قصص 26 قصص 26

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

يسعدنا تلقي اقتراحاتك أو تعليقك هنا

روايات كاملة / رواية أرض زيكولا بقلم عمرو عبد الحميد "الفصل الثلاثون"

مرحبا بك عزيزي القارئ فى روايات كاملة فى هذه الرواية الكثير من الأسماء هذه الأسماء لا علاقة لها بأي أسماء على أرض الواقع 
روايات كاملة / رواية أرض زيكولا بقلم عمرو عبد الحميد "الفصل الثلاثون"
الفصل الثلاثون
عاد خالد إلى غرفة الفقراء مرة أخرى  ومعه جواد وأُغلق الباب الحديدي من الخارج .. و ظلّت أنفاسه متسارعة وزاد قلقه  وتوتّره كثيرًا وكلما حاول جواد أن يتحدث إليه لا يجبه ..  ولا تتوقف رأسه عن التفكير .. لا يرى أمامه سوى ما رآه يوم زيكولا السابق حين ذُبح الفقير وسْط احتفالات أهل زيكولا .. أما أسيل فمازالت في قصر الحاكم تتمنى أن تجد يامنًا الذي اختفى منذ مجيئه إليها المرة السابقة ..
لا تعلم ماذا حدث بالمنطقة الغربية .. تريد أن تعلم هل عاد خالد إلى حريته مجددً ا أم تجده أمامها يوم تختار الثلاثة الأكثر فقرًا .. تتمنى أن تغادر القصر إلى المنطقة الغربية ولكنها لا تستطيع أن تترك زوجة الحاكم في هذا
 التوقيت .. فلم تجد أمامها سوى أن تنتظر حتى يمر ذلك اليوم  وما يليه ووقتها سيتضح كل شيء
الموسيقى تنتشر في كافة أرجاء زيكولا والأخبار تتناقل بين هذا وذاك .. الجميع يتحدثون عن فقراء زيكولا ويتهامسون بأن أطباءها قد اختاروا فقيرين بكل منطقة بها ..  وينتظرون طبيبتهم الأولى حتى تعطي كلمتها الأخيرة .. يريدون أن يفرحوا .. يريدون أن يُهنّئوا حاكمهم بهذا اليوم .. الجميع في أوج سعادتهم طالما ابتعدوا عن منصة الذبح .. يعملون نها رًا ويتراقصون ليلًا .. يعلمون أنها أيام  وستمُر وسيعودون مجددًا إلى حياتهم وأعمالهم الشاقة .. فأرادوا أن يقتنصوا كل ذرة سعادة في تلك الأيام .. حتى سور زيكولا بدا  وكأنه في أيام عُرسه بعدما عُلّقت فوقه رايات عديدة مختلفة الألون ترفرف بقوة وتتوسطها نيران مشتعلة تعلنعن احتفال أهل مدينته والذين بدأوا يتجهون إلى المنطقة الوسطى أفواجًا متتالية ليشاهدوا منافسة الزيكولا ومعهم ما يكفيهم من طعام حتى ذلك اليوم وحتى يوم زيكولا حين يتنقلون إلى المنطقة الشرقية حيث أرض الاحتفال ومنصة ذبح الفقير .. 
أما أهالي المنطقة الغربية فقد تجمّعوا أمام القصر الذي حبس به خالد وجواد حين اصطف أمامه العديد من الجنود إيذانًا برحيل الفقيرين إلى المنطقة الوسطى حيث قصر الحاكم وصاحوا وهللوا حين رأوا خالدًا وجوادًا مُكبّلين يدًا وقدمًا ويتقدمهم قائد الجنود إلى عربة تقف أمام القصر .. ثم بدأت العربة في التحرك في طريقها لمغادرة تلك المنطقة ..  
سارت العربة وشقّت طريقها وبداخلها خالد ينظر عبر نافذتها إلى الصحراء الشاسعة على جانب الطريق وكلما حاول جواد أن يتحدث إليه لا يرد ويظل محدّقًا خارج العربة حتى ابتسم جواد وتحدّث في هدوء : 
- أعلم أنك حزين للغاية وأعلم أنك تسخط على حاكمنا وولده .. ولكن لا تيأس يا صديق .. ما زال أمامك فرصتان كي تنجو بحياتك .. 
وخالد يواصل صمته ولا يرد .. حتى تحدّث جواد مجددًا : 
-  أحدنا سينجو بالطبع .. وقد ينجو كلانا .. ثم صمت وأكمل : 
-  أريد أن أطلب منك شيئًا .. ثم تابع : 
-  إن نجوت وكنت أنا من سيُذبح وجاء يوم زيكولا ووقفت بين من يحتفلون بذبحي ورأيت امرأة تبكي وسط من يفرحون فاذهب إليها  وأخبرها أنني لم أحب بحياتي مثلما أحببتها .. 
 وسالت بعض دموعه على وجهه فالتفت إليه خالد ووضع كفه على ركبته وابتسم إليه :
-  ستعود إليها يا جواد .. وستنجبان أطفالًا تعيش وتفخر بزيكولا .. 
فابتسم جواد والدموع تلمع على وجهه وأكمل :
-  وأنت ؟.. لا تريد أن توصيني بشي ؟
فصمت قليلًا  ثم نظر عبر النافذة مجددًا وعاد لينظر لجواد : 
-  إن وجدت شابًا في مثل عمري يدعى يامنًا ويقف حزينًا فأخبره بأنني لم أجد صديقًا وأخًا مثله ثم صمت برهةً وأكمل : 
-  وإن رأيت طبيبة زيكولا تنظر كثيرًا إلى السماء ليلًا  تبحث عن نجم بها .. فأخبرها أنها أجمل حقًا من ذلك النجم ..
فسأله على الفور :
-  هل تعرفك طبيبة زيكولا ؟ فأجابه خالد : -  نعم .. 
فابتسم وأكمل : 
-  هل تحبها؟ فردّ خالد : نعم .. 
فسأله : وهي ؟.. تحبك ؟ فصمت خالد ثم أجابه : لا أدري ..
فأكمل جواد : 
 -إن كانت تحبك فلن تتركك لتكون ذبيح زيكولا .. 
فصمت خالد مرة أخرى ثم عاد هائمًا يتأمل الطريق عبر نافذة العربة .. وأكملت العربة سيرها وأمر سائقها حصانه بأن يسرع  ولسعه بسوطٍ بيده .. حتى وصلت مع اقتراب غروب الشمس إلى المنطقة الوسطى والتى ازدحمت شوارعها بالكثير من الناس ..  وواصلت العربة تحركها .. حتى توقفت أمام قصر الحاكم ..
كانت أسيل تجلس بغرفتها حين أخبرتها وصيفتها بأن فقراء مناطق زيكولا قد بدأوا في القدوم .. فدقّ قلبها بقوة وسألتها على الفور : 
 -هل وصل فقيرا المنطقة الغربية ؟ فأجابت الوصيفة : 
 -نعم سيدتى .. 
فسألتها مجددًا :
 -هل رأي تهما ؟ فأجابتها : 
 -لا .. لم أرهما .. إنهما قد وصلا منذ لحظات قليلة وسيتجها نحو بهو القصر .. 
 وأكملت : 
 -أستطيع أن أشاهدهما من تلك الشرفة .. 
ثم أشارت إلى شرفة الغرفة وأكملت : 
-  وهم يمرون نحو بهو القصر ..
فالتفتت أسيل إلى الشرفة : 
 -لا .. عليك أن تغادري الآن ..  وأخبريني حين يكتملون .. 
فابتسمت الوصيفة ثم غادرت ..
 أما أسيل فأسرعت إلى الشرفة ووقفت أمامها تنتظر أن يمر فقراء مناطق زيكولا .. تنتظر  وتتسارع أنفاسها .. تخشى أن يكون ما تظنه حقيقة ..  وتسأل نفسها : أين يامن ؟..  ولماذا لم يأتها ليخبرها بما حدث لخالد ؟! وكلّما مرّ أحد بالأسفل نظرت إليه في لهفة وشعرت بسعادة حينما تتحقق أنه ليس خالد .. حتى انتفض قلبها وكأنه اُنتزع منها حين وجدت أحد الجنود يتقدم ويأتي خالد من خلفه مطأطئ الرأس ويسير ببطءٍ ومعه فقير غيره قد كُبّلا سويًا ويصيح بهما الجندي :
-  أسرعا أيها الفقيران .. 
فأمسكت برأسها وعادت خطوات إلى الخلف ووضعت يدها على فمها من الصدمة .. ثم تحركت نحو الشرفة مجددًا وظلت تنظر إلى خالد  وهو يتحرك بصعوبة خلف الجندي إلى بهو القصر .. فتسارعت أنفاسها ولمعت عيناها بالدموع وتحدّثت إلى نفسها :
-  ماذا أفعل ؟.. ماذا لو كان أكثرهم فقرًا ؟!.. 
تنظر إلى وريقاته المبعثرة في غرفتها وتقرأ كلماته .. أنه لم يحب غيرها وتحدّث نفسها :
-  إن مصيره بيدي ..
 وتتحرك جيئة وذهابً ا بالغرفة وتسأل نفسها حين تقف أمام المرآة :
-  ماذا أفعل ؟ 
ثم نظرت إلى الأوراق مجددًا وكأنها تحدّثها :
-  خالد .. ماذا لو كنت أنت الأفقر بينهم ؟ ماذا تريدُني أن أقرر ؟  
 وتعود إلى حركتها جيئة وذهابًا وتمسك برأسها وتمرر يدها فوق شعرها ثم تنظر عبر الشرفة وترى الفقراء الآخرين الذين يتجهون نحو بهو القصر .. حتى سمعت طرقات على باب غرفتها ودلفت إليها وصيفتها وقالت :
-  سيدتى لقد اكتمل عدد الفقراء ببهو القصر والجميع في انتظارك ..
فزاد انتفاض قلبها ثم حدّثتها :
-  حسنًا .. سآتي على الفور .. 

هننننا

فأغلقت الوصيفة باب الغرفة وجلست أسيل على سريرها ووضعت رأسها بين يديها  وكأنها لا تدري ماذا تقرر .. ثم نهضت مجددً ا،  واتجهت مرة أخرى نحو الشرفة ولكنها لم تنظر لأسفل .. بل نظرت إلى السماء التي امتلأت بشفق الغروب وبدأت تتحدث والدموع على وجهها : 
-  رأيت خالد كثيرًا ينظر إلى السماء كلما وقع في محنة وسمعته يقو ل .. يا ربساعدني .. 
 أنا أنظر مثلما كان يفعل الآن ..  وأقول مثله .. يارب .. يارب ساعدني .. أريدك أن تساعدني .. ثم أغمضت عينيها وانهمرت دموعها كثيرًا ..  وأكملت : 
-  ساعدني .. لا أريد أن أفقد خالدً ا ثم تابعت : 
-  ولا أريد أن أظلم أحدًا .. لا أريد أن أظلم أحدًا .. 
كان الصمت يسود بهو قصر الحاكم وكأنه لا يوجد أحد به .. الجميع صامتون ك ل  يفكر بمصيره وينتظر أن تأتي الطبيبة .. عشرة من الفقراء .. سبعة رجال  وثلاث فتيات .. ينتظرون أن يمر الوقت سريعًا .. أي منهم سينجو وأي منهم ستختاره الطبيبة لمنافسة الزيكولا وخالد يقف  وينظر إليهم في صمت .. ثم ينظر إلى أعلى وكأنه يناجي ربه .. حتى كُسر ذلك الصمت حين دلفت أسيل بفستانها الفضفاض إلى بهو القصر ومعها قائد حرس الحاكم الذي أتاها ليلة وضع زوجة الحاكم وتحدّث بصوت غليظ :
- ستختار سيدتي الآن الثلاثة الأكثر فقرًا ..
فتقدمت أسيل في صمت ومرت أمامهم وخالد ينظر إليها وتعمدت ألا تنظر إليه حتى أنها أرادت أن تلمحه بطرف عينها ولكنها أبعدت نظرها على الفور .. ثم همست إلى قائد الحرس أن يقدم إليها فقيرًا تلو الآخر .. 

 * * *

بدأت أسيل تفحص كل من يتقدم إليها  وتتأمله،  وتضع ثنية من جلده بين إصبعيها، ثم تسأله إن كان قد مرض من قبل،  وإن أجابها بأنه قد مرض تسأله المزيد من الأسئلة عن ذلك المرض،   وتزيد من فحصها لأكثر من مكان بجسده حتى تعلم إن كان قد مرض حقً ا أم أنه يدّعي ذلك كي ينجو.. حتى تق د م إليها جواد،  وبدأت تفحصه، و قد نظرت إلى خالد خلسةً بطرف عينها فابتسم جواد،  وتحدّث إليها: - إنه يحبك أيضً ا..
فنظرت إليه،  ولم تتحدث ثم أمرت أن يأتي من بعده.. فوجدت خالدً ا يتقدم إليها فدقّ قلبها بقوة،  ولامست وجهه  ويدها ترتعش قليلًا ..  وخالد ينظر إلى عينيها دون أن ينطق ببنت شفة..  وتحدّث نفسها.. ماذا أفعل يا خالد إن كنت الأفقر.. ماذا أفعل؟، ثم نظرت إلى قائد الحرس أن يأتي بمن بعد خالد،  والذي فوجئ بعدما استغرق فحص خالد وقتً ا أقل كثي رًا ممن فُحصوا قبله،  ولكنه طلب من فقير آخر أن يتقدم إلى الطبيبة،  وظلّت أسيل تفحص جميع الفقراء المتواجدين بالبهو حتى انتهت.. ثم عادت لتجلس على أحد الكراس ي الفخمة المتواجدة،  وأمسكت بقلم  وبعض الوريقات،  وبدأت تد  وّن بعض كلماتها..  والجميع ينظرون إليها في صمت..
لا يُسمع فقط سوى صوت الأنفاس المتسارعة من بعضهم.. حتى نهضت  وتحركت نحوهم.. ثم تحركت أمامهم جيئة  وذهابً ا  ونظرت إلى فتاة: 
-  أن ت .. اخرجي إلى أهلك.. 
فصرخت الفتاة من الفرحة ثم نظرت أسيل إلى فقير آخر: 
-  وأنت.. عُد إلى أهلك..
فصاح فرحً ا..  وواصلت أسيل تحركها بينهم،  وكلما تحرّكت تشير إلى أحدهم بأن يعود إلى أهله.. حتى توقفت مكانها بعدما لم يتب ق  سوى أربعة فقراء فقط.. بينهم خالد  وجواد،  واحتبست الأنفاس،  والجميع ينتظرون من هو الناجي الأخير.. 
تقف أسيل أمامهم،  وخالد ينظر إليها في تر ق ب،  وجواد ينظر إليه  وكأنه يوقن بأنه من ستختاره،  ويقف بجوارهما فقيران يزداد الوجوم على وجههما.. حتى نظرت إليهم،  وأشارت إلى جواد: 
-  أنت عُد إلى أهلك ..
ثم نظرت إلى خالد  والفقيرين الآخرين: 
-  أنتم الأكثر فق رًا بينهم.. الزيكولا ستحدد من منكما ذبيح يومنا.. 
فسقط خالد على ركبتيه،  ونظر إلى أسيل،  وكأنه لا يصدق ما سمعته أذناه..
 وصاح بصوته: 
-  أسيل ..
فغادرت على الفور ،  واتجهت إلى غرفتها،  وما إن دلفت إليها حتى واصلت بكاءها مجددً ا،  وتحدّثت إلى نفسها بصوت عالٍ :
-  لم أجد أمامي سوى ما فعلته.. لا أستطيع أن أظلم أحدً ا.. لا أستطيع.. 
ثم أغمضت عينيها،  وتحدّثت:
-  ستنجو من الزيكولا يا خالد.. ستنجيك الزيكولا.. إنك لا تستحق أن تُ ذ ب ح في مدينتنا.. ستنجو.. ستنجو.. 
أما خالد فقد أمره قائد الحرس بأن يتبعه هو  ومن معه إلى قصر مجاور لقصر الحاكم،  وسمع جواد الذي مازال يقف بجواره يهمس إليه :
-  ستذهبون إلى قصر النحّاتين الآن.. 
فنظر إليه خالد دون أن يرد،  ثم تابع جواد: 
-  إن كانت الطبيبة تحبك لأبعدتك عن هذا المصير.. 
 فصاح به قائد الحرس: 
-  ه ي ا.. أنت.. عليك أن تغادر القصر.. 
فتحدّث خالد إليه :
-  عُد إلى حبيبتك يا جواد..  وإن  م ت  فابحث عن يامن،  وأخبره كما قلت لك.. 
فابتسم جواد ثم تركه  وغادر،  وتحرك خالد مُكبّ ل اليديّن  والقدميّن خلف قائد الحرس الذي طالبه بأن يسرع.. حتى غادروا قصر الحاكم،  واتجهوا إلى قصر مجاور وسط تجمع كبير من أهالي زيكولا الذين وقفوا أمام القصر لي روا من الذين سيخوضون تلك المنافسة رغم حلول الليل،  وما إن رأوا خالد  والفقيرين الآخريْ ن مكبّلين  ويتجهون نحو قصر النحاتين حتى صاحوا،  وصاح أحدهم بصوت مميز: -إنه الغريب الذي كان يعمل معنا بتقطيع الصخور ..
 وصاحت أخر ى: 
  -لقد رأيته من قبل يبحث عن مالك لكتاب غريب..
 والجنود يحاولون أن يبعدوا الناس عنهم حتى وصلوا إلى قصر مجاو ر،  ودلفوا إليه،  وعلم خالد منذ دخوله إلى ذلك المكان بأنه قلعة النحاتين.. حيث يصنع تمثال من الصلصال لكل فقير منهم.. 

 * * *هنننننننناااااااا


كان قصر النحاتين ذو واجهة فخمة ونقوش خارجية على هيئة تماثيل لأشخاص  وحيوانات تظهر خلف النيران المضيئة التي توهجت بقوة مع ظلام الليل مما أعطته جمالًا  خاصًا .. أما داخله فقد أُنير بمصابيح نارية عديدة وكأن النهار قد حل به ولكنه لم يكن يمتلك ذلك الجمال بالخارج ولم تكن به سوى بضعة تماثيل قديمة يبدو أنها نحتت لفقراء من قبل .. وكتل طينية بأركان صالاته الكبرى وتفوح بأرجائه رائحة الصلصال .. حتى توقفوا جميعًا حين ناداهم شخص قصير القامة ممتلئ البطن رأسه صلعاء ولحيته طويلة جعل منها ضفيرات صغيرة متعددة : 
-  عليكم أن تمكثوا هنا .. ثم أكمل : 
-  سيتولى كل نحّات بعد قليل صناعة تمثال كل منكم ..
فمكثوا مكانهم وبعد لحظات وجدوا ثلاثة رجال تترواح أعمارهم ما بين الشباب والكهولة وقد وقف كل منهم أمام فقير من الثلاثة ونظر خالد إلى من يقف أمامه وكأنه في حلم عميق وهزّ رأسه لعله يفيق من هذا الحلم حتى ناداه من يقف أمامه ويمسك بأدوات النحت في يده : 
-  عليك ألا تتحرك أيها الفقير .. أتريد تمثالك مشوّها ؟!!  ثم ضحك ساخرًا .. وتابع :
-  الزم السكون .. إن إمامك أمهر وأسرع نحات بزيكولا.. سأنتهي من تمثالك في زمن قياسي ..
فنظر إليه خالد وأخرج زفيرًا قويًا .. ثم بدأ النحّات عمله وجلب كتلة ضخمة من الصلصال وبدأ يشكل أجزاءها بعدما يلمح بطرف عينه خالد وبين الحين والآخر يقترب منه ليضع يده على رأسه وكأنه يستخدمها للمقارنة بين قياساته .. ثم يعود مجددًا إلى تمثاله الذي بدأت ملامحه تظهر شيئًا فشيئًا .. 
النحاتون يعملون بمهارة وسرعة فائقة .. ويقف خالد ومن معه دون حراك .. ينتظر كل منهم أن ينتهي من صنع تمثاله عله يغادر هذا المكان وأسرع الوقت من مروره حتى انتهى النحاتون من عملهم مع شروق الشمس وقد صنعوا ثلاثة تماثيل من الصلصال يشبهون أصحابهم ونظر خالد إلى تمثاله الذي كان يقف شامخًا وتعتلي وجهه نظرة حزن واضحة وهزّ رأسه في حز ن ثم نظر إلى أحد الفقيرين بجواره وسأله :
-  ماذا سنفعل الآن بعد نحت تماثيلنا ؟ فرد الفقير بصوت واهن : 
-  لم يعد لنا سوى أن نخوض منافسة الزيكولا .. 
فسأله خالد : 
-  هل سنخوضها الآن ؟ فرد قائد الحرس : 
-  لماذا تتعجل أيها الفقير ؟! 
-  إن الوقت مازال باكرًا .. ستكون المنافسة بعد ساعات من الآن .. حين تكون الشمس عمودية .. أي منتصف النهار .. ثم أكمل : 
-  مع شروق شمس اليوم فُتح باب زيكولا وهناك الكثيرون ممن كانوا بخارجها واشتاقوا إلى احتفالاتنا مرة أخرى وسيستغرق مجيئهم إلى هنا العديد من الساعات .. 
فتمتم خالد : 
-  فُتح باب زيكولا ؟!! 
ثم تجاهل ذلك الأمر وسأل قائد الحرس : 
-  ماذا سنفعل في تلك المنافسة ؟.. لقد أخبرني أصدقائي عنها من قبل .. ولكنني لا أتذكّرها جيدًا .. 
فأجابه : 
-  أيها الفقير ستحدد الزيكولا مصيرك .. كي لا تقول إن الطبيبة هي من اختارت لك الموت .. ما عليك سوى أن تختار ثلاثة أماكن من تمثالك هذا وتحميهم بدروع صغيرة وستُطلق سهام الزيكولا نحو تمثالك .. وإن أصابتك سهام أكثر من غيرك كنت أنت ذبيح 
يومنا .. 
فصمت خالد ونظر إلى أعلى :
-  يارب ساعدني .. 
مر الوقت واقتربت الشمس من تعامدها ظهرًا على الأرض واجتمعت الألوف من أهالي زيكولا بساحة كبيرة بالمنطقة الوسطى واصطفوا أمام منصّة خشبية عالية وأخذوا يرقصون ويغنون وينشدون الأهازيج وحمل الكثيرون منهم أطفالهم فوق أكتافهم حتى  أشار أحدهم إلى طفله :
- انظر .. إنها الزيكولا ..
وأشار إلى المنصة حين قام مجموعة من الجنود بإزاحة قطعة قماشية كبيرة .. كانت تخفي أسفلها عمودين خشبيّين سميكين  ومتوازيين ويصل طول كل منهما إلى ثلاثة أمتار وبينهما قرص خشبي دائري يصل قُطره إلى ما يقارب مترًا واحدًا وتبرز منه ثلاثة أسهم طويلة وتظهر من خلفه تروس حديدية تتباين أحجامها ويزداد لمعانها تحت آشعة الشمس وبجوار تلك الآلة يقف رجل ضخم حليق الرأس لا يرتدي سوى سروالٍ  واسعٍ  وتبرز عضلاته القوية وذراعه الضخم الذي يمسك بذراع حديدي امتد من أحد العمودين الخشبيّين للزيكولا ويمسك ذراعه الآخر بذراع خشبي أقل طولًا ويتصل مباشرة بشريط يخرج من القرص الخشبي ..
حتى صاح الجميع حين دقّت الطبول وظهر الحاكم بشرفة قصره .. تجاوره زوجته  وعلى ذراعيها رضيعها وتجاورهما أسيل والتي وقفت واجمة والقلق ينبعث من عينيها .. ثم جلسوا جميعًا ينتظرون بدء المنافسة .. 
الجميع ينتظرون .. الجميع يتراقصون وأسيل تنتظر أن ترى خالدًا .. يدق قلبها بقوة .. تنظر إلى السماء مجددًا وتتحرك شفتاها متمتمة بهمسات غير مسموعة ..
حتى وجدت الجنود يحملون التماثيل الثلاثة ويصعدون بها إلى المنصّة الخشبية ويسير من خلفهم خالد ومن معه فتسارعت أنفاسها وهللت الألوف المتواجدة حين وجدوهم يصعدون المنصة .. 
بعدها التفت قائد الحرس إلى شرفة قصر الحاكم وانحنى إليه فأشار إليه بأن تبدأ المنافسة فالتفت إلى خالد والفقيرين معه .. ثم أشار إلى أحد الفقيرين :
-  ستبدأ أنت .. أين ستضع دروعك الثلاثة ؟  
فنظر إليه الفقير في صمت .. ثم تقدم بعدما فُكّت قيوده ونظر إلى الزيكولا ثم التفت إلى تمثاله ونطق :
-  سأحمي ذراع تمثالي الأيمن من أعلى وفخذ تمثالي الأيسر وأسفل بطنه ..
فصاح قائد الحرس بأحد جنوده : 
-  ضع دروعه كما أراد .. 
فوضع الجندي دروعًا حديدة صغيرة تلائم الأماكن التي أرادها الفقير .. ثم حمل التمثال ومعه جندي آخر إلى أمام الزيكولا .. لا تفصلهما إلا أمتار قليلة .. 
صمتت الأهازيج وصمت من يتواجدون وكأن أنفاسهم قد حُبست ثم نطق قائد الحرس إلى الفقي :
-  سينطلق كل سهم من سهامك الثلاثة حين تشير إلى حارس الزيكولا .. 


فرد الفقير بصوت واهن : حسنًا .. 
ثم أشار القائد إلى الرجل الضخم الذي يمسك بذراع الزيكولا الحديدي بأن يحرك أحد ذراعيها .. فابتسم الرجل مبرزًا أسنانه الصفراء الكبيرة .. وجذب الذراع الحديدي نحوه فبدأت التروس الحديدية تتحرك ببطء وتسرع من حركتها شيئًا فشيئًا وتحرّك معها القرص الخشبي وما عليه من سهام ثم زادت سرعته كثيرًا وأصبح يدور دون أن تظهر سهامه .. يدور حول نفسه ثم يتنقل بين العمودين الخشبيّين في حركة عشوائية خاطفة لا يستطيع أحد توقّعها وخالد ينظر إليه وقلبه يدق بقوة ويحدّ ث نفسه : 
-  مستحيل أن أحدد اتجاه السهام .. 
حتى أشار الفقير الأول إلى حارس الزيكولا فجذب الرجل الذراع الخشبي القصير على الفور .. فانطلق السهم الأول نحو تمثاله فأصاب عنق التمثال .. فصاح الحضور ثم أكمل القرص دورانه وبعد لحظات أشار الفقير مجددًا إلى الحارس فانطلق السهم الثاني فاخترق ذراعه الأيسر فصاح الناس مجددًا وظهر التوتر على وجه الفقير ونظر إلى الزيكولا كثيرًا وإلى قرصها الذي يدور .. ثم أشار إلى الحارس من جديد فانطلق سهمه الأخير فاصطدم بدرعه الحديدي فوق أسفل بطن تمثاله .. فزاد صياح أهالي زيكولا ودُقت الطبول وابتسم الفقير قليلًا بعدما لم يصب تمثاله سوى سهمين .. ثم أشار قائد الحراس إلى الفقير الآخر :
-  هيا تقدم لتحمي تمثالك .. 
فتقدم هو الآخر وفعل مثلما فعل الفقير الأو ل وكلّما أشار إلى حارس الزيكولا صاح الناس .. حتى انتهى من سهامه الثلاثة ولم يصب تمثاله إلا سهم واحد اخترق بطنه السفلى ورقص فر حًا مع دقات الطبول بعدما أيقن أنه قد نجا بذلك .. ثم أشار قائد الحرس إلى خالد : 
-  هيا لم يعد سواك .. إما أن تنجو بألا يصيب تمثالك سهام أو يصيبه سهم واحد .. أو يصيبك سهمان فتُعاد المنافسة بينك  وبينه ..  وأشار إلى الفقير الاول .. أما غير ذلك فستكون ذبيح غد .. 
فتقدم خالد نحو تمثاله ووقف أمامه دون أن يفعل شيئًا .. فصاح به القائد : 


-  أسرع .. 
فنظر خالد إلى قرص الزيكولا والذي زُرع ت به السهام من جديد .. ثم نظر عاليًا إلى شرفة قصر الحاكم حيث تجلس أسيل .. بعدها نظر إلى تمثاله وأغمض عينيه وتمتم بآيات قرآنية ثم فتحهما ونظر إلى القائد : 
-  أريد أن أضع دروعي كي تحمي صدر تمثالي وعضد ذراعه الأيسر .. ثم صمت مجددًا ونظر إلى الزيكولا ثم التفت إلى تمثاله  وأكمل :
-  وأريد أن أحمي رأس تمثالي ..
فأشار القائد إلى جنوده بأن ينقلوا تمثاله أمام الزيكولا وأن يضعوا دروعه مثلما أراد .. ثم أمر حارس الزيكولا بأن يبدأ دوران قرصها .. فبدأت التروس تتحرك من جديد وخالد يراقب القرص الذي يدور مسرعا ويتحرك بين العمودين الخشبيّين .. حتى سمى الله ثم أشار إليه فانطلق السهم الأول فصاح الجميع حين أصاب فخذ تمثاله الأيمن .. فدقّ قلبه بقوة ودقّ قلب أسيل وانتفض وكأنها تسمع دقّاته والقرص يواصل دورانه وخالد لا يعلم ماذا يصنع .. لا يرى تلك السهام بالقرص وأيهما سينطلق .. ثم أشار إلى الحارس مجددًا فانطلق السهم الثاني فأصاب فخذه الأيمن مرة أخرى .. فأمسك برأسه وحدّث نفسه وكأن أنفاسه تقطعت : 
-  تمالك يا خالد .. تمالك .. 
-  عليك أن تفكر قليلًا .. لم يعد سوى سهم واحد .. إما أن تُعاد المنافسة .. وإما إن تكون ذبيح غد ..
 وأسيل تحدّث نفسها :
-  تمالك يا خالد .. تمالك ..
ثم نظر إلى القرص مجددًا والجميع أنفاسهم محتبسة .. ينتظرون إشارته الأخيرة وحارس الزيكولا يبتسم ويتأهّب كي يجذب ذراعها ومازالت عينا خالد تتحرك مسرعة بين قرص الزيكولا وبين تمثاله الواقف أمامه وأسيل  تتمتم وتتحرك شفتاها في توتر وتلمع عيناها بالدموع .. حتى إنها لم تستطع أن تواصل جلوسها ونهضت لتقف مكانها وأغمضت عينيها بعدما وجدته يشير إلى حارس الزيكولا بأن يطلق سهمه الأخير .. 

عن الكاتب

mohamed rashad

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

قصص 26