U3F1ZWV6ZTMzNTg0ODE3NzI1X0FjdGl2YXRpb24zODA0Njk2NDgxODg=
recent
آخر القصص

رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى - الفصل الثانى والثلاثون (الأخير)

أصدقائي الأعزاء متابعي موقع قصص 26 يسعدني أن أقدم لكم الفصل الثانى والثلاثون (الأخير) من رواية فى قلبى أنثى عبرية بقلم دكتورة خولة حمدى وهي رواية واقعية إجتماعية ممزوجة بالحب وأيضا  تتسم بالكثير من الأحداث والمواقف المتشابكة التي ستنال اعجابك بالتأكيد فتابع معنا.

رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى - الفصل الثانى والثلاثون (الأخير)

حمل تطبيق قصص وروايات عربية من جوجل بلاي
رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى
رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى

رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى - الفصل الثانى والثلاثون (الأخير)

فتح عينيه وهو يلهث.
حبات العرق تغطي وجهه وتغرق جسده الذي عاد إحساسه به للتو.
تلفت حوله في اضطراب.
كان يتمدد على سريره، في غرفته.
لا يزال يتنفس بصعوبة.
سالت الدِموع على وجنتيه في مرارة وألم.
تذَكر كل شيء, أصبحت الصورة واضحة في ذهنه الآن.
أبعد اللحاف عنه، قام من مرقده على الفور.
لا مجال للراحة قبل أن ينفذ ما برأسه.
قَبل أن يقف على قدميه، دخلت والدته تحمل طبق الفطور.
هتفت وهي تراه يحاول النهوض:
استرح يا بُنَيّ... حرارتك لا تزال مرتفعة...
أحضرت لك بعض الحساء الساخن...
أزاحها عن طريقه برفق وهو يقول في هدوؤ:
هناك مشوار مهم، كان يجب أن أقوم به منذ سنوات.
دعيني أذهب؛ ارجوك.
وضعت الطبق على المنضدة قرب سريره وتبعته في دهشة:
إلى أين يا بُنَيّ ؟
تمهل للحظات عند سؤالها.
إلى أين؟؛ منذ أربع سنوات، كان حسان يقيم في صيدا.
يعرف منزل والديه، قرب السوق.
لكن هل سيجده هناك بعد أن يكلف نفسه عناء الرحلة؟
رآه مِرارا خلال الفترة الماضية، مما يعني أنه قد يتواجد في مكان أقرب.
لكن أين؟، هل يعمل في قانا او في إحدى المدن والقرى المجاورة؟
التفت إلى والدته متسائلا:
حسان... أين يمكنني أن أجده؟
تطلعت الخالة سعاد إلى الساعة ثم قالت:
ربما يكون في مكتبه...او ربما يكون في طريقه إلى شقته في مثل هذا الوقت...
هتف في نفاد صبر:
وأين تكن شقته؟
هزت كتفيها علامة الجهل التام وهي تجيب:
لا أدري,,. انتظر، سأنادي سماح,.
كانت سماح قد وصلت لتطمئن على حال أخيها بعد ان تركته في الصباح في حال يرثى لها
كانت تحاول مساعدة ريما على النوم حين سمعت صراخ احمد قادما من غرفته، فركضت إليه.
قابلتها والدتها عندباب الغرفة، وقبل أن تتمكن من استفسا رها عما يحصل، بادرتها الخالة سعاد:
سماح، هل يزال أيهم هنا ؟
نعم، إنه يجلس مع والدي في الحديقة...
اشارت والدتها إلى احمد الذي يقف متوثبا ينتظر الإجابة من إحداهما :
هل يعرف عنوان حسان الجديد؟
هزت رأسها علامة الإيجاب وهي ترقب أحمد في توجس:
نعم بالتأكيد، فقد ساعده في نقل أثاثه إليها و
قاطعها احمد متعجلا:
أعطني العنوان بسرعة!
كانت لهجته مخيفة، وشكله مريبا.
لا شك أن لذلك علاقة بزواج ندى المرتقب.
كم لَامَت نفسها على إخباره بذلك.
لم تكن تتوقع منه ردة فعل بمثل هذا العنف وهو لم يذكرها حتى.
سترك يا رب.
انتظر، سيوصلك أيهم بالسيارة...
خرجت مسرعة لتحدث زوجها.
لا يمكنها )أن تترك احمد يغادر البيت بمفرده وهو على تلك الحال من الاضطراب.
طلبَت من ايهم ان يكون معه في كل خطوة ولا يتركه قيد أُنْمُلة, لم يسبق لها ان رأته بمثل هذا الانفعال.
انصاع احمد لاقتراح شقيقته، وركب السيارة إلى جوار أيهم.
لا يمكنه أن يرفض طالما توفرت لديه وسيلة نقل تضمن له الوصول بأسرع وقت ممكن.
ساد الصمت في السيارة طوال الطريق-
لم يحاول ايهم أن يتدخل وهو يرى تدهور حالة أحمد إلى تلك الدرجة
كان يرمقه خفية من حين إلى آخر، ويلحظ توتر فكِه السفلي وتشنج عضلات وجهه
لم يكن على ما يرام.
أوقف السيارة أمام بيت حسان الجديد، ثم التفت إلى أحمد قبل نزوله:
انتظرني هنا... سأنظر إن كان قد وصل من عمله.
لكن قبل أن ينهي عبارته، كان أحمد قد فتح البوابة ونزل، متجاهلا كلامه بالكامل.
تنهد أيهم وهو ينزل بدوره، ويضغط جرس الباب.
مرت لحظات عصيبة من الانتظار، قبل أن ينفرج الباب قليلا وتظهر والدة حسان.
ابتسم ايهم وهو يحييها ثم سألها: -خالتي، هل عاد حسان إلى البيت؟
هزت رأسها علامة الإيجاب وهي تقول:
لقد جاء ثم غادر ثانية...
القت نظرة جانبية على احمد الذي تعرفت عليه رغم طول مدة غيابه، وقالت في حذر وهي تدرك ما للأمر من حساسية:
ذهب ليرى خطيبته! لتي تسافر اليوم...
لم يستطع أحمد ان يتمالك نفسه اكثر وهتف بقوة:
تسافر اليوم؟، إلى أين؟
ازدردت المرأة ريقها في توتر وهي ترقب انفعالاته في جزع:
ستستقل حافلة الساعة السابعة المتجهة إلى بيروت., ومنها تركب الطائرة إلى تونس...
نظر احمد إلى ساعته التي الشا رت عقاربها إلى الساعة السابعة إلا عشر دقائق، ثم شد ايهم من قميصه بقوة وهو يصرخ:
بسرعة إلى محطة الحافلات!
تمتم ايهم بكلمات اعتذار، وهو يحيي والدة حسان مودعا، ثم ركب السيارة التي كان أحمد قد أدار بها استعدادا لانطلاقه سريعة.
شيعتهما السيدة بعينيها حتى توارت السيارة عن أنظارها , سبق وحذرت حسان من مغبة هذا الارتباط.
وما رأته منذ حين لا يبشر بخير أبدا...
دعت باللطف وهي تضرب كَفْا بكف.
هل سيمر هذا اليوم بسلام؟
عبرت السيارة الشوارع بسرعة جنونية، وأحمد لا يكُف عن تحريك أيهم على زيادة السرعة.
لم تكن المسافة التي تفصلهما عن المحطة قصيرة، لكنه كان مصمما على الوصول قبل الساعة السابعة.
كانت الساعة تشير إلى السابعة تماما.
دعا الله ان تكون الحافلة متأخرة، كما تعود من وسائل النقل العمومية في السنوات الخوالي، وهو يركض عبر الأروقة بحثا عن الحافلة التي تقصد بيروت.
وما إن لمح اللافتة التي يريد، حتى اندفع ناحيتها بكل قواه.
تمهل في سيره حين وصل إلى الموقف الفارغ، قد خلا الرصيف من الركاب، هل وصل متأخرا؟
سار بخطوات عصبية وهو يلهث. دار حول المكان مرارا...
لم يكن هناك أثر لندى ولا للحافلة.
عض على شفته في مرارة وهو يشد قبضته بقوة.
انتهى الأمر... لقد رحلت.
لفت انتباهه رجل يجلس القرفصاء في الطرف الآخر من الرصيف.
حدق فيه للحظات، ثم اتسعت عيناه في دهشة وقد تعرف عليه.
اندفع نحوه بكل قواه.
إلتَهَم بخطوات واسعة الأمتار القليلة التي تفصله عنه، وخلال ثوان معدودة كان يقف قُبالَتَه.
هتف في انفعال: - حسان... أيها الحقير!
قبل أن يستوعب حسان الموقف، وجد نفسه على الأرض وألم شديد يفتت عظام فكه الأيمن.
كانت قبضة احمد اليسرى مشرعة في وجهه بعد ان تركت اللكمة التي وجهها إليه علامات واضحة.
وقبل ان يسدد إليه لكمة ثانية بقبضته اليمنى، كان أيهم قد وصل إلى موقع الحادثة، وأمسك أحمد من وسطه بكلتا ذراعيه ليمنعه من الإقدام على عمل متسرع جديد.
لكن النار التي تشتعل في صدر أحمد لم تكن قد خمدت بعد، فأخذ جسده يتخبط بعنف في محاولة للإفلات من قيوده، ولسانه لا يكُف عن إطلاق الشتائم ووصف حسان بأقبح النعوت...
لم يكن حسان قد استيقظ من ذهوله، لكنه تمالك نفسه وهو يستند على ذراعه اليسرى لِيَسْتقيم واقفا
في حين كانت كفه اليمنى تمسح الدماء التي سالت من شفته وأنفه.
صرخ بدوره في عدم استيعاب:
توقف أرجوك! توقف، وأفهمني ما الذي فعلته لأستحق منك كل هذا المديح المخجل؟
) أطلق احمد ضحكة مفتعلة، فيها الكثير من المرارة، وصرخ في سخرية جارحة:
لا تدري ما الذي فعلته؟، ام أنك ستنكر فعلتك أيضا؟، هل يمكنك أن تنكر خيانتك البينة؟
احتقن وجه حسان، وانتفخت أوداجه وهويتلقى تلك التهمة الشنيعة.
يعلم الله أنني لم أخُن صداقتنا يوما.
قاطعه أحمد في عصبية:
اخرس!. عن أية صداقة تتحدث؟
لا أصدق أنني خدعت فيك لسنوات طويلة.
لكن أأمرك قد انكشف أخيرا، وليس بإمكانك الإنكار
إن كنت تقصد ندى، فالأمر ليس كما تظن!
ضحك أحمد من جديد في لَوْعَة:
نعم أقصد ندى، أَهُناك احد غيرها.
ها قد جئنا إلى الاعترافات.
صرخ حسان في توتر بالغ:
توقف عن السخرية أرجوك... وسأشرح لك كل شيء.
سكت أحمد، لكن أنفاسه المضطربة كانت تشيء بغضبه المكبوت.
تكلم حسان ببطء:
- لا أُنكِر أنني كنت أرى في ندى منذ البداية إنسانة تستحق كل الإعجاب والتقدير، رغم اعتناقها لليهودية...
لا انكر أنها لفتت انتباهي حين رأيتها للمرة الأولى.
لكن ذلك كان كل شيءء. لم أحاول التقرب إليها ولا استمالتها.
حتى أنني لم أوافقك الرأي حين فكرت في خطبتها...
لأنني كنت أرى بيننا وبينها الكثير من الحواجز التي تمنع بناء علاقة سليمة الأسس.
لكنك لم تصغ إلى احد، وواصلت طريقك وارتبطت بها
توقف للحظات، وأخذ نفسا جديدا: -
بعد اختفائك، تغيرت أشياء كثيرة.
ندى أسلمت وعائلتها تنكرت لها...
لم يكن بإمكانها انتظارك، وحيدة، بلى سند.
كانت في حاجة إلى من يقف إلى جانبها ويثبتها على الإسلام.
لذلك تقدمت إليها، حتى تكون لها عائلة جديدة تحميها...
لأنني ايضا وجدت فيها بعد إسلامها شريكا مناسبا للمستقبل... هذا كل ما حصل...
استمع إليه أحمد في نفاد صبر، لكن ما إن أنهى روايته حتى هتف في اتهام
ولكنك اغفلت حلقة مهمة في الموضوع ؛مشاعرك الخفية نحوها ! حتى وهي خطيبتي...
لم تراعي حرمة العلاقة التي كانت بيننا وسمحت لنفسك بالتمادي...
لم تمنعك أخلاقك ولا عقيدتك!
حملق فيه حسان في ذهول، ثم هتف في اعتراض:
مستحيل... هذا كذب؛
لا تنكر ولا تراوغ. كيف يمكنك أن تفسر وجود صورتها معك في المعتقل إذن؟
ردد حسان في عدم استيعاب:
-صورتها؟
-نعم صورتها، كنت تحتفظ بها، أليس كذلك؟
سيطر عليه الارتباك لثوان قليلة، لكن سرعان ما اتضحت الصورة في ذهنه وقد استعادت ذاكرته التفاصيل كلها. فانطلقت ضحكته مدوية في المكان.
ضحكة تمتزج فيها المرارة والسخرية بالعذاب وخيبة الأمل.
ابتسم وقد استعاد هدوؤه وهو يخاطب أحمد الذي أخذ ينتفض أمامه من الغضب:
هل وقعت في يدك تلك الصورة؟، ياه... كنت ظننتها ضاعت إلى الأبد
أفلت أحمد من ذراعي أيهم، واندفع نحو حسان ليشده من لياقة قميصه وعيناه تنفثان لهبا كبركان يوشك على الانفجار:
- أنت تعترف إذن؟ أيها الوغد...
أوقف حسان ذراعه هذه المرة في صلابة، قبل ان تغوص قبضته في بطنه، وبهدوء تام، أبعده عنه:
هل تريد ان تعرف قصة تلك الصورة؟، سأحدثك عنها...
لكن حاول أن تهدأ أولا...
اخذ نفسا عميقا، قبل أن يواصل وهو يسترجع أحداثا دفنها في ركن بعيد من الذاكرة:
هل تذكر... منذ أكثر من ست سنوات، دعتني عائلتك لقضاء أمسية في المنزل الريفي الذي تمتلكه.
كان أيهم أيضا حاضرا حينذاك...
ولم يكن قد انقضى وقت طويل على احتفالك بخطبتك لندى.
فكرت حينها في تخليد ذكرى صداقتنا التي ظننتها فوق العادية...
قال ذلك بتهكم واضح، وهو يلتمس مكان الجرح على جانب فمه:
لذلك أحضرت آلة تصوير قديمة، كان يحتفظ بها والدي... وقفنا نحن الثلاثة للصورة، في حين كان والدك من تكفل بتصويرنا.
ثم سافرت إلى صيدا ولم تسمح لي الفرصة بأن أطلعكم عليها...
لكنني ولحسن الحظ، أو سوئه تمكنت من تحميضها في مختبر والدي الخاص، قبل أن أقع في الأسر.
أقول لحسن الحظ، لأن تلك الصورة كانت كل ما أحتفظ به من ذكرى عن أحبابي الذين خلفتهم ورائي.
لم تكن معي صورة غيرها تبدد عني وَحْشَة السجن، وأناجي أصحابها في ساعات اليأس والاستسلام...
لأن الصورة لم تكن عليهاغيرنا نحن الثلاثة فقط...
تنهد قبل أن يتابع:
- كانت الفتيات قد اقتربن فضولا ونحن نلتقط الصورة.
لكن ندى كانت أقربهن، فظهر وجهها على الصورة عرضا...
لم انوي الاحتفاظ بصوورة لها، لكنني لم أرد الن أشوه صورتنا الجماعية باقتطاع جزء منها...
لكن يال سخرية القدر، فقد جاء من قام بذلك عوضا عني حين تم إلقاء القبض علي، قام جنود الصهاينة بتجريدي من حاجياتي وتفتيشها بدقة.
رأيت أحدهم يطالع الصورة، ثم يمزقها في شماتة.
لم اظن أنني قد أسترجعها يوما، ظننتها تحولت لأشلاء، كما تحولت الكثير من متعلقات المعتقلين.
لكن في ذلك المساء... وجدت أحد المساجين الذين يشاركونني الزنزانة يقترب منِّي ومعه الصورة.
قال إنه عثر عليها أثناء الفسحة، قرب مكب للنفايات.
لك أن تتخيل فرحتي بعودتها إلي رغم التشويه الذي وقع بها...
لم أفكر حينها بالجزء الناقص منها، حسبته ذهب إلى القمامة...
كان أحمد ينصت إلى روايته في شيء من الشك والاطراب.
كان يريد أن يصدقه... يريد أن يبرئ صديق عمره الذي وثق فيه أكثر من اي شخص آخر.
لكن ذلك يعني أنه أضاع أربع سنوات من عمره من أجل ظن كاذب... تألم، فقد ذاكرته، عاش مسيحي في ركن منفي، رفض العودة إلى أهله,,.
كل ذلك بسبب غضب اعمى بصيرته، وأدى به إلى ذلك السقوط من شاهق، حتى ارتطمت رأسه بصخرة أنسته من يكون
لا يمكنه ان يمسح كل ذلك بسهولة
تمتم وأوصاله ترتجف وهو يتخيل ما وقع ذلك اليوم: -
تلك الصورة، لم تذهب إلى النفايات...
اقصد النفايات المادية، بل استقرت في يد من يمكن أن نصفهم بنفايات البشرية.
كانت مع أحد المساجين.
صورة ندى، دَنَّسَها أحدهم... وجعل الكثيرين يقذفونها ويعرضون بشرفها...
لم اتحمل ذلك.
لم اتحمل أن أراهم يتحدثن عنها بتلك الوقاحة امام عيني...
وصلت إلى معتقل الخيام صبيحة يوم التحرير.
كنت أبحث عنك يا حسان في كل مكان... أسأل عنك كل الوجوه.
أسءل عنك كل الوجوه، توقفت أمام تلك المجموعة في باحة السجن... كنت سأسأل عنك أيضا، لكن ما رأيته بين ايديهم وما سمعته من أفواههم جمدني... أفقدني عقلي.
كيف يمكنني أن أتصور كل ما رويته لي الآن؟، كيف يمكنني أن أتخيل أن الأمور سارت بهذا الشكل؟، لم يكن هنالك شخص واحد في المعتقل يعرف ندى غيرك!
لم يكن هناك أحد يمكن أن يحصل على صورة لها غيرك! لذا لم يكن هناك أحد تنحصر فيه شكوكي غيرك
وهذا قادني إلى الجنون، إلى فقدالن الوعي والسيطرة على أعصابي...
ثم إلى فقدالن التوازن.
سقط جسدي في الهاوية، لأني لم أكن اعي أين أضع قدمي.
لم أكن أرى أمامي من شدة الغضب...
انهار على الأرض، يبكي مثل طفل فقد أمه.
يبكي سنواته الضائعة.
يبكي سوء ظنه وظلمه لأخيه وصديقه.
يبكي آلامه القديمة والحاضرة.
جلس حسان إلى جانبه في صمت.
هل يمكنه أن يلومه اليوم على ظنه به؟، ألا يكفي أنه دفع سنوات طويلة من عمره جراء تلك الظنون؟
لقد دفعت الثمن غاليا يا أحمد.
غاليا جدا...
فجأة، التفت أحمد إلى حسان كأنه تذكر شيئا ما:
ندى... رحلت؟
هز حسان رأسه وهو يبتسم في مرارة:
ندى لم تأت... انتظرتها حتى رحلت الحافلة، لكنها لم تركبها.

تعالت الطرقات على باب المنزل، طرقات خفيفة خجولة, كأن صاحبتها لا تزال مترددة.
هل احسنت فعلا بالقدوم؟، وقع خطوات بالداخل.
أحدهم جاء ليفتح الباب.
تلفتت حولها في اضطراب.
هل تفكر في الهرب والانسحاب قبل أن يلمحها أهل البيت؟
ابتلعت لعابها ووضعت كفها على صدرها ، وهي تسمع صوت يهتف تعرفه جيدا:
لحظة واحدة.
ولم تمر ثوان قليلة، حتى ظهر وجه سماح عبر الباب نصف الموارب.
ندى؟
ابتسمت وهي تلمس علامات المفاجأة على وجهها.
لم تكن زيارتها متوقعة بعد مكالمتهما الأخيرة.
كيف حالك؟
ابتعدت سماح لتفسح لها المجال وهي تدعوها إلى الدخول.
ظننتك سافرت...
لم تجب ندى على الفور.
كانت نظراتها تسرح عبر الممر وعيونها تبحث عن علامات لشخص تخشى لقاءه وتنتظره
قالت سماح وقد انتبهت إلى شرودها :
أحمد ليس هنا... تعالي لنجلس في غرفتي.
هل كان الارتياح هو ما شعرت به في تلك اللحظة أم أن الخيبة غلبت؟
تبعتها في إستسلام وهي تتنهد في سرها، لم يحن أوان المواجهة بعد.
جلست على الأريكة التي تعرفها جيدا ، كما تعرف جل أثاث هذا البيت الذي استقبلها فيما مضى
حاولت الحفاظ على ابتسامتها، وصور كثيرة تعبر ذهنها في ثوان قليلة.
قالت لتشغل نفسها :
خالتي سعاد ليست هنا؟
اجابت سماح وهي تجلس إلى جوارها وتتفرس في وجهها.
في عينيها تساؤلات كثيرة
لقد دخلت إلى غرفتها ... تستريح قليلا.
لم تشأ أن تحدثها عن البلبلة التي شهدها البيت منذ سويعات قليلة، بعد ردود الفعل العنيفة اللتي أبداها احمد.
هي نفسها كانت في غاية التوتر منذ دقائق قليلة... قبل ان يتصل أيهم ويعلمها بأن أحمد قد هدأ أخيرا، بعد أن توضح سوء الفهم الذي كان بينه وبين حسان
لم تفهم الشيء الكثير من كلماته المقتضبة، لكنها على الأقل اطمأنت إلى أن الوضع لم يصل إلى التصعيد الذي توقعته، طالما كان الأمر مجرد سوء فهم، فكل شيء على ما يرام إذن.
ساد الصمت لثوان أخرى، لم تجرؤ إحداهما على قطعه.
كأن كل منهما تنتظر إجابة سؤال لم يطرح.—
لكن القلوب وعته. تنحنحت ندى وقد رأت من واجبها أن ترد أولا:
- أخبرتك أنني قد نويت السفر. لكنني لم افعل.
شيء ما كان يشدني إلى هنا.
إحساس بأن مهمتي لم تنته بعد.
بأنه لا يمكنني الفرار هكذا وإدارة ظهري للماضي بسهولة
انصطت إليها سماح باهتمام دون ان تقاطعها , أشفقت عليها من حيرتها وارتباكها, تساءلت مرارا منذ حديثهما الأخير عما كانت ستفعله لو كانت محلها, لكنها لم تصل إلى جواب شاف.
لم يكن القرار سهلا، ولم تكن الضغوط قليلة.
لا تشكلي ضغطا جديدا عليها يا سماح.
هكذا اقنعت نفسها بعدم التدخل بعد ذلك.
من المفترض أن أكون في الحافلة الآن، متجهة إلى بيروت، لكن كلما اقترب موعد السفر، تزايد ارتباكي وتوتري.
وجدتني اجلس أمام الساعة، أراقب عقاربها البطيئة وهي تسحب الدقائق واحدة تلو الأخرى... دون أن أغادر مكاني.
حين أدركت أنه لم يعد بإمكاني أن ألحق الحافلة، وأن الطائرة ستفوتني لا محالة، احسست بنوع من الارتياح... كأن ثقلا انزاح عن صدري!
حينها فقط أدركت أنني لم أكن أريد الهرب...
وقادتني قدماي إلى هنا، بلا مقاومة مني.
مسحت بأنامل مرتجفة دمعة متمردة، حاولت التدحرج على وجنتها، ورسمت على شفتيها ابتسامة وجيلة.
لم يكن ما روته لسماح إلا نزرا يسيرا مما عانته في الساعات الماضية.
لم تخبرها أنها لم تغمض جفنا طوال الليل.
استمرت في البكاء والدعاء. قطعت خط الهاتف الأرضي وألقت ببطارية جوالها بعيدا , لم تكن لتتحمل المزيد من الاتصالات المربكة.
لم ترد ان يكتشف أحد ما تعيشه من حيرة وضياع.
لذلك عزلت نفسها عن العالم الخارجي
امسكت سماح بكفها وربتتها في ود:
أنا سعيدة بهذا...
سعيدة لأنك جئت إلى هنا، ولأنك ألغيت سفرك...
ترددت لثوان قبل أن تسألها:
ماذا عن حسان؟
هزت ندى رأسها في قلة حيلة.
لم أتحدث إليه بعد... لكن فكرة تعجيل الزواج كانت خاطئة بالتأكيد. كان قرارا ظالما لكلينا، ويجب علينا مراجعته...
قبل أن تعلق سماح، سمعت صوت محرك سيارة توقف امام البوابة.
صوت ألفته وحفظته عن ظهر قلب.
هتفت وهي تقف على عجل لاستقبال القادمين:
هذا ايهم قد وصل... لحظات وأعود إليك...
أومأت ندى برأسها، وهي تتابعها بنظراتها.
لم تخف عليها لهفة سماح وارتباكها.
وسرعان ما أكد اللغط الذي سمعته في الممر شكوكها.
لم يكن أيهم القادم الوحيد. كانت هناك أصوات كثيرة تختلط بضحكات رجالية، ولم يلبث صوت زغرودة مدوية أن صدح في المكان.
هبت ندى واقفة وقد تسارعت دقات قلبها.
اقتربت من باب الغرفة في فضول مختلط بخوف غامر.
قلبها أنبأها بأن أمرا ما يخصها يحصل في الخارج.
هل توقعت ذلك الخبر بالتحديد؟، ليست متأكدة.
كانت الشكوك تحوم حوله، لذلك تمالكت نفسها وفتحت الباب لتلقي نظرة...
ولاحظات، توقف الزمن عند الصورة التي رأتها.

ركَب الشُبَّان الثلاثة السيارة، وفكر كل منهم قد سار في واد مختلف.
أصر أيهم على أن يرافقهم حسان إلى منزل العائلة، حتى يحتفل الجميع باسترجاع احمد لذكرياته كاملة، وبِصُلْحه معه بعد سوء فهم خفي رافق أحمد في لا وعيه طوال السنوات الأربع المنصرمة.
لم يملك حسان سوى الانصياع، رغم رغبته في الانفراد بنفسه للتفكير بروية في مستجدات الأحداث.
كان مشغول البال على ندى التي لم تركب الحافلة كما أخبرته.
رجع تفكيره إليها بعد المقاطعة التي صحبت هجوم احمد عليه منذ دقائق.
لم يتمكن من الاتصال بها منذ البارحة.
اعلمته بموعد سفرها ، ثم أغلقت هاتفها .
كرر الاتصال مرات عدة، مقنعا نفسه بأن هناك مشكلة في الشبكة والإرسال .
وحين أيقن من إزماعها على العزلة، فكر في رؤيتها في موقف الحافلات.
مجيئها العاجل، ثم رحيلها المفاجئ، كل ذلك أثار الكثير من التساؤلات في ذهنه. ولم يكن بإمكانه أن يتركها ترحل دون أن يسألها مجددا.
هل احسنا فعلا بتعجيل موعد الزفاف؟ هل هي مقتنعة بهذا القرار فعلا.
ام تراها محاولا منها لطمأنته وتبديد شكوكه؟، لا ينكر سروره البالغ لقرارها ذاك...
لكنه يخشى أن يكون تسرعا بسبب فقدان احمد للذاكرة.
كان السؤال الذي صاحبه طويلا منذ عودته إلى أهله:
ماذا لو عادت إليه الذاكرة فجأة؟،
ولم يتأخر الخبر...
هاهو قد استرجعها حقا. واسترجع معها آلاما كان هو سببا غير مباشر لها
انقلبت الموازين فجأة. عاد احمد وانكشف سر ضياعه للسنوات الماضيه.
احمد الذي فقد ذاكرته بسبب غيرته على ندى، وهو يرى صورتها بين يدي أجانب يدنسون عرضها...
ما إن استرجع ذاكرته، حتى هب لينتقم لحبه القديم، بنفس الغيرة، بنفس قوة العاطفة.
هل يمكنه أن يتجاهل كل ذلك ويمضي في ارتباطه بها ؟
هل يمكنه أن يسعد في حياته معها، وهو يعلم أنه فرقها عن خطيبها دون أن يقصد؟
وهي، ندى...
ماذا سيكون موقفها حين تعلم بتفاصيل الحادثة؟، هل سيظل موقفها على حاله؟
ليس وا ثقا... ليس واثقا ابدا...
لم يكن احمد الذي انفرد بالجلوس في المقعد الخلفي بأقل حيرة واضطرابا منه.
إن الرجل الذي يجلس أمامه هو صديق شبابه، اقرب رفاقه إليه.
وهو الآن خطيب حبيبته
أساء الظن به في الماضي، ولم يشفع له لديه تاريخ الصداقة المتينة. فهل يكون هذا ثمن سوء ظنه؟
لقد دفع الكثير من عمره جزاء ظنه ذاك، فهل عليه أن يدفع المزيد...
وإلى الأبد؟
عاجز عن التفكير هو. كلاهما لا ذنب له. ندى اللتي تركها لسنوات تنتظره دون أدنى أمل... وحسان الذي غيبت الغيرة عنه خصال الأمانة وحفظ العهد التي عرفها فيه قديما وحديثا. لا ذنب لهما حتى يدفعا معه ثمن تسرعه وعمى بصيرته في لحظة غضب قاتلة.
وحده المسؤول عما وصل إليه...
ليس وحده، بل ذاك الشخص الدنيء مجهول الهوية هو المسؤول الحقيقي!
لكن أنى له أن يصل إليه بعد كل هذا الوقت؟، ستبقى حسرة في نفسه وألما في قلبه إلى النهاية.
لكن لا يحق له أن يتقاسم العقاب مع أحد... سيبتلع الغصة، ويتحمل.
تدحرجت دمعة يتيمة متكابرة على خده.
مسحها بظهر كفه على الفور قبل أن يلمحها أحد مرافقيه.
بكى مطولا قبل قليل من القهر والغل والمرارة.
بكى سنواته الضائعة وألمه الدفين الذي عاد ليطفو على سطح الذاكرة.
كان بكاؤه ذاك مشروعا وطبيعيا.
لكن لا يحق له الآن ان يبكي حبه القديم، حبه الأول والوحيد... لاعتقاده السخيف بأن الرجال لا يبكون من أجل الحب.
انتبه حين توقفت السيارة أمام منزل عائلته.
تذكر والدته التي أرعبها منظره ذاك الصباح، وشقيقته التي اتصلت بزوجها مرارا لتطمئن عليه.
أقلقهم بما فيه الكفاية... وقد آن الأوان ليهديهم صفحة جديدة صافية، ملها الاستقرار والأمان.
الآن وقد اكتملت هويته، واتخذ كل جزء من ذكرياته مكانه الصحيح، سيجعلهم ينسون كل المر الذي مضى.
ليبدأ بالابتسامة.
رسمها جيدا على شفتيه، إبتسامة سعادة
فليجعل الجانب المشرق من أحداث إليوم تغلب على المعتم منها.
حسان بريء مما ظنه به، وهو خبر مفرح بالتأكيد، ذكرياته عادة بكليتها...
لم يعد بحاجة إلى طبيب نفسي، بقدر حاجته لطبيب القلبي. لينسى ذلك الآن.
فليذكر الجانب المُشْرق... المُشْرق فقط.
ساعدته تلك الافكار على رسم ابتسامة فرح حقيقية وهو يرى سماح تقف في استقباله.
عانقها في حرارة، كالعائد من سفر طويل.
سبقه أيهم وبشرها بالذكريات العائدة، دون ذكر التفاصيل.
كأنه استجاب لاستجداء عينيه الخفي
لا تُطِل في الشرح ارجوك. فقط الأخبار السعيدة. أريد أن أفرح اليوم، ولو لبعض الوقت...
تعالى الصراخ والضحكات، مما أيقظ الخالة سعاد من رقادها.
علامات الفرح التي وصلت مسامعها كانت كفيلة وحدها لتنفس عنها كل أثار النعاس.
وما إن رأت الوجوه المستبشرة، حتى أطلقت زغرودتها دون انتظار.
لم تكن تحتاج أكثر من ابتسامة ولدها الوحيد
حتى تطلق العنان لدموع الفرح.
أما تفاصيل الخبر... فتبقى هامشية بالنسبة لها.
استرسل الجميع في هرجهم الحلو، ولم ينتبه أحدهم إلى الباب الجانبي الذي فتح ببطء ، كأن القادم يتسلل على أطراف الأصابع حتى لا يفسد فرحة أهل البيت.
أطَلَت ندى على استحياء، تريد أن تشاركهم الفرحة دون أن تعكر صفوهم.
تريد ان تكون طرفا فيها لا منغصا لها.
لكن ما إن وقع بصرها على الوقوف في الممر، حتى تسمرت مكانها ,
كانت ترى الرجلين للمرة الأولى جنبا إلى جنب منذ زمن طويل.
صديقان يتعانقان في حبور.
قفزت إلى مخيلتها صورة أخرى مشابهة.
احمد المصاب يقف عند بابها، يسانده حسان بقوة وشجاعة.
احدهما خطيبها السابق، وثانيهما خطيبها الحالي.
لم تستطع أن تقاوم دموعها، أن تراهما أمامها بهذا الشكل، كان مؤثرا للغاية.
فجأة التفتت إليها سماح، وكأنها قد تذكرت وجودها في الغرفة.
وما إن رأتها تقف عند الباب حتى هتفت وهي تمضي في اتجاهها:
ندى، تعالي...
لكن ذكر اسمها جعل قلوبا كثيرة تنتفض، وتنكأ جراحا من أنواع مختلفة .
استدارت الوجوه إليها في ارتباك
حيية هي تلك النظرات التي طالعتها على عجل، لتطمئن إلى وجودها في المكان لا غير.
ثم استرد كل منهما نظراته وألمه.
تكلمت هي لتداري توترها :
-أراكم تحتفلون...
حاولت إخفاء دموعها دون جدوى، فقد كانت غددها الدمعية في سباق مع الزمن، ما إن تسيل عبرة حتى تلفظ غيرها بلا استئذان.
سيطر الذهول على الجميع للحظات.
لم يكن أحدهم يملك الكلمات المناسبة لذلك الموقف.
كل الصيغ كانت جارحة لأحدهما
كان لا بد أن تسقط ضحية ذلك المساء
وحده حسان تشجع ليكسر الصمت.
هل تراه أراد أن يكون القاتل والمقتول في آن؟
إذا كان لا بد من موته، فليكن ذلك بكرامة وشرف.
ندى...
أحمد استرجع ذاكرته بالكلية.
تذكر الحادثة التي تسببت في فقدانه لها...
والأهم هو أنه يذكر الآن كل الماضي الذي جمعنا...
اتسعت عينا ندى، وهي تردد بصرها بين الرجلين.
لكن حسان لم يكن قد أطلق كل سهامه. تابع في هدوء عجيب حسده أحمد عليه:
ولذلك، لا يمكنني الاستمرار في الخطبة والارتباط بك...
قاطعته ندى في إشفاق ورجاء:
حسان ارجوك، دعنا نتحدث على انفراد أولا.
لكنه كان مصرا على المواصلة:
لم يعد هناك من حديث بيننا... أريد فسخ الخطبة، لا غير...
انت إليوم في حل من الارتباط، على اية حال كانت خطبة فاسدة... لا يحق لي أن اخطب على خطبة أحمد.
وهو على حد علمي لم يفسخ خطبته لك يوما. اليس كذلك؟
قال ذلك وهو يربت كتف أحمد في مَوَدَة، وابتسامة شاحبة تُزَيِّن وجهه
لكن احمد لم يملك أن يرد. كانت الدهشة قد عقدت لسانه.
لم يتوقع ذلك التصرف النبيل من حسان أبدا.
لم يكن من حقه أن يفسد ما بينهما، وهو الذي فسخ خطبته بغيابه المطول،
لم تكن خطبة فاسدة كما يدعي حَسَّان، ولا يمكن لأحد أن يلومه على زواجه بها,.
لكن حسان كان عجيبا في شهامته وكرم أخلاقه. عجيبا بدرجة مُخْجِلَة، تعاظم معها إحساس أحمد بالذنب تجاهه.
كان يريد أن يجيب، ويعطيه حقه من الثناء والاعتذار... لكن عِظَم وفائه أَلْجَمَه.
لم يكن هناك كلمات في قاموسه توفيه حقه.
تكلم حسان مجددا حين طال الصمت، كان سيد الموقف بالكل، ولد له أن ينهي المسألة على طريقته، ولو كان الثمن جرحا في قلبه:
هذا كل شيء. أَسْتَأذِنكم الآن...
ثم استدار ببطء، وخطا في اتجاه الباب الخارجي دون أن ينتظر ردا.
في تلك اللحظة، اندفع احمد نحوه بقوة. احتضنه في عنفوان، وشده بقوة إلى صدره.
لم يخجل من دموعه هذه المرة، بل خجل من قبضته التي سددت إليه لكمة ذالك المساء، فأخذ يربت ظهره بكفه في اعتذار صامت.
سالت دموع الجميع أنهارا بلا مواربة, لم تكن دموع حزن ولا دموع فرح.
كانت دموع ضعف إنساني.
وحده حسان استمر في عناده وإخفاء ضعفه.
أفلت من ذراعي أحمد، وابتعد على عجل دون أن يلتفت إلى الوراء
هل كان يريد أن ينفرد بضعفه بعيدا عن العيون؟، أم كان يريد الحفاظ على صورته الناصعة التي تركها في قلوبهم بموقفه الرجولي؟
أيا كانت رغبته الخفية، فهي كانت خوفا من تشويه المشهد الأخير الذي رسمه للمسرحية،
فعجل بإسدال الستار.

حبيبي احمد...))
التهبت وجنتاها وهي تخط تلك الكلمات على الورقة وابتسمت في خجل.
إنها تبوح له بمشاعرها للمرة الأولى، أليس هذا الوقت المناسب؟
نعم
لماذا تخجل إذن؟
تعلم الآن ان الزوجة في الإسلام لها حقها ومكانتها،
ومن حقها أن تعبر عن مشاعرها
عادت تلك المراهقة البريئة التي كانتها منذ سبع سنوات خلت.
كأنها تختبر مشاعر الحب للمرة الأولى... وتستيقظ داخلها تلك الأحاسيس الوليدة، كما عرفتها آن ذاك.
نعم، لم أعد أخاف هذه الكلمة، ولم أعد أخاف مشاعري تجاهك.
تلك المشاعر التي عَذَّبَتْنِي وأرَّقَتْني في غيابك.
الآن وأنا البس هذا الفستان الابيض وأزين رأسي بإكليل الورود البيضاء ، لم يعد لدي أدنى شك.
بعد دقائق قليلة، سنكون معا في عُشَّنا. سنكون أسعد زوجين على وجه الأرض.
يحق لنا ان نعرف طعم السعادة أخيرا بعد كل سنين الحرمان، أليس كذلك؟
مسحت دمعتها قبل أن تسقط على الورقة، ويسيل حبرها.
كانت دموع الفرح هذه المرة.
انتظرت طويلا هذا اليوم بعد أن استعاد أحمد ذاكرته وتقدم لخطبتها من جديد،
أعطت لنفسها فرصة حتى تتعرف إليه مرة أخرى، لتتأكد من مشاعرها ومن قرارها.
والأيام التي تَلَت أثبتت لها حُسْن اختيارها
والآن، بعد أن بدأت ثمار مشروعه الزراعي تنضج، أصبح بإمكانهما قطفها سويا...
لماذا أكتب إليك؟، من حقك أن تتساءل.
لم تعد المسافات تفرقنا ولم تعد هناك حواجز تمنع لقاءنا
لكنني أحببت الن أضيف إلى سجل الرسائل القديمة رسالة جديدة. تكون شاهدا على المرحلة الجديدة التي نعيشها معا.
ربما نقرؤها سويا يوما ما، بعد سنوات طويلة، حين نصبح جدا وجدة. فنسترجع هذه اللحظات الثمينة.
دعني أعترف لك بأشياء لم أبح بها إليك من قبل.
حين رأيتك للمرة الأولى، كنت ابعد ما يكون عن تصور الرحلة التي تنتظرني.
كان لقاء فوق العادة، وما لحقه من أحداث، كانت تفوق خيال الطفلة البريئة التي كنت.
حبي لك كان الدافع الرئيسي لأخوض التجربة معك.
كانت حكمة الله تعالى أن أتعلق بك ونحن نختلف في كل شيء. كانت حكمته ايضا أن أفقدك وأنا في أشد الحاجة إليك.
حرمني منك ليأخذني إليه.
أبعدك عني لأعرفه جل شأنه دون ان تختلط الأمور علي وتشوب إيماني شائبة.
الآن، حين أفكر في تلك الفترة، أحمد الله على حسن تقديره وتدبيره.
لا تغضب مني، فأنا لا أذهب إلى تمنِّي بُعدك.
لكنني أدرك الآن أنك لو ظللتي إلى جانبي طوال الطريق، لكنت شككت في نفسي، كما شك في كل من حولي.
لكنت عللت ميلي للإسلام بحبي لك ولكل ما تحبه.
ربما كنت أمعنت في المكابَرة، ولربما بقيت على ضلالتي لفترة لفترة أطول
أتعلم؟، حين توصلت إلى اليقين وأعلنت اقتناعي بالإسلام، ظننت أنني وصلت إلى خط النهاية.
انني عبرت الاختبار بنجاح.
كنت أجهل انني لم أقطع سوى أميال قليلة... من رحلة الألف ميل.
كان علي أن أعبر بعدها أميالا لأثبت على ديني ولا أرتد أمام كل المعوقات التي تسعى لإرباكي وتحطيم مقاومتي.
كان علي أن اعمل على تحصين قلبي، بمعرفة الحقيقة. ثم أنشرها من حولي على كل من ظَل على الجهل الذي كنت فيه...
هل تعلم، ظننت أن كل تلك المراحل كانت الأصعب.
لكن يبدو أنني أخطأت في تقديري، فما زال هنالك الكثير والكثير. الأميال الألف لم تنته بعد.
أنا اليوم مسلمة، ومسؤولة عن صورة الإسلام في عيون غير معتنقيه.
أنا مسؤولة مثل غيري من المسلمين، عن الإتهامات بالإرهاب والتخلف والفوضى والفساد
,, أنا مسؤولة عن حسن تطبيقي لتعاليم الإسلام في حياتي اليومية؛ عن إنشاء بيت مسلم، وتربية أطفال مسلمين، يفهمون دينهم، ويتخذونه منهاجا ومسارا لحياتهم.
أتدري كم هي عظيمة هذه المسؤولية؟، أعلم أني لن أكون قوية على امتداد الرحلة.
قد أتعب وقد أحيد قليلا عن الطريق,
لذلك أريدك أن تأخذ بيدي وتَرُدَّني إلى الصواب.
أرجوك، كن معي لنكون معا إلى آخر المشوار.
زوجتك المُحِبَّة، ندى.))
أرجوك، أرجوك كن معي لنكون معا إلى آخر المشوار.
زوجتك المُحِبَّة، ندى.))

تنهدت وهي تقرأ رسالتها مرة أخرى.
ثم ضمتها إلى صدرها ، ودعت الله في صمت، كي يبارك لها في زواجها ، ويجعله وسيلة لرضاه.

في تلك اللحظة تعالت الدقات على بابها، ثُمَّ ظهرت سونيا تستعجلها :
عائلة العريس وصلت... هل انت مستعدة؟
هزت رأسها علامة الإيجاب، ثم وقفت لتلقي نظرة أخيرة على زينتها.
أحلى عروس وَرَبِّي!
ابتسمت وهي تطرق في خجل أمام ثناء النسوة اللواتي تدافعن لتهنئتها.
ثم سارت بخطوات محتشمة نحو القاعة المُزَيَّنة، حيث ينتظرها عريسها.

تمت بحمد الله
*********************
إلي هنا تنتهي رواية فى قلبى انثي عبرية بقلم خولة حمدى
تابع من هنا : جميع فصول رواية فى قلبى أنثى عبرية 
تابع من هنا: جميع فصول رواية حكاية بقلم إيمان الصياد
تابعوا صفحتنا على الفيس بوك للمزيد من روايات حب
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

يسعدنا تلقي اقتراحاتك أو تعليقك هنا

الاسمبريد إلكترونيرسالة