-->
U3F1ZWV6ZTMzNTg0ODE3NzI1X0FjdGl2YXRpb24zODA0Njk2NDgxODg=
recent
آخر القصص

رواية عصفورة تحدت صقراً بقلم فاطمة رزق - الفصل الحادي والثلاثون

مرحبا بكم متابعين قصص 26 موعدنا في قسم روايات رومانسية كاملة والكاتبة فاطمة رزق والفصل الواحد والثلاثون برواية عصفوره تحدت صقراً 

وَعَـىَ على مُر الحياهِ ، حين إِصطَدم بواقِعِــهِ .. فنشأَ على كُره حــواءَ ، فلم تكن يوما منزلُــهُ .. وبنفورِهِ جعلَ الجواري تَشتهى قُربَــهُ .. فعُزِزَ الغُــرور في نفسهِ ، بأنُ لا مِثل لـهُ .. فأتتْ هي قبل أن ينخدِعَ بِظَنــهِ .. لتُريهُ مدى ضآلة حجمــهِ .. فليست من الجــَواري، ولا أَمـه يروق لها منزلــُه .. هي سيـدةٌ فى قصرٍ من الحيــاءِ تزينت جُدرانُـهُ .. هي سيـدةُ حسنـاءٌ ، تملك من الكـِبْرِياءِ ما تَكبَح بـِهِ غـرورَهُ .. فقطعَ العهــودَ والمواثيــقَ على نفســهِ .. بأن أيامها القادمــةُ ستكونُ داخلَ جحيمــهِ .. ولِتـَـرى ابنه حــواء ذاك الذي قَـللتْ من شأنِــهِ .. كيف يَسوقهـا إلى هاويةِ الهـلاكِ بنفسـهِ ..! هل ستقاوم سَبيـهُ ، أَم هل ترضـخُ لــهُ ؟ هل ستعيش حبيسَــةً ، أَم سيُجّــلِي قَيــّدَهُ ؟ اللي مشفش الفصل الرابع يقدر يشوفه من هنا رواية عصفوره تحدت صقراً "الفصل الثلاثون"

روايات رومانسية كاملة | رواية عصفوره تحدت صقراً "الفصل االواحد والثلاثون"

عصفوره تحدت صقراً

الفصل الحادي والثلاثون 

ضوء أزرق قد تسلل من خلال الباب إلى الداخل، سيطر الهدوء لحظيًا على المكان بشكل مريب، وبدأت تستمع إلى وقع نعلي حذائه يقترب ...
ما تزال مغمضة عينيها، ومشيحة بوجهها نحو جانبها الأيمن، بالرغم من أن الإضاءة لم تكن بذاك الوهج الساطع جدًا، إلا أنها على ما يبدوا لم تزر الضوء منذ فترة طويلة ..

-كان فيه كلمة ما بينا، كان المفروض تلتزم بيها !
أردفت هي بها بهدوء، مع أن عينيها ما تزال مغمضتان ...
توقف صاحب الخطوات عن السير، وأجابها بنفس الهدوء :
-إنتي كسرتي الكلمة، وإضطريت أنا كمان أكسرها زيك !

أخيرًا قد بدأت تبصر من جديد، حينها رمقته بنظرات ساكنة كأن شيئًا لم يكن، وبروية سألته :
-كسرتها ؟!

تقدم عدة خطوات، وقد تجهم وجهه وهو يقول :
-أفكاري، ذكرياتي، أحلامي، كل لحظة، كل دقيقة !

زفرت تلك المرة ببعض الضيق وسألته بحنكة :
-وأنا كدة كسرت كلمتي !

أجابها ببساطة :
-أكيد .
إبتسمت ساخرة مما قال، وأرجعت رأسها للخلف قليلاً، ولم تجبه
ظل يقترب إلى أن وقف أمامها وظل يرنوها بهدوء ..

ذاك الهدوء الذي يخفي خلفه بركانًا من الأسئلة يريد الإنفجار، ألم تخف، لا حقًا ألم تشعر بالخوف ؟!

الآن من المفترض أنها سمعت ما قيل قبل أن تفقد وعيها، ألم تشعر بأي نوع من .. لحظة واحدة فقط ..
-إنتي عرفتيني إزاي ؟!

كان ذاك سؤاله الذي قاله ببرود، رغم أنه سيجن ليعرف الإجابة ..
أجابته دون أن تنظر له :
-مشيتك.

ضيق عينيه وسألها :
-مالها ؟
نظرت له، وكانت تلك الإبتسامة لاتزال تداعب وجنتيها، ثم قالت :
-أنا حفظت صوت مشيت ضلي ..
إبتسم هو الآخر وإنحنى حتى يجلس بمستواها، ثم يتابع بهدوء :
-يعني كنتي عارفة ؟!

أجابته بتحدٍ :
-وإنت كنت عارف إني عارفة
رد عليها ببساطة :
-أيوة كنت عارف إنك عارفة، بس مكنتش أعرف إنك عارفة إني عارف إنك عارفة ؟!
سألته وإبتسامتها تزداد إتساعًا :
-من إمت بتبيع أعضاء، جديدة عليا دي ؟

إذًا لقد سمعتهما، ما الأمر الآن !
ما كل ذاك الجمود ألم تجزع ؟!!

أسئلة دارت في عقله لم يبدها على وجهها، لكنه إنتصب حينها ونظر لها مليًا قبل أن يرد ببرود :
-من زمان.
رفعت حاجباها لأعلى، وهي تردف ساخرة :
-على كدة هتكسب من ورايا كتير ؟

أجابها وهو يضحك :
-بجد بتسألي !

توقف قليلاً عن الضحك ثم تابع بثقة :
-إنتي بحد ذاتك مكسب !

حقًا يداها بدأتا تؤلماها كثيرًا، قدماها أيضًا، تلك الحبال لفت بإحكام شديد، و ..
-هخلصك منهم، بس الأول لازم تعرفي أنا مستضيفك هنا ليه !!

إنتبهت له، وشعرت بالضيق من نفسها لأنه شعر أنها تتألم، كيف سمحت أن تغطي مشاعر الألم وجهها ليراها هو عليها ؟!!

نظرت له نظرات متزنة، وإنتظرت أن يتابع ..

سار أمامها قليلاً وتابعته هي بصمت، ثم إستدار لها عند نقطة ما وبدأ بالحديث :
-أمممم أنا .... عاوزك تكوني قدامي أطول وقت ممكن
صمت لينظر لها فوجدها ما تزال كا هي، فتابع :
-معرفش ليه، بس دة بيديني إحساس غريب، أنا مش من عادتي أكذب على نفسي
سكت ثانية، وأخذ يقترب قليلاً منها ليردف بعدها بخفوت :
-وسعات كتير بحسك نفسي !
اقرأ ايضاً ... قصة العاشق المسكين من أقوى قصص الحب والرومانسية
ظلت تنظر إليه ولم تتبدل ملامحها، لكنها أجابته بنبرة غامضة، بعد فترة صمت :
-صهيب !

نظر في عينيها وأجاب متسائلاً :
-نتجوز طيب !

أشاحت وجهها عنه فإما أنه قد فقد عقله، أو أنه قد فقد عقله !

ما الذي دهاه، لقد حذرته مرارًا أن يبتعد عنها ! وما زال يقترب
تابع حديثه بجمود غير آبه بها :
-أنا مش هاممني إنك مبتطقينيش، برغم إنك واثقة إني شبهك في كل حاجة، برغم إختلافنا الشاسع !
ومش هاممني تفكيرك فيا إني مجنون دلوقت، أنا أهم حاجة عندي أحقق لنفسي اللي هي عاوزاه، بأي طريقك كانت ..
ومش هاممني إنك ترفضي أو تقبلي، لأنك في النهاية هتوافقي

إقترب منها وأخرج أحد السكاكين من جيبه، ثم إنحنى لمستواها وبدأ يقطع الحبل الذي يقيد يديها، ومنه إلى قدميها،
أما هي فقد كانت تنظر للجانب الآخر في صمت، لم تبدِ أي ردة فعل ...!

حين إنتهى من قدميها، وجدها تقف بصعوبة، وحين وقفت ترنحت للخلف قليلاً،
لم يقدم هو على مساعدتها، ولن يفعل ..!

لم تنتظر هي مساعدته، ولن تسمح بذلك ..!

ثوان فقط حتى إعتدلت ولم تعره إهتمامًا وهي تسير نحو الباب ببهدوء، حينها أردف هو ببساطة :
-إفتكري، قولتلك برضاكي أو غصب عنك هتوافقي !

إستدارت له بعد أن إستفزتها الكلمة من جديد وأجابته بحدة خفيفة :
-أفتكر إن عمر ما حد أرغمني على حاجة !

إقترب منها بهدوء، وبعد أن وضع يده في جيبه قال :
-أنا هكسر القاعدة دي
ردت بجمود :
-كان بينا إتفاق نبعد !

لم يعبأ بالرد وتابع محذرًا :
-أُدامك لحد بكرة الساعة تمانية، تتصلي بيا وتقوليلي إنك موافقة، وأنا هكون محضر كل حاحة، وإلا ..
كتفت يداها، وظلت ترنوه لبرهة قبل أن تسأله بتحدٍ :
-وإلا ..؟!

أجابها ببرود :
-أكيد متحبيش حد من أهلك يدخل في الموضوع !
إبتسمت له ببرود أكبر وهي تجيب :
-إنت مش هتعمل كدة صدقني !

رد بإبتسامة سمجة :
-عندك حسن ظن كبير بالناس !

أجابته بثقة :
-لأ، أنا عندي ثقة كبيرة بس بتحليلي للناس، و إنت مش هتعمل كدة عشان إنت مش متعود تخسر حاجة عاوزها !

نظر لها بذهول، ولم يعقب، فقدرتها على قراءة أفكاره رهيبة، كيف تعلم هذا ؟!

-أنا بالنسبالك تحدي جديد عاوز تغير بيه روتين حياتك الممل، عاوز تطلع بيه من المود !
بس المشكلة إني مش كدة، الحكاية فيا أنا ..
هدأت قليلاً وكأنها تناست من تحادث، ونظرت للفراغ وهي تتابع :
-أنا فيا حاجة غلط، عشان كدة قولتلك إبعد عني
رد عليها بنبرة غريبة :
-ما إنتي لو مكنش فيكي حاجة غلط مكنتش هستناكي تطلبي أبعد !

تنهدت بهدوء، ثم نظرت له للمرة الأخيرة قبل أن تستدير وترحل وهي تردف له :
-نسيت أشكرك عشان اللي إستضافوني عندك كانو بنات، برغم الطريقة الغير ظريفة اللي جيت بيها هنا !

ظل يرنوها وهي تبتعد بنظرات حائرة، ثم قال لنفسه :
-لو كنت بعتت رجالة كنتي قاومتيهم للنفس الأخير .. بس أنا واثق، هتبقي ليا قريب يا جويرية
فجأة قال لها بنبرة شبه عالية لتسمعها :
-بلاش ثقتك في نفسك الزايدة دي، أفعالي هتخليكي تعيدي حساباتك تاني ..
حين سمعته توقفت حتى أنهى حديثه، ثم إنصرفت بعدها دون أن تضيف كلمة

أغمض عينبه قليلاً وهو يتذكر ما طلبه من الفتاتان اللتان أحضرتها إلى هنا، حين طلب منهما ذكر أشياء تصرف إنتباهها عنه، فقد أراد ألا تعلم إلى أين يأخذانها ..
وأي شيء مقابل المال يحدث ببساطة، فهما قد وافقتا برغم أنهما ظنا أنه يعمل أيضًا في تجارة الأعضاء البشرية !

كان الإتصال بها وإخبارها بالأمر بسيطًا، لكن خطفها ولو لم يخفها سيكون له إنطباع أكثر حدة، في النهاية لقد حذرها وإلم تفعل سيتخذ هو الخطوة القادمة ..
حانت منه إلتفاتة إلى المكان حيث كانت تجلس هي، وسرعان ما ترك المكان وذهب ..
تسير في إتجاه الجنوب بزاوية مئة وثمانين درجة إستقامة، سكنت تعابير وجهها حديثًا، وبدأت عيناها تتخذ الرمادي لونًا ..
خطواتها محسوبة المدى، لا تسبق قدم الأخرى،

شرودها أودى بها إلى عالم آخر ..، حين خرجت وجدت الليل قد حل، فماذا حل بهم الآن ؟ سواءً كان والدها أم أخيها، ثم إنصرف تفكيرخا إلى أمور أخرى ..

كثيرًا ما كانت تتساءل كيف تثق بأنه لن يضرها، لم يكن جوابها أبدًا أنه لا يريد إلحاق الضرر بمقتنياته، أو على الأقل كما يعتقد هو !
لكن جوابها كان عينيه، بلى فلا تكذب العينين أبدًا، مرآة هي تعكس ما بالداخل، والمحافظة على جمودها لفترة طويلة لا يعني أبدًا إخفاء كل المشاعر عنها !
حين هددها بأنه سيؤذي أحد أفراد عائلتها، كانت عينيه تقول لن أفعل، الأمر لا يحتاج الكثير لتفهم أن هذا محظ تهديد أخرق !
ولن يفيده أبدًا ..

لكن هناك أمر أرادت معرفة جوابه بالفعل، لما لم تكرهه بعد ؟!
لم تشعر للحظة أنه يستحق الكره، ولم تشعر بأي شعور نحوه سوى الحنق لما يثيره من إضطراب في سيطرتها على نفسها، وخلاف ذلك تشعر بأنها تريد أن تكون أمامه كما الجليد، فقط لترد عليه الحنق الذي يسببه لها !

رفعت رأسها للأعلى قليلاً، ثم بحثت عن هاتفها في حقيبتها التي وللعجب ما تزال معلقة بين كتفاها ..
أخرجت الهاتف لكنها وجدته مغلقًا، حاولت فتحه بلا فائدة، لكنها خطر لها شيء فجأة، حينها فتحت غطاء الهاتف من الخلف لتجده منزوع البطارية كما ظنت، بحثت في الحقيبة مرة أخرى فوجدتها مهملة وحدها ...
إذًا فهو قد إحتمل إمكانية العثور عليها من خلاله ..

بعد أن ركبت أجزاء الهاتف ووضعته على أذنها لتتحدث، لم يمض أكثر من ثلاث ثوان حتى جاءها الرد بـ :
-جويرية، إنتي فين، وكنتي فين من الصبح عمال أدور عليكي و ..
قاطعته هي بهدوء :
-إهدى يا براء، أنا كويسة الحمد لله، وجاية البيت أهو، المهم بابا عامل إيه ؟!

أجابها هو بغضب :
-بقولك كنتي فين، أنا قلبت الدنيا عليكي !

تنهدت بهدوء وأردفت :
-هحكيلك كل حاجة، بس لما أرجع البيت و..
-إنتي فين الوقت وأجيلك !

نظرت حولها بضياع، هي لا تدري بالفعل أين هي، بالرغم من أنها تستطيع العودة للمنزل !
طالت فترة الصمت فقال هو بنبرة أقل غضبًا :
-طيب أوصفيلي المكان، وأنا هاجي أجيبك
ظلت تسير بلا توقف وهي تجيبه ببساطة :
-أنا مش هطول عشان أوصل، بس المهم طمني على بابا
ظهر صوته متقطعًا قليلاً وهو يردف بقلق :
-آآ عمي، طيب تعالي الأول وهقرلك
بدأت نبرتها تتغير، ثم وقت جامدة في مكانها وهي تسأله :
-بابا ماله ؟!!

تنهد هو على الجانب الآخر ورد عليها بحزن :
-أنا كنت متفق معاكي نروح سوا ولما ملقتكيش روحتلك البيت، وحاولت مبينش لعمي حاجة، وبعدها فضلت أدور ملقتكيش برضوه، ورحتلك البيت تاني، لما روحت لقيت عمي مغمى عليه على الأرض، نقلته على السرير وجبتله دكتور، قالي إن وضعه مش مستقر، وإن يبقى أحسن لو نقلناه على المستشفى، هو الوقت نايم ..

صمت ... صمت ... صمت ...

بعد أن فجر تلك القنبلة، شعر بالقلق، بالخوف، وشعر بالغباء لأنه مان من المفترض أن ينتظر عودتها أقل ما في الأمر أن يتأكد على سلامتها و..
-طيب ثواني وأبقى عندكم
قاطعت هي الصمت المهيب بجملتها الهادئة، ثم سمع صوت إنهاء المكالمة بعدها ...
نظر خلفه لوالدها النائم، ثم نظر للباب، شعر بالحيرة هل يستقبلها بالأسفل أم هنا ليراعي والدها إن إحتاج شيء ..!

حسنًا هو نائم على أية حال، ولكنه من الممكن أن يصحوا في أي وقت !

تنهد بإنهاك من كثرة ما إجتاحه اليوم من ألم وإضطراب في المشاعر ..
ثم إتخذ أول أريكة أمامه مقعدًا يرتاح عليه، وأرجع رأسه للخلف، ليوقف عقله للحظة عن التفكير، فيكفيه ما مر به اليوم !

ناهيه عن التفكير فيها الذيزخطر له فجأة، فما ردة فعلها الغريبة هذه، بالفعل دائمًا ما تجعله يحتار ...
بدى وكأنه تذكر أمرًا فجأة، فأمسك بالهاتف، ووضعه على أذنه بعد أن طلب أحدهم، ثم قال بعد فترة صمت :
-أيوة يا أبان، آه الحمد لله هي بخير، بلغ معتصم بقى
سكت قليلاً ليستمع إليه قبل أن يتابع بهدوء :
-مش عارف والله كانت فين، أول ما أعرف هقولكم
إبتسم بمودة ليردف بعدها :
-ما لو مرزلتش عليكم هرزل على مين يعني ؟!
....

لم يمضِ الكثير من الوقت حتى سمع صوت طرق الباب، إنتفض هو بسرعة من على الأريكة وذهب ليفتح الباب، وحين رآها تبدلت ملامحه إلى الراحة، وسرعان ما تغيرت إلى الضيق وسأل :
-كنتي فين كل دة ؟؟
نظرت له بقلق قبل أن تنطق :
-بابا فين ؟!

أفسح لها المجال لتعبر، فدلفت بسرعة نحو غرفة والدها وظلت ترنوه بحزن ..
جاء براء من خلفها ووضع يده على كتفها برفق، ثم قال بخفوت :
-متخافيش هيكون كويس إن شاء الله
إقتربت منه قليلاً ثم وضعت يدها على وجهه بحذر، وظلت هكذا ما يقرب من الخمس دقائق، حتى أن الواقف أمامها لم يفهم ما تفعله !
وسرعان ما تركت الغرفة بعدها وانصرفت بهدوء ..
خرج هو الآخر من الغرفة، وأغلقها عليه لكي لا ينزعج منه ...
-قولي بقى كنتي كل دة ؟!

أردف بها براء بنبرة حادة قليلاً، فنظرت له بهدوء وظلت على صمتها تفكر ..
لو أخبرته الآن ما حدث سيحدث !
سيتهور كعادته، وسيجعل من حماقة شخص تصرف في وقت إختل فيه عقله، جريمة !

الأمر أنها تعلم، هي من إستفزته لفعل ذلك بها، والآن لن يشتبك أحد بالآخر بسببها ..
-كنت راجعة من الجامعة، وأغمى عليا، وبعدها الموبايل فصل
رمش عدة مرات ليصدق ما تقوله، قبل أن يردف بشك :
-أغمى عليكي !

ردت بهدوء :
-ممكن هبوط، عشان كنت بذاكر كتير، أكيد المذاكرة هي السبب
-ولنفرض إنك أغمى عليكي، كل دة، وكنتي فين ؟!
زفرت بنفاذ صبر لشعورها أنه يشك في مصداقيتها، ألا يكفي أنها تضطر إلى الكذب، ويريد أيضًا أن تقنعه بالأمر !
لا هذا كثير... !!

قبل أن تتفوه بكلمة أخرى سمعت صوت والدها يناديها بوهن، وبسرعة إستجابت للنداء وذهبت إليه، وقفت أمامه حينها وإنحنت حتى صارت بمستواه قبل أن تقول :
-بابا إنت كويس ؟!

إبتسم لها الأب بمودة، وحاول الإعتدال، فمنعته هي قائلة بحذر :
-متتحركش يا بابا عشان خطري
بالفعل لم يتحرك، فهو لم يقدر على ذلك، لكنه قال :
-أنا كويس متخافيش، أنا بس نسيت آخد الدوا من يومين
إتسعت عيناها وسألته :
-إزاي، أنا كنت بديك الدوا في معاده كل يوم !!

إبتعد بعينيه قليلاً عنها وأردف :
-ما هو كان مر و ...
قاطعته هي بضيق، وظلت نبرتها بنفس الهدوء :
-كنت ممكن تقولي أحطلك فيه عسل بس مش ماتاخدوش !

وضع يده على وجنتها وقال برفق :
-يا بت أنا كويس أهو، خلاص بقى إهدي وهبقى أشربه وأمري إلى الله !
نظرت له حينها بصمت، كيف تقنعه أن من بقي في حياتها لا تستطيع تحمل فقده !
كيف تستطيع جعله يفهم أنها لن تحيا بلا هم !
كيف ...!!!
..................

جزء قد تم حذفه من الرواية ...
قبل شهرٍ من الآن ..

كان جالسًا وحده في تلك الزنزانة المغلقة، لقد بدأ يعتاد الوحدة، ويشعر أنها صديقته برغم ما يكنه في قلبه من ضغينة لها !
تجعله الوحدة يفكر بأشياء، لو لم يفعلها لما وصل إلى موقعه هذا .. ثم تعود لتذمه وتوقظ الضمير الذي نام لقرن بداخله، فتجعله يثور عليه ثورانًا ..

للحائط أسند رأسه، وتنفس بعمق، وتساءل، لما لم يجتلِ بنفسه من قبل ؟!
لما شغلت الأموال والمكسب ذاك الحيز الضخم من تفكيره حتى بات لا يفكر إلا بهما !
نظر للورقة والقلم الممسك هو بهما، وبدأ يدون بعض الكلمات ..
"... مرحبًا عزيزتي ...

لقد كتبت لكِ هذا الخطاب حينما بدأت أتدارك ما كنت أفعله معكِ قبل أن أُزج هنا .."
تنفس بعمق أكثر، ليخرج الحرارة من داخله وتابع الكتابة ..

"الآن حُكِمَ علي بالسجن لخمسة أعوام، مع أنني توقعت خروجي ببساطة، ومن يعلم هل سأخرج على قيد الحياة أم لا .."
شعر بالإختناق وهو يتذكر مقتطفات مما فعل في السابق، مع كل من آذاه، مع كل من جعله يتذوق مرارة الألم، فتابع الكتابة وقد سقطت دمعة ساخنة من عينيه على الورقة ..

"لكن سوف أعترف لكِ إعترافًا،
أنا حقًا أستحق العقاب، فقد دمرت حياتها، وحياتكِ قبلها !
أريد إخبارك أنني ندمت حقًا على كل ما فعلته، وأريد أن أعتذر وإن كان الإعتذار لا يكفي !
تذكر حينما إعتدى عليها بالضرب والسب، تذكرها جيدًا، نعم هو لم يحبها يومًا لكنه الآن لا يدري ما تلك العاطفة المسيطرة عليه !
يريد فقط أن يراها ولو لمرة ....

"لن أنكر أنني حرمتكِ من جميع حقوقكِ كزوجة !
لن أنكر أنني تزوجتكِ لأنكِ بديعة الخَلقِ، ولم أرَ بجمالكِ يومًا،..
لن أنكر أنكِ أعطيتني أكثر مما أستحق، فقد أغدقت عليَ الحب، ولم أبادلكِ أنا إلا بالقسوة !
أكتب لكِ بعد أن أدركت كل هذا، فلم أعلم أن الإختلاء بالنفس قد يوقظ الضمير بي .."
توقف قليلاً وأخذ يمسح عبراته التي تسح، فما كان من يده إلا أن وارتها بأصابعها بهدوء، ليتابع الكتابة، بقوى جديدة، وعزيمة أقوى 
..
"حررتكِ مني عزيزتي، وطلقتكي في ذات اليوم الذي جئتينني تبكي فيه ..
هل تعلمين أنني لم أكن أعلم أنني أحبكِ بهذا القدر إلا في اللحظة التي حررت فيها إسمك من إسمي !
هل تعلمين أنني كنت أعمى حين نظرت لغيرك، فقد كان وجهك يضويني إذا ما أردت الضياء !
آسف
لو سامحتني فتلك أقصى أمانيا
وداعًا حبيبتي ...

من زوجك السابق بيجاد رشوان .."

نظر للرسالة مرة أخيرة قبل أن يطويها، وكل ما شغل باله هل ستسامحه !
ولأول مرة في حياته، لا يحتاج أكثر من هذا، فقط مسامحتها له ..

.................

جزء مما وراء الرواية..
١٠/٣/١٩٨٣
مساءً، بعدما إستتر الجميع تحت ستار النوم، كان بعضهم لم يغمض له جفن .. ولربما احتار هذا الشخص كيف يقضي وقته فقرر أن يغير الروتين ...
وفي الصحراء ..

إتسعت تلك الحفرة كثيرًا، وصب العرق على جبين ذاك الممسك بالمحراث صبًا، يقتلع التربة من الأرض، وينظر حوله لأول وهلة لا يري شيء، وللوهلة الأخرى ينظر للجسد المغطى بكساء أبيض، قد يكون وحده ما ينير الظلام وسط هذا الليل ..

إكتمل الحفر، فذهب نحو الجسد المغطى وحمله بين راحتيه، ثم سار به خطوات قليلة إلى أن وصل إلى الحفرة ..
وضع الجسد بها، وبدأ بردم الحفرة عليه من جديد .. كان التراب ينزل عليه فيغطي بياض الكفن، وكلما ردم أكثر، إختفت معالم الجسد أكثر، إلى أن إنتهى كليًا منه، وإختفت تعابير وجه الرادم عدا عن إبتسامة هادئة إرتسمت على شفتاه، ثم سار مبتعدًا عنها، حاملاً معه محراثه، ليختفى في ظلام الليل، ولم يبقَ إلا ظله الذي طارده، وسرعان ما اختفى معه ........!!!!

....................................!!!!!!!

يتبع ....

يارب تكون حلقة النهارده عجبتكم وأستنونا كل يوم في نفس الميعاد فصل جديد من رواية عصفورة تحدت صقرا وعلشان تجيلكم الفصول بتسلسلها تقدروا تتابعونا من خلال صفحتنا علي الفيس بوك
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

يسعدنا تلقي اقتراحاتك أو تعليقك هنا

الاسمبريد إلكترونيرسالة