U3F1ZWV6ZTMzNTg0ODE3NzI1X0FjdGl2YXRpb24zODA0Njk2NDgxODg=
recent
آخر القصص

رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى - الفصل الثلاثون

أصدقائي الأعزاء متابعي موقع قصص 26 يسعدني أن أقدم لكم الفصل الثلاثون من رواية فى قلبى أنثى عبرية بقلم دكتورة خولة حمدى وهي رواية واقعية إجتماعية ممزوجة بالحب وأيضا  تتسم بالكثير من الأحداث والمواقف المتشابكة التي ستنال اعجابك بالتأكيد فتابع معنا.

رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى - الفصل الثلاثون

حمل تطبيق قصص وروايات عربية من جوجل بلاي
رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى
رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى

رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى - الفصل الثلاثون

-إِتِصال لكِ
الزدردت ريقها الجاف، وضمت ذراعها إلى صدرها وهي تسير نحو سماعة الهاتف كمن ينتظر حكما بالإعدام.
كانت الاتصالات التي وصلتها في اليومين الأخيرين قد شوشت هدوؤها بما فيه الكفاية.
لا تدري ما الذي يمكن أن يحدث بعد ذلك!
تنحنحت ليجلو صوتها قبل أن ترد على الاتصال.
-ندى. ..هل يمكنك المجيء؟
اتسعت عيناها وهي تجيب بصوت مخنوق:
سماح، هذه أنت؟ ماذا هناك؟
ندى... أحمد يحتاج إليك!
كاد قلبها يقفزبين ضلوعها وهي تهتف:
هل استعاد ذاكرته؟
تنهدت سماح قبل أن ترد:
ليس بعد... لكنه طلب أن يراك...
ثم اضافت في ارتباك تشرح لها الموقف:
وجد رسائل منك في منزل الضيعة...
منذ ذلك الحين وهو شديد الاضطراب.
يريد أن يراك...
(ثم مصححة: يريد ان يرى صاحبة الرسائل، فهو لا يذكر بعد!
لكن وجودك قد يساعده كثيرا...
تنهدت بدورها والحيرة تمزقها:
لست أدري...
أرجوك!

حين توقفت عن الكتابة إليه، كانت تريد أن تكون صادقة مع نفسها ومع من اختارها لتكون شريكة حياته.
حين رضيت بالارتباط بحسان، وضعت أمامها كل الاحتمالات، وفكرت مليا.
ظَنَّت أنها قادرة على بدء حياة جديدة ليس فيها احمد أو ظل أحمد.
تريد استقرارا. تريد بيتا. تريد حياة واقعية لا تحكمها الذكريات وتسيطر عليها الأوهام.
أخيرا قررت ان تعيش
لكن الآن... في هذه اللحظة بالذات، لم تعد تدري أين تقف.
أحمد الذي توقفت عن انتظاره يظهر فجأة. يظهر وقد نسيها.
ثم يطلب أن يراها حتى يستعيد ذاكرته
ضربت الجدار بقبضتها بعنف، ثم رمت بنفسها على السرير وأشبعته ضربا, لماذا؟ لماذا؟
كتمت صرختها على وسادتها. وتركت العنان لدموعها اللتي تحبسها منذ يومين.
تركتها تسيل في صمت غاضب. نعم، هي غاضبة، غاضبة جدا منه.
يتركها، وينساها... ثم يطلب مساعدتها، نار تشتعل في صدرها.
لماذا تساعده؟ لماذا تذكره وتذكر نفسها بماضيهما معا... بماض لم تمح من ذاكرتها لحظة منه، رغم جميع محاولاتها ؟
هل لتخبره فيما بعد بأنها أصبحت خطيبة غيره، وبأنه عاد متأخرا؟
عصرت عينيها بشدة وهي تكتم شهقاتها.
تعلم أنه لا ذنب له في كل ما حصل. وهي أيضا لا ذنب لها... وحسان أيضا لا ذنب له!
تعالى فجأة رنين هاتفها الجوال الملقى على المنضدة إلى جانبها
رفعت رأسها بصعوبة وهي تحاول السيطرة على انفعالاتها.
حسان يتصل.
مسحت دموعها بظهر كفها ثم وضعتها على صدرها لتخفف نسق أنفاسها المتسارعة.
كيف حالك؟
لم يكن سؤاله بريئا تماما، كأنه يخمن شيئا عن حقيقة حالها.
ردت بصوت واهن:
-بخير.
صوتها وشى بكونها لم تكن كذلك.
قالت بسرعة كي تهرب من تساؤل على طرف لسانه:
سماح اتصلت منذ قليل...
هل كان يتوقع ذلك؟
لكنه على الأقل لم يفاجأ.
حثها على المواصلة في صمت، فقالت في توجس:
تريد مِنِّي العودة... أحمد يحتاجني ليستعيد ذاكرته...
قال بصوت قرأت فيه قلة الحيلة:
- إن كنت تريدين ذلك، فافعلي...
ثم أضاف كأنه يخفف وطأة جوابه المستسلم:
- لبنان اشتاقت إليك أيضا...
اغلقت الخط وقد ازدادت اضطرابا.
كانت تريده أن يمنعها.
أن يحميها... من نفسها ومن عواطفها المتقلبة.
لكنه لم يعارض ولو لوهلة واحدة.
ربما كان يفكر في الأمر طوال اليومين الماضيين. ربما لم ينم الليلة الماضية هو الآخر.
ربما رأى أن المواجهة خير، سواء خرج من اللعبة غالبا ام مغلوبا.

صارت تلك الرسائل شغله الشاغل.
عاد إلى الضيعة بصحبة أيهم وسماح ليقوم بجمعها كلها، كأنه يجمع شظايا ذكريات لا تخُصه، ولكنها تعطي لماضيه بعدا رومانسيا ملهما.
غطت الكومة المكتب حتى فاضت على جوانبه وانزلقت على الأرض.
لكنه كان عازما على دراستها واحدة واحدة.
بدأ العمل بجد واهتمام.
رتبها حسب تسلسلها الزمني وحاول ربطها بخط حياته الكئيبة الرتيبة في فترة الضياع.
حين بشرته بإسلامها ، كان لا يزال يعمل أجيرا يستصلح الأرض البور في قرية الخيام.
وحين طُردت وسافرت لتعيش في تونس مع عائلة ريما، كان يتنقل بين المدن والقرى بحثا عن هويته.
يبيع الخضروات ويبيت في العراء.
كم كانت حياتها مليئة بالأحداث الصاخبة والتحولات العميقة، وكم كانت حياته قاحلة خالية من كل معنى.
لكن القدر خَصَّهُمَا معا بالقسوة والعذاب.
جمع الرسائل التي كانت بين يديه، وأعاد ترصيفها بعناية مع البقية.
أعاد بعض النظام إلى المكتب، ثم استرخى على المقعد.
عقد كفيه وراء رأسه وأسبل جفنيه طالبا بعض الراحة.
لا يدري لماذا يفكر فيها بكل هذه الكثافة، ويولي أمرها أهمية فوق اهتمامه بكل شيء حوله.
لأنها كانت خطيبته؟، شيء ما بداخله يقول إن الأمر أكبر من ذلك.
كيف؟، لا يدري.
كل الرسائل التي أمامه تشي بخصوصية العلاقة التي جمعتهما.
يحس بأنها تعرف عنه اكثر مما يعرفه الآخرون، وغيابها الغامض يضاعف شكوكه
حاول أن يرسم لها صورة معاصرة في مخيلته، صورة فتاة مسلمة تكبر تلك اليهودية التي رآها في الصورة بخمس او ست سنوات
للحظات، هاله الفارق الزمني بين الماضي والحاضر.
مر وقت طويل. طويل بالفعل.
فتح عينيه وقد داخله الشك من جديد.
كم نسبة احتمال أن تكون في انتظاره اليوم؟، ليس بوسعه الآن سوى الانتظار
سينتظر وصولها من تونس... بالتأكيد ستكون لديها بعض الإجابات.
توقفت نظراته فجأة على كتاب فوق المنضدة القريبة من سريره.
لم يكن قد لاحظ وجوده من قبل.
كان كتابا مزخرفا بخطوط ذهبية.
وقف من مكانه كأن مغناطيسا شده باتجاهه.
لم يقاوم الفضول الذي جعله يمد يده إليه ليقلبه عن قرب.
فتح الكتاب على الصفحة الأولى وقرأ :
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين...)).
بدت الكلمات غريبة للوهلة الأولى.
واصل في حيرة...
الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين انعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين)).
كان يقرأ في اندفاع ولهفة.
كلما تقدم في قراءته، تدفقت الكلمات في رأسه في سلاسة, يكاد ينطق بالحروف قبل أن تقع عليها عيناه
تشنجت أصابعه وهو يقبض على الكتاب بكلتا يديه.
أحس بدوار عنيف يداهم عقله وتسارعت انفاسه المتلاحقة بجنون.
عاوده الإحساس الغريب الذي أحسه للمرة الأولى في المنزل الريفي.
صور كثيرة أخذت تتدفق في رأسه.
تيار قوي من الرموز المتداخلة لم تستطع أعصابه أن تتحمله.
تأرجح جسده في ضعف وتشتت.
حاول ان يمسك بظهر المقعد، لكن عضلاته كانت قد ارتخت وتبددت طاقتها.
لم يستطع أن يحافظ على توازنه، وخر جسده هامدا على الأرض بلا حراك

رحلة العودة إلى لبنان تقررت في وقت وجيز
بعد حديثها مع حسان لم يتطلب الأمر منها وقتا طويلا حتى تتخذ قرارا ربما
كان أحمد في حاجة إليها فعلا لاسترجاع ذاكرته, ربما كانت قادرة على إثارة مناطق من ذاكرته لم ينجح الآخرون في الوصول إليها، نظرا لخصوصية العلاقة بينهما ,
لكن سواء استعاد أحمد ذاكرته أم لا، كان عليها أن توضح بضعة أمور بداخلها
كان عليها أن تسافر إليه حتى تحسم أمرها بصفة نهائية...
وهذا هو الهدف من رحلتها.
تناولت مفكرتها وهي تجلس في الطائرة.
تصفحت الأوراق الأخيرة التي كساها الحبر
ظنت أن كل ما دونته فيها لن يكون سوى ماض بعيد
لكن الأحداث الأخيرة تعيد إليه الحياة من جديد.
أخذت قلمها تحاول ان تكتب.
حاولت أن تفرغ كل ما في صدرها على الورق، كما كانت تفعل في الأيام الخوالي.
تريد أن تكتب بداية الفصل الأخير من القصة.
ربما كانت نهايتها قريبة, بحثت عن الكلمات في رأسها. ياه، كم كان من السهل عليها أن تكتب في الماضي، كأنها تسكب خواطرها سكبا في سلاسة عفوية
لكنها اليوم تجد صعوبة شديدة في التعبير عما يعتمل في نفسها.
لم تعد الشخص ذاته.
لم تعد ندى المراهقة الحالمة.
لم تعد على نفس القدر من الحساسية والشاعرية.
أصبحت شخصيتها اكثر قوة وصلابة.
لم تعد تثق في الورق ولم تعد تبثه شكواها.
تركت القلم على المنضدة وسرحت عبر زجاج النافذة.
لقد تغيرت كثيرا في السنوات القليلة الماضية.
كل المحيطين بها لاحظوا ذلك في مزيج من الإعجاب والدهشة.
ملامحها ذاتها تغيرت.
تجاربها القاسية جعلتها تنضج وتُصْقَل.
انتقالها من المراهقة إلى النضج تزامن مع تلك الفترة الصعبة من حياتها.
تركت العاطفة جانبا وأفسحت المجال للعقل.
تعلقها بأحمد كان بفعل العاطفة... وارتباطها بحسان كان من فعل العقل.
حسان لم يخيب أملها لحظة واحدة.
وعدها بأن ينتظرها ويساندها حتى تعيد النظام والاستقرار إلى حياتها، وكان عند وعده.
غمرها بحنانه وحبه الذي كانت كل تصرفاته تنطق به.
لم تحس معه بالوحدة، أو الضياع، أو الهوان...
تلك الأحاسيس البغيضة التي لازمتها منذ رحيل أحمد. باختصار، جعلها تعيش من جديد...
وهي مدينة له بذلك.
كل ما قارنت بين الرجلين، وجدت كفة حسان ترجح.
بين حبها الأول وزوج المستقبل، كانت اكثر ثقة في الثاني.
صحيح أنها مدينة لأحمد بالكثير... الكثير.
مدينة له بأغلى ما تملك، بِدينها وإيمانها.
لا يمكنها أن تنسى جميله ذاك ما بقي رمق في جسدها.
لكن بين حب المراهقة الذي دفنته، وقناعة العقل التي تعيش بها كل يوم، فالفرق شاسع.
لا يمكنها أن تجزم بأن المشاعر قد اختفت إلى الابد وتبخرت من قلبها.
لكنها لا تملك ان تسق فيها من جديد.
ليس بعد الخيبة والعذاب اللذين قاستهما في غيابه- لا يمكنها أن تخاطر لتعيش المغامرة مرة أخرى.
كانت مغامرة، نعم. كانت مغامرة حين ارتبط بها وهي يهودية، وهو على الإسلام. واليوم، هي مغامرة جديدة... أن تحاول معه من جديد، وهو مسيحي، وهي على الإسلام.
يا للمفارقة بين مغامرتي الأمس واليوم.
لقد تحملها في السابق... فهل يمكنها أن تتحمله اليوم؟، نفضت عن رأسها تلك الأفكار بقوة.
لا يمكنها أن تتحمله.
لا يمكنها ان تعطيه بقدر ما أعطاها.
لا يمكنها أن تعيش المغامرة من جديد.
لسبب واحد... لأنها اليوم خطيبة رجل أخر.

فتح عينيه ببطء. مرت ثوان قليلة قبل أن يستعيد إحساسه ويتعرف على المكان الذي يرقد فيه
كان ممددا على سريره، نظر إلى الوجوه القريبة التي كانت تحدق فيه، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة شاحبة,
مد كفه ليربت ذراع الخالة سعاد التي انحنت في اتجاهه بعينين دامعتين.
قال مطمئنا:
أمي... ما الذي يبكيك؟
شهقت والدته وهي تخفي فمها بكفها.
كان يناديها بأمي للمرة الأولى منذ عودته.
لكن لم يبد على أحمد أنه قد انتبه لحركتها.
وضع يده على رأسه وهو يتمتم في ألم:
رأسي تؤلمني... ما الذي حصل؟
تبادل والداه نظرات حائرة، في حين هتفت سماح في لهفة وهي تشده من طرف قميصه:
أحمد... هل تذكرنا؟، هل تذكر من أكون؟
كانت هي من وجده منذ ساعتين فاقدا للوعي على أرضية الغرفة.
حمله والده ليضعه على السرير، وعملوا طويلا على إنعاشه حتى استعاد إدراكه.
أبعد ذراعها في ضجر وهو يستقيم في جلسته
:ما هذه الأسئلة السخيفة؟، سماح، ابتعدي عني...
لا مزاج عندي لدعاباتك السمجة!
ارتفع صياح الجميع في صوت واحد.
كان أحمد من يتكلم
لم يكن جون، ولم يكن الشخص المجهول الذي عاش معهم الأيام الأخيرة.
كان صوت أحمد، أسلوب أحمد، كلمات أحمد.
في لحظات، امتزجت الدموع بهتافات الفرح وعمت الفوضى الغرفة.
لكن أحمد لم يكن يفهم شيئا.
ظل يحدق فيهم في حيرة، في حين كان ألم غريب في رأسه يلح عليه.
حاول أن يسكت ضجيجهم ويتخلص من أحضانهم، لكن محاولاته باءت بالفشل. كأن حالة هيجان مرضي حلت بهم.
صرخ في ضيق:
- اخرجوأ أرجوكم... اتركوني وحدي...
لكن صراخه لم يمنع والدته من مواصلة البكاء ولا والده من النشيج، ولا شقيقته سماح من الضحك الهستيري.
كان متعبا، كأنه قد عاد للتو من رحلة طويلة.
اخفى وجهه بين كفيه وأغمض عينيه بشدة.
فجأة، ومضت صور في رأسه.
ترنح وهو يحس بالدوار يعاوده.
ترك جسده يسترخي على السرير ببطء. لم يعد يسمع أصواتهم ولغطهم.
للحظات، كانت أصوات داخلية مختلطة تملأ رأسه.
قانا، الضيعة، قرية الخيام، ومشاهد أخرى كثيرة.
ما الذي حدث؟، كأنه يرى شريط حياته يمر في ذهنه بسرعة البرق...
لكن في الوسط، كانت هناك قطعة ناقصة.
لم يكن المشهد مكتملا.
ما هي... هل كنت فاقدا للذاكرة؟

حين استيقظت، أحسست بأنني في مكاني الطبيعي... بين افراد عائلتي.
كتاب القرآن، سورة الفاتحة...
كان ذلك ما أعادَني إلى نفسي
للحظات غاب عنِّي أنني فقدت الذاكرة، كأن تلك الفترة كانت حلما... او كابوسا واستيقظت منه.
عقد الطبيب ذراعيه أمام صدره وهو يستمع إلى أحمد في اهتمام.
هز رأسه مشجعا، فتابع أحمد:
لكن ذلك لم يدم طويلا, بسرعة عادت تلك الأحداث لتظهر أمامي بصفة مشوشة.
كأن عالمين يلتقيان... في نقطة ما , لكن تلك النقطة غير واضحة في ذهني...
تقصد حادثة فقدانك للذاكرة؟
عقد أحمد حاجبيه في تركيز وهو يقول:
ليس ذلك فقط,,, اذكر الآن تقريبا كل شيء عن نفسي، عن عائلتي، قريتي، دراستي...
لكن هناك أشياء أخرى لا أذكرها أبدا.
-مثل ماذا؟
أخرج احمد من حافظته مجموعة من الرسائل، وضعها على المكتب.
نظر إليها الطبيب في تساؤل فتابع أحمد:
هناك فتاة، كانت خطيبتي في السابق... وطوال فترة غيابي كانت تراسلني باستمرار، رغم أنني لم أرد عليها مرة واحدة.
لأنني... لم أكن موجودا.
رأيت صورها... صور حفل خطوبتنا.
لكنني لا أذكر شيئا عنها بعد!
أليس غريبا أن أستعيد ذاكرتي ولا أتذكر موقفا واحدا يجمعني بها؟
قلب الطبيب الرسائل بين أصابعه في اهتمام، ثم رفع نظراته إلى أحمد :
-وماذا أيضا؟
-ماذا؟
الصر الطبيب وهو يُدَقِّق النظر في وجهه:
- هل هناك اشياء أخرى، او اشخاص آخرون لا تذكرهم؟ ام انها الشخص الوحيب الذي مسحت الذكريات التي تخصه؟
فوجئ أحمد بالسؤال. لم يكن قد فكر في الأمر بجدية.
حين تيقن من السترجاعه لماضيه، بحث في ذاكرته عن تفاصيل تخصها.
كانت رسائلها قد شغلته كثيرا وما زالت تشغله.
لذلك لم يفكر في بقية عناصر المشهد.
حين عاد إلى بيته، التقى اشخاصا كثرا من ماضيه، لكنه وهو يمعن التفكير الآن، لا يجد لبعضهم صورا في مخيلته.
ظهر أمام عينيه وجه محدد، لماذا لا يذكر عنه شيئا؟
نظر إلى الطبيب في حيرة:
فعلا... هناك أشخاص آخرون لا يمكنني أن أتذكرهم.
تناول الطبيب دفتره، وشرع في الكتابة، وهو يحث أحمد على المواصلة بهزة من رأسه.
حين التقيت مجموعة من الأصدقاء... كان من بينهم وجوه غريبة. مع أنهم بَدُوا اقربهم إلي، إلا انني لا أذكرهم حتى الآن.
هل هناك قاسم مشترك بين كل هؤلاء الأشخاص؟
هز أحمد كتفيه علامة الجهل التام.
أنهى الطبيب تدوينه، ثم طلب منه الاسترخاء في الغرفة الملحقة كالعادة، وطلب من والديه الدخول
بادرته سعاد في لهفة ونفاد صبر:
بشرنا يا دكتور... لقد تعافى، أليس كذلك؟
تَرَيَّث الطبيب لثوان، ثم قال في هدوء:
من الجيد أنه قد استعاد قسما كبيرا من ذاكرته.
تعرف على هويته وعائلته وتفاصيل كثيرة من ماضيه.
لكن... أصبحت لديه الآن... ذاكرة انتقائية.
هتف أبو أحمد في دهشة وعدم استيعاب:
إنتقائية؟
نعم، لا تذال هناك منطقة مظلمة في ماضيه، لا يذكر عنها شيئا.
أحداث وأشخاص سقطوا من ذاكرته، بما في ذلك الحادثة التي جعلته يفقد الذاكرة.
أطرق للحظات، ثم أضاف وهو يحرك قلمه في الهواء في تفكير
- قلت في السابق إنه فقد ذاكرته نتيجة اصطدام رأسه بجسم صلب.
هذا واضح من آثار الجروح في جمجمته والتي تعود لإصابة قديمة أظنها تتزامن مع فترة اختفائه.
لكن إصابة الرأس ليست السبب الوحيد الذي أدى إلى فقدان الذاكرة، وخاصة تكوين الذاكرة الإنتقائية
مال إلى الأمام وهو ينظر في عيون مخاطبيه:
- يبدو أن تلك الإصابة اقترنت بظروف معينة سببت صدمة نفسية أيضا
وهذه الصدمة، تخص أيضا أشخاصا في محيطه.
هم الأشخاص الذين لم يتمكن من تذكرهم رغم استعادته للذاكرة.
عقله يتعمد إخفاء هذه الذكريات ليجنبه الألم...
وجاءت إصابة الرأس كحادث فاصل، محا تلك الذكريات المؤلمة.

تقدمت في الشارع بخطوات مرتبكة.
كثيرا ما سلكت هذه الطريق في ظروف مختلفة... وقصدت هذا البيت لأسباب مختلفة.
في السابق، كانت تأتي يحملها الشوق واللهفة لأصحابه. ثم عرفت المرارة والألم وهي تشاركهم حزنهم على الغائب, كانوا سندها حين تخلى عنها أهلها وأقرب الناس إليها...
لكنها اليوم تسير إليهم في اضطراب وتردد.
لا تدري كيف ستلقاهم، وقد عاد غائبهم.
لا تدري كيف ستلقى هذا العائد... في الزمن بدل الضائع.
كانت على بعد أمتار قليلة من البيت، حين انتبهت إلى السيارة التي تقف على الجانب الآخر من الشارع
ترجل راكبها الوحيد حين لمحها تخطو في اتجاه الباب وانتظر وصولها.
كان يعلم بمجيئها اليوم، ولم يستطع ان يحتمل البقاء بعيدا.
حاولت ان تبتسم وهي تحييه:
هل ترافقني إلى الداخل؟
هز حسان رأسه نافيا، وهو يرسم ابتسامة شاحبة يخفي بها قلقه:
من الأفضل أن تذهبي بمفردك.
ربما كان على حق.
همت بسؤاله عن سبب مجيئه، لكنها ابتلعت كلماتها حتى لا تجرحه.
وقوفه هنا دون حول ولا قوة، دليل على قلة حيلته.
يريد أن يترك لها حرية الاختيار، لكنه لا يستطيع ان يمنع نفسه من القلق والترقب.
تبادلا كلمات مبتورة، لا معنى لها قبل خوض اختبار كشف المشاعر» المقبل.
ثم ركب سيارته مجددا وأدار المحرك.
تابعت السيارة وهي تبتعد وتنحرف عند الشارع الموالي، ثم أخذت نفسا عميقا قبل أن تقرع جرس الباب.
بعد ثوان قليلة، ظهرت سماح وهي تحمل ريما الصغيرة بين ذراعيها.
عانقتها في امتنان، ثم سبقتها إلى الداخل.
كان توتر ندى قد بلغ ذروته.
لم تعد تستطيع السيطرة على حركة أصابعها المضطربة، أو على ضربات قلبها المرتبكة.
هنا، الآن، على بعد امتار قليلة، سترى أحمد
كم تخيلت هذا الموقف، كم وقفت أمام مرآتها تردد الكلمات التي ستقولها.
أحيانا تصرخ وتعنف، وأحيانا اخرى تضحك وتهنئ بالعودة.
لم تدر كيف عليها أن تخاطبه.
أربع سنوات ليست بالزمن الهين. اربع سنوات كانت الأكثر ثراء في حياتها من حيث نسق الأحداث والتحولات.
أربع سنوات كان خلالها لكل منهما حياته الخاصة وتجربته المختلفة.
إزا كان طيفه قد لازمها طوال تلك المدة، يلهمها ويشد من عزمها,,, فطيفها فارقه منذ لحظة اختفائها من أمام عينيه
كيف يمكنها أن تغفر له ذلك؟
كانت قد وصلت أمام غرفة أحمد, توقفت سماح على بعد خطوات.
أنزلت ابنتها على الأرض وهمست لها بأن تذهب حذو جَدَّتها، ثم التفتت إلى ندى وأومأت إليها بالدخول.
هزت ندى رأسها وهي تظم شفتيها بقوة,,, وبعد تردد قصير رفعت يدها لتطرق الباب بلطف.
جاءها صوته من الداخل يأذن بالدخول.
سرت قشعريرة باردة في جسدها وهي تسمع ذلك الصوت.
إنه هو! لم يتغير صوته على الأقل...
أدارت المقبض، دفعت دفة الباب ببطء، فانفرجت الفتحة ليظهر أمامها الديكور الداخلي للغرفة.
كان جالسا إلى مكتبه، وقد ولاها ظهره.
وقفت للحظات تتأمل كتفيه العريضتين وشعره الأسود الذي ظهرت شعيرات بيضاء على جانبيه.
لم يتغير كثيرا.
ربما نحل جذعه بعض الشيء.
تابعت أصابعه النحيلة وهي تتحرك ببطء.
احست بالعبرات تتجمع في مقلتيها لتصبح رؤيتها ضبابية.
مرت ثوان من الصمت، لم تجرؤ ندى على قطعها.
كان أحمد منغمسا في مطالعة كتاب فقهي وقد ملأت الأوراق والمراجع المساحة أمامه.
يسجل ملاحظاته ويدون العناصر التي يريد حفظها,
مذ عادت إليه ذاكرته الجزئية وهو يحاوال استعادة ما فقده من التكوين الديني.
نسي الكثير، وغاب عنه الكثير.
لكنه كان جادا في رغبته في التدارك.
بدا أنه لم ينتبه إلى وجودها وقد أخذه تركيزه إلى عالم آخر.
أخيرا لاحظ أن الصمت قد طال، فقال دون أن يلتفت إليها:
- سماح. ماذا هناك؟
ماذا هناك؟، ألا يعلم بمجيئها
التفتت إلى الخلف، كانت سماح تقف وراءها.
طالعتها بنظرات مستفسرة، لكن سماح دفعتها برفق وتعابير وجهها تحثها على التقدم.
هل أرادت أن تحدث لديه صدمة رجعية؟،
فليكن.
جمعت كل ما لديها من شَجاعة، وبحثت في ذاكرتها عن كل الخطب العصماء التي حفظتها دون فائدة.
أخيرا تكلمت بصوت أرادت ان يكون ثابتا ، لكن ما كان عليه، كان شيئا آخر، لتنطق بكلمة واحدة
-أحمد...
توقفت أصابعه عن تقليب الصفحات.
أصغى إلى ذلك الصوت بكل جوارحه وكأن شيئا ما في أعمق آعماقه استجاب لتلك النغمة الخاصة التي نطق بها اسمه
ببطء ، استدار ليواجهها
للحظات، ظلت عيناه معلقتين بوجهها ، يبحث في ذاكرته عن سورة مطابقة.
لكن الصورة الوحيدة التي ظهرت كانت تلك التي رآها في الألبوم...
صور حفل الخطبة.
وقف في ارتباك، فتناثرت بعض الأوراق على الأرض.
لم يدر من أين يبدأ.
تسارعت الضربات على جدار صدره.
لا شك انها هي. تقف أمامه الآن.
هذه أنت؟
دون استئذان، راحت الدموع تسيل على وجنتيها بغزارة، لتغرق عينيها ووجهها وراء الشَلَّالات، وتخفي ملامحه التي لم تملأ عينيها منها بعد.
هزت رأسها ببطء علامة الإيجاب.
هذه أنا.
خيم السكون لثوان إضافية.
كان التوتر باديا على كليهما، انحنا ليلتقط الوريقات اللتي أفلتت منه
ودون أن ينظر إليها، همس:
مبارك!
تزايد نسق نبضاتها, بم يبارك لها؟، هل علم بخطبتها إلى حسان؟
أضاف موضحا، وهو يرفع وجهه لِيُطالعها مبتسما:
مبارك إسلامك... مع أنها تهنئة متأخرة جدا...
عندما سمعت تلك الكلمات، لم تعد تستطيع المقاومة.
أخفت وجهها بين كفيها وأجهشت بالبكاء.
كم تَمَنت أن تسمع منه هذه التهنئة يومها, كم تمنت أن يكون أول من تبشره بإسلامها.
لكنها سنوات ثلاث أو تزيد مرت قبل أن يصله الخبر.
واصل، كأنه يقرأ أفكارها :
تمنيت أن أكون أول من يسمع الخبر ويشاركك الفرحة به...
لكن ما باليد حيلة!
ابتسمت من وراء دموعها.
يكفيها انه يقف أمامها اليوم، سليما معافى، يحدثها مثل الأيام الخوالي.
احمد...هل هذا أنت؟، هل هذا أحمد الذي أعرفه ويعرفني؟، كان السؤال الفاصل يلح عليها.
وأخيرا انفرجت شفتاها لتهمس بصوت مختنق بالعبرة:
هل... تذكرني؟
سكت.
بماذا يجيبها؟، رغم أن ذاكرته لم تستجب ولم ترسل إليه صورا جمعتهما في الماضي، إلا أن قلبه تعرف عليها مباشرة.
أمضى أياما يعيد قراءة رسائلها، يكاد يستظهرها تلاوة وهو مغمض العينين, أوقات حزنها وفرحها، علامات غضبها وانفعالها، الكلمات التي تستعملها عند خوفها وقلقها، عند تعبها ويأسها...
وتلك التي تعيد بها إلى نفسها الأمل والعزيمة، صار يعرفها كلها
منحته اسرار مزاجها المتقلب.
يحسب انه يعرف كيف يسترضيها حين تعبس، ويرسم الابتسامة على شفتيها.
حدثته بتفاصيل يجهلها كل من على هذه الأرض، كان معها في أدق لحظات حياتها...
فضفضت إليه كأنها تحادث مرآتها حتى بات يعلم كل خبايا نفسها، حتى المناطق الأظلم منها,
أحاط بنقاط قوتها وضعفها، حفظ ردود أفعالها عن ظهر قلب.
لعله يستطيع قراءة أفكارها حتى.
هل يمكن بعد كل ذلك أن يقول إنه لا يعرفها؟، لكن تلك الذاكرة اللعينة تأبى أن تعيد إليه البوماته الضائعة.
أطرق للحظات ثم تنهد في أسف:
ذكرياتي لا تزال مفقودة...
انهارت الآمال التي بنتها في نفسها دفعة واحدة.
لم يذكرها.
لم يحدث حضورها الصدمة المرجوة ليستعيد ماضيه.
تزايدت المرارة في حلقها, لعل وجودها لم يكن بالقيمة التي تخيلتها بالنسبة إليه!
تجلد نفسها بأفكارها القاتمة دون رحمة.
لا يمكنه تفسير ما يشعر به في تلك اللحظة. وجودها أمام عينيه له تأثير خاص يختلف عن تأثير كل المحيطين به.
أغمض عينيه في إرهاق. ما كان ذلك؟
إحساس غريب تزايد في نفسه وهو يقرأ رسائلها ، وتأكد لديه وهو يراها أمام عينيه الآن.
لا شك أنه تعلق بها منذ النظرة الأولى. في حياته السابقة.
لا شك في ذلك!
لم تخف عليه علامات الخيبة التي ارتسمت على ملامحها.
تردد لوهلة قبل أن يسألها:
- هلا حدثتني... كيف التقينا، للمرة الأولى؟
احست بوخزة في صدرها، وصور ذلك اللقاء تمر برأسها
رغم شديد خيبتها، ابتسمت ومسحت دموعها.
مرت بخيالها ابتسامته وهو يسأل عن اسمها للمرة الأولى.
وأحست بنفس الشعور اللذيذ الذي غزا صدرها للمرة الأولى، منذ ست سنوات خلت...
تريد أن تعرف كيف التقينا؟، إذن تعال...
سأخذك في رحلة إلى الماضي...

ابتسمت في إشفاق وهي تطالع السيارة التي توقفت في نفس المكان الذي رأتها فيه منذ ساعتين:
ظَنَنْتُك قد رَحَلْت...
أجاب وهو يترجل ويقترب منها بخطوات بطيئة:
لم أستطع الابتعاد كثيرا
قمت بجولة قصيرة في الجوار ثم عدت لأنتظرك.
لا شك أنه انتظر كثيرا
جا هدت حتى تحافظ على ابتسامتها وهي تقول في اعتذار صادق:
آسفة لأني جعلتك تنتظر.
ساد الصمت بينهما لدقائق طويلة.
لم يحاول حسان أن يسألها عما نتج عن مقابلتها، رغم القلق الذي يحرق أحشاءه.
احترم صمتها بكثير من العذاء.
كان قد عاهد نفسه على ألا يسبب لها أدنى ضغط، لكن ذلك لا يبدو سهلا.
ليس سهلا أبدا.
لم تكن ندى أقل منه اضطرابا وارتباكا.
كانت قد عاشت للتو لحظات عجيبة.
لحظات التقت خلالها بماضيها الذي دفنته في اعماقها منذ زمن، واستعادت معها مشاعر وأحاسيس أرهقتها وعذبتها طويلا.
لكنها كانت تمثل الهدوء والإتزان.
كان عليها أن تبدو كذلك أمامه.
رسمت الابتسامة ذاتها على شفتيها والتفتت إليه في ثقة:
حسان... ما رأيك لو حددنا موعد الزفاف؟
*********************
إلي هنا ينتهي الفصل الثلاثون من رواية فى قلبى انثي عبرية بقلم خولة حمدى
تابع من هنا : جميع فصول رواية فى قلبى أنثى عبرية 
تابع من هنا: جميع فصول رواية حكاية بقلم إيمان الصياد
تابعوا صفحتنا على الفيس بوك للمزيد من روايات حب
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

يسعدنا تلقي اقتراحاتك أو تعليقك هنا

الاسمبريد إلكترونيرسالة