شيئا منها.
تفاصيل أخرى تضاف إلى قائمة المنسيات
لكنها على الأقل لا تغير في مستقبله شيئا.
اللحظات القادمة هي الأهم!

وقف أمام باب المنزل يسترجع انفاسه. عليه أن يتمالك نفسه حتى لا يفزعهم.
طرق الباب برفق. مرت ثوان قليلة بدت له شديدة الطول دون أن يلقى جوابا.
نفد صبره فرفع قبضته ليضرب الباب الحديدي بعنف
سمع خطوات مسرعة تتردد في الممر يصحبها لغط وصخب.
حين فتح الباب، رأى أجسادا ثلاثة تندفع نحوه بقوة.
تراجع خطوة في ذعر، لكن ردة فعله لم تسمح له بالنجاة من احضانهم.
دصاحت والدته بصوت مختنق بالبكاء:
- أين كنت يا ولدي؟، أفزعتنا
ظننت للحظات أنك رحلت عنا مجددا...
استكان بين ذراعيها ولم يحاول التخلص من عناقها.
ابتسم مطمئنا وهو يربت ظهرها
لم يكن هنالك داعي للقلق. لم أكن لأهرب منكم، لأنني. لأنني لا اعرف لي أهلا غيركم على أية حال.
قاطعته في عتاب:
أين كنت كل هذا الوقت؟، كيف اختفيت دون إعلام أحد؟
آسف لأني قضيت الليلة الماضية في المنزل الريفي... لم أكن أريد إثارة مخاوفكم...
لكنني... كنت مشغولا بعض الشيء...
تقدم نحوه والده الذي لزم الصمت حتى ذلك الحين، وهتف في لهفة:
بشرني يابني..، هل تذكرت شيئا ؟
ترددت عينا أحمد بين وجوههم المترقبة.
بما عساه يجيبهم؟ ليس متأكدا مما رأى. تمتم في ارتباك:
لست وا ثقا... ربما تخيلت اشياء حين كنت هناك
ثم اعتذر وهو يشق طريقه في اتجاه غرفته.
تبادل والداه وشقيقته نظرات قلقة.
كانت تصرفاته تنطق بالغرابة. قضى الليلة في المنزل الريفي.
قال إنه كان مشغولا، والآن يقول إنه ليس واثقا
دخلت سماح مستعجلة وهي تهتف:
سأتصل بأيهم,,, لا شك أنه قد وصل إلى الضيعة.
تنهد ابو احمد وهو يساند زوجته التي لم تجف عبراتها بعد.
حين انفرد أحمد في غرفته، تذكر الرسائل التي كانت في جيبه.
يجب أن يسأل عنها.
لكن والديه يبدوان شديدي الحساسية... يعلقان آمالا كبيرة على كل كلمة ينطق بها, ثم أنهما أخفيا عنه وجود هذه الإنسانة لسبب ما.
لذلك لا يمكنه أن يسألهما.
اقترب من الباب وأصغى لوقعع الخطوات.
كانت الحركة قد خفتت في الممر، لا شك أن والدته قد عادت إلى مطبخها، ووالده قد استلقى طلبا للقيلولة.
فتح الباب بهدوء وتسلل على اطراف أصابعه.
ألقى نظرة سريعة على غرفة الجلوس. لم تكن سماح هناك
سار في اتجاه غرفتها
طرق الباب بخفة، ولم ينتظر ليفتح الباب.
فوجئت سماح بدخوله، وقبل أن تنفرج شفتاها لتسأله عما يريده، مد إليها بعض الرسائل التي أخفاها في ثيابه.
انتظر للحظات ريثما القت عليها نظرة.
ومع كل كلمة تقرؤها كان اتساع عينيها يزداد من الدهشة, رفعت رأسها إليه في تساؤل، فهتف في حزم:
- من هي؟

جلست ندى في غرفة الانتظار في قلق.
تلفتت حولها في توتر، تطالع وجوه المرضى الذين يترقبون دورهم.
ما الذي جاء بها إلى هنا؟ لم يكن لديها جواب تسكت به صوت ضميرها المحتج، لكنها كانت في حاجة إلى هذه الزيارة.
في حاجة إلى إجابات ملحة لم تستطع مقاومة صدى ترددها في رأسها.
لكن ما
ابات؟، هل ستغير شيئا في مخططاتها؟
لا يمكنها أن تفعل ذلك. هذه الزيارة عديمة الفائدة ولا يجب أن يكن لها أثر على حياتها.
لا يجب أن تترك المجال لهذه الأفكار حتى تسيطر عليها. فلتغادر الآن، لم يفت الوقت بعد.
تلفتت حولها مجددا ، ثم همت بالوقوف.
تجمدت في مكانها وهي ترى الممرضة تتقدم في اتجاهها.
قالت وابتسامة واسعة تزين وجهها:
' آنستي... دورك الآن.
ترددت للحظات، ثم تبعتها بخطوات مرتجفة إلى الداخل.
وقف الطبيب لاستقبالها وأشار إليها بالجلوس.
لم يعد هناك مجال للتردد.
اتخذت مجلسها حيث اشار وهي تأخذ نفسا عميقا. ثم سألته في شيء من الجزع:
دكتور. هل فقدان الذا كرة نهائي؟
ظهرت علامات الدهشة على وجهه لثانية، لكنه تمالك نفسه بحرفية وهويقول:
طبعا لا...
خلافا لما تسوقه الأفلام والمسلسلات من أفكار، ففقدان الذاكرة نادرا ما يكون نهائيا ودائما
مهما طالت المدة، فلا بد للذاكرة المترسبة من أن تطفو على السطح
حدثيني الآن كيف حصل ذلك؟
فكرت للحظات. لم تكن تملك الكثير من التفاصيل عن الحادثة. لا أحد حدثها عنها وهي لم تهتم بالسؤال. هزت رأسها في قلة حيلة:
-لا أدري...
لم يلح الطبيب بالسؤال. بدا متفهما وهو يردف:
ربما لا تتذكرين ما حصل معك.
لذلك يجب أن أتحدث إلى بعض أفراد عائلثك.
ألم يرافقك أحد؟
ابتسمت هذه المرة في حرج لأنها لم توضح الأمر منذ البداية. قالت وهي تلوح بكفها نافية:
لست أنا من فقد ذاكرته...
لماذا لم يأت المريض بنفسه؟ العلاج يجب أن يكون شخصيا.
المريض مسافر, في بلاد أخرى.
لكنني أردت فقط... أن أستعلم...
ابتسم الطبيب مخففا حرجها وهو يقول:
مدة فقدان الذاكرة تختلف من مريض إلى آخر، قد تكون لبضع دقائق عند البعض وقد تطول لشهور أو سنوات في حالات اخرى...
وبالطبع يختلف الأمر
او لاحقة لها.
سارعت ندى بالتحديد:
المريض شاب في نهاية العقد الثالث.
فقد ذاكرته منذ أربع سنوات، ولم يعد إلى عائلته إلا منذ فترة وجيزة.
يبدو أنه قد تعرض إلى حادثة. لست متأكدة من التفاصيل.
وهو لا يذكر شيئا عن ماضيه أو عائلته أو هويته.
هل فقد شيئا آخر إضافة إلى الذاكرة؟، يعني... القدرة على نطق بعض الحروف، أو بعض المهارات الذهنية أو الجسدية؟
لا أعتقد.
لو كان الأمر كذلك لكانت سماح أشارت إلى ذلك.
الذاكرة هي الشيء الوحيد الذي فقده.
لكنه فقد معها ذاته.
فكرت في مرارة وألم.
- طيب. هذا يعني أنه لم تحصل إصابات جسيمة في الدماغ.
فإصابة المنطقة الخاصة بالذاكرة تؤدي في نفس الوقت إلى تعطل بعض الوظائف الأخرى المرتبطة بها.
أما والمريض قد احتفظ بكل مهاراته الذهنية، فهذا يعني أن الذاكرة وحدها تأثرت... لسبب ما.
ثم اضاف وهو يعقد ذراعيه أمام صدره:
- ولهذا اعتقد ان فقدان الذاكرة في هذه الحالة مؤقت...
ويمكن ان تعود إليه في أية لحظة.
ازدردت ندى ريقها بصعوبة.
ضمت حقيبتها إلى صدرها وهي تسير في الشوارع شبه المقفرة ذاك المساء، هل كانت تلك هي الإجابة التي تبحث عنها؟، الذاكرة قد ترجع في أية لحظة.
ليس فقدانا نهائيا.
احتمال عودة أحمد الذي عرفته لا يزال قائما.
تشنجت كفها التي تقبض على الحقيبة.
هل كانت تحاول ان تمزق الصورة اللتي لا تزال ترقد في الداخل؟
ليست واثقة. لم تعد وا ثقة من شيء.

هتف في غضب لم يفهم هو نفسه مأتاه:
لماذا لم يحدثني أحد عنها قبل الآن؟، هل كان يجب أن أكتشف وجودها بنفسي؟
سحبته سماح من كفه، وجعلته يجلس على المقعد القريب.
تفكر في إجابة مقنعة ومناسبة. قالت في تودد:
لم نرى فائدة من إخبارك الآن، لأنها . لأنها ، مسافرة حاليا .
في تونس.
لم تستطع أن تخبره انها نسيته، وستتزوج قريبا من غيره. ليس الوقت مناسبا.
ربما يتذكر شيئا الآن عن طريقها
لا يجب أن توصد الباب قبل ان تتوصل إلى شيء.
قالت في هدوء محاولة إخفاء لهفتها:
هل تذكرت شيئا عنها؟
لم يجبها مباشرة. بدا سا نحا في افكاره:
إذن فقد كانت خطيبتي,,.
كانت يهودية وأنا مسلم. وهي الآن مسلمة... وأنا مسيحي.
كانت مفارقة عجيبة صعبة التصديق.
والأدهى أنه كان ولا يزال طرفا فيها,
لم تنتظر سماح طويلا رده.
وقفت بسرعة وغادرت الغرفة.
يجب أن تدق الحديد وهو حام.
عادت بعد لحظات وهي تحمل إلبوم صور.
نظر إليها أحمد في دهشة.
لم تكن هذه الصور ضمن تلك التي عرضوها عليه في السابق, كانت سورها محفوظة على حدة.
كأنهم قصدوا إقصاءها
يشك في أن السبب الوحيد هو سفرها.
هذه صور حفل خطوبتكما ... انظر هذه هي... ندى.
رفع الصورة أمام وجهه، وملأ منها عينيه.
إنها هي. اسمها ندى.
شيء ما تحرك في داخله.
شيء ما يؤكد له أنه يعرفها.
لكنه لبث حائرا للحظات.
هل تذكرها فعلا، أم أن عقله بصدد إعادة تكوين ذكريات جديدة عنها من خلال رسائلها وصورها ؟
لا يشعر بأنه عاش هذه الأحداث بقدر ما يشعر بأنها مألوفة.
والمألوف غير المعيش...
عقد حاجبيه في انزعاج.
فليكتف بهذا القدر الآن.
فليكتف بهذا القدر.
التفت إلى سماح في اهتمام:
متا تعود، متا يمكنني أن أراها
*********************
إلي هنا ينتهي الفصل التاسع والعشرون من رواية فى قلبى انثي عبرية بقلم خولة حمدى
تابع من هنا : جميع فصول رواية فى قلبى أنثى عبرية 
تابع من هنا: جميع فصول رواية حكاية بقلم إيمان الصياد
تابعوا صفحتنا على الفيس بوك للمزيد من روايات حب
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

يسعدنا تلقي اقتراحاتك أو تعليقك هنا

الاسمبريد إلكترونيرسالة