قصص 26 قصص 26

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

يسعدنا تلقي اقتراحاتك أو تعليقك هنا

روايات رومانسية كاملة | رواية عصفوره تحدت صقراً "الفصل التاسع والأربعون"

مرحبا بكم متابعين قصص 26 موعدنا في قسم روايات رومانسية كاملة والكاتبة فاطمة رزق والفصل التاسع والأربعون برواية عصفوره تحدت صقراً 

وَعَـىَ على مُر الحياهِ ، حين إِصطَدم بواقِعِــهِ .. فنشأَ على كُره حــواءَ ، فلم تكن يوما منزلُــهُ .. وبنفورِهِ جعلَ الجواري تَشتهى قُربَــهُ .. فعُزِزَ الغُــرور في نفسهِ ، بأنُ لا مِثل لـهُ .. فأتتْ هي قبل أن ينخدِعَ بِظَنــهِ .. لتُريهُ مدى ضآلة حجمــهِ .. فليست من الجــَواري، ولا أَمـه يروق لها منزلــُه .. هي سيـدةٌ فى قصرٍ من الحيــاءِ تزينت جُدرانُـهُ .. هي سيـدةُ حسنـاءٌ ، تملك من الكـِبْرِياءِ ما تَكبَح بـِهِ غـرورَهُ .. فقطعَ العهــودَ والمواثيــقَ على نفســهِ .. بأن أيامها القادمــةُ ستكونُ داخلَ جحيمــهِ .. ولِتـَـرى ابنه حــواء ذاك الذي قَـللتْ من شأنِــهِ .. كيف يَسوقهـا إلى هاويةِ الهـلاكِ بنفسـهِ ..! هل ستقاوم سَبيـهُ ، أَم هل ترضـخُ لــهُ ؟ هل ستعيش حبيسَــةً ، أَم سيُجّــلِي قَيــّدَهُ ؟ اللي مشفش الفصل الرابع يقدر يشوفه من هنا رواية عصفوره تحدت صقراً "الفصل الثامن والأربعون"

روايات رومانسية كاملة | رواية عصفوره تحدت صقراً "الفصل التاسع والأربعون"

عصفوره تحدت صقراً

الفصل التاسع والأربعون

منذ أكثر من ربع ساعة وهو ساجد، نعم ربع ساعة كاملة لم يرد فيها للحظة أن يرفع رأسه حتى لا يذهب ذاك الشعور الجميل. شعورٌ بالأنس، والسلام الداخلي طغى عليه. شعورٌ بالراحة والطمأنينة اكتسح مجال قلبه، وأراح صدره من الداخل، ونقاه.
فمنذ أن عادا للمنزل وذهب كلٌ منهما إلى غرفته الخاصة، شعر هو برغبةٍ مُلحة في الصلاة، فلم يمنع نفسه مع أنه قد أدى فروض اليوم بأكملها.. صحيح أنها ذكرته بمعظمها إلا أنه يحاول عدم النسيان. لذلك كان أول ما فعله أن توضأ ثم بدأ يصلي، وككل مرة يتوجه فيها للصلاة يشعر فيها بالسكينة، نفس الشعور كَساه، وتخلل فؤاده. وخاصة أنه بات يعلم أن لديه فرصة أخرى، فقد يعفوا الله عنه إذا ما تاب.
هو يحتاج التوبة..
يحتاج مرضاة الله..
يحتاج هذا.. نعم يحتاج هذا كثيرًا.

رفع رأسه معتدلاً من سجوده، فإذا به يبكي وكأنه لم يبكِ يومًا! عيناه كانتا غارقتان بعبراته، ولم يحاول أبدًا إيقاف نزيف عينيه. يمكن للشخص أن يشعر بالحرج إن بكى أمام أيٍ من الناس، لكن لا يمكنه أن يشعر بالحرج إن بكى أمام رب الناس. نحن ضعفاء.. لا حيلة لنا، ولا قوة لنا إلا برب الناس.

استمرت صلاته لوقتٍ طويل، كلما أنهى ركعتين أتى بغيرهما. تجاوز الليل منتصفه، وبدى عليه الشعور بالإرهاق وهو يسلم آخر مرة لينهي الصلاة.
اعتاد دومًا على إرهاق العمل، فكان يعود متعبًا وقد ينسى أحيانًا تبديل ثيابه لكي يستيقظ اليوم الثاني مرتديًا إياها. لكن إرهاق السهر لأجل العبادة! لأول مرة يجربه، وبحق رب السماء شعر أن له لذة وحلاوة غير الذي من غيره كان. اعتدل واقفًا، ومسح دموعه وهو يتجه نحو الفراش، لم يعد لديه قدرة على التفكير في أي شيء، فقط النوم. فاستلقى على الفراش ومدد يديه، وقبل أن يغفل تمامًا تذكر..

"نظر لها وسألها باهتمام:
-وإنتي؟
أخذت نفسًا مطولاً قبل أن تجيبه بسكون:
-كنت بصلي."
حينها ابتسم عفويًا وهو يغفوا.

................

في اليوم التالي..

اصطفت السيارتان سويًا أمام ذاك المبنى الضخم. ثم ترجلت هي من السيارة وقبل أن تودع أخيها، ترجل هو من السيارة الأخرى ممسكًا بيد ابنته، و..
-احم احم..
استدارت سريعًا حين سمعت صوته الهادئ، فرفع هو يده ليحيي أخيها الجالس في السيارة ويردف بحفاوة:
-السلام عليكم، كويس إني شوفتكم الوقت.
نظروا له وأجابوه بهدوء:
-وعليكم السلام
تابع هو بجدية:
-فيروز، سهيل، كان فيه موضوع عاوز نتكلم فيه.
ثم مسح على شعر ابنته وهو يكمل باسمًا:
-بس لما تخلصوا شغل، ولما تالا تخلص حضانة.
نظرت له فيروز وهي لا تفهم ما يعنيه، فابتسم مطمئنًا لها ولأخيها، حينها قال سهيل بحيرة بعد أن خرج من سيارته:
-موضوع إيه يا معتصم!
أجاب بغموض:
-هتعرفوا النهاردة، بس ادوني ميعاد مناسب أجيلكم فيه.
اقترب منه سهيل، ثم رفع تالا وهو يجيبه بمرح:
-متقولش كدة، تنور في أي وقت، وعامةً حظك النهاردة هرجع البيت بدري.
ضحكت تالا وهو يحملها، وترك معتصم يدها وهو ينظر إليهما بحنو، واطمئنان. أخرج سهيل من جيبه مصاصة وهمس في أذن الصغيرة ببضع كلمات، فنظرت لفيروز وضحكت ثم أخذت منه المصاصة.
وبدى أن فيروز خمنت ما أخبره بها، فنظرت له بوعيد.
أردف معتصم بنبرة طبيعية:
-خلاص هاجي على الساعة ٦ كدة.
أومأت فيروز رأسها، وأجابته باسمة:
-تشرفنا
أومأ رأسه لهما هو الآخر، ثم ودعهما وانصرف تاركًا إياهم جميعًا.
حينها نظرت فيروز لتالا وسألتها بغضب مصطنع:
-الولا دة كان بيقولك إيه؟
ضحكت تالا مجددًا، ونظرت لسهيل الذي بدوره ظل يهز رأسه نافيًا، لكنها وبعد أن أخرجت المصاصة من فمها أجابت بمرح:
-كان بيقولى آآآ..
وضع سهيل يده فوق فمها لكي يمنعها من الحديث وهو يصطنع الخوف، لكنها نزعت يده ضاحكة وأخرجت لسانها وهي تردف بسرعة:
-كان بيقول المصاصة دي كانت بتاعتك، وإنك طفلة، واخلي بالي عشان مش تاخديها مني.
ضيقت عيناها وهي تنظر له، فأنزل سهيل الطفلة سريعًا، وركب السيارة وهو يضحك، ويتظاهر بالخوف منها
-ماشي يا سهيل لينا بيت نتحاسب فيه.
قالتها فيروز بعد أن ركب هو، فأجابها وهو يتحرك بالسيارة:
-معلش بقى، المسامح كريم
ثم أخرج يده من خلال النافذة وأشار مودعًا وهو ينصرف مرددًا بضحك:
-يلا السلام عليكم.
نظرت فيروز لتالا، ثم وضعت يدها في خصرها وهي تسألها بحدة مصطنعة:
-بتتريقي عليا يا تالا، ماشي! أنا هوريكي
ضحكت الفتاة وحاولت الهرب، إلا أنها أمسكتها وحملتها سريعًا وهي تتابع:
-تعالي يا مغلباني ندخل لحسن نترفد بسبب التأخير دة
ثم دلفتا سويًا بعدها..

...............

وقفت سيارته في منتصف الطريق. كان حائرًا لا يدري ما يفعل، فمن جهة تلك الخُطوة التي سيقوم بها تصب في مصلحة ابنته، لكن ماذا عنها هي!

تلوح أمامه الآن ذكريات من الماضي البعيد، حينما تزوج لأول مرة.. ولأن حياته الزوجية لم تنجح انفصلا بعد شهرين فقط. لم يكُ يزعجها أو يتعدى عليها، لكن العلاقة بينهما كانت كإخوة، كأصدقاء، فهو لم يقربها إلا في نفس اليوم الذي تزوجا به، ثم لم يفعل مجددًا.

ليس لخطأٍ فيها.. بل فيه هو. لقد ظلمها كثيرًا هو يعلم ذلك، ولم يعلم لماذا فعل؟ لماذا لم يتقرب منها وهي لم تخطئ في حقه يومًا!
كان كلما اقترب منها يتذكر حبه الأول، لم يستطع يومًا أن ينساه. لذلك وكأي امرأة لديها كبرياء أضاعته عدة أيامٍ مع شخصٍ لم يهتم، لم تتحمله أكثر و قررت الإنفصال عنه، ووافق هو سريعًا حتى لا يظلمها أكثر من ذلك، أو ربما لسبب آخر هو نفسه يجهله.
لكنها عادت إليه مرةً أخرى تحمل طفلة صغيرة في يدها وتخبره أنها ابنته، كان عمرها عام. لتخبره بعدها أنها لم تكن تنوي احضارها له، أو إعلامه بالأمر إلا أنها اكتشفت أنها مريضة بمرضٍ خطير، ولم تخبره باسم المرض حتى. ثم تركتها عنده وهو لا يفهم شيء ووصته أن يهتم بها إلى أن تعود.. لكنها لم تعد، لم تعد أبدًا لقد ماتت.

لن ينكر أنه شك في بادئ الأمر فيها، فلجأ إلى تحليل الحمض النووي حتى يتأكد، واعترته الصدمة حين علم أنها ابنته بالفعل.
يومٌ واحد فقط، وجاءته بابنته تلك! عاش معها بضع أيام، لم يكن يعلم كيف يتصرف كأبٍ جديد، لكنه اعتاد بعد عدة أشهر وأحبها.. أحبها لدرجة أنها صارت حياته كلها.

الآن هي تحتاج أم، وتلك الأم تحتاج زوج، لا أخ، ولا صديق، تحتاج رجلاً حنونًا ينسيها ما مرت به، وينسى حبه الأول معها.

أخذ نفسًا عميقًا حزينًا، لقد اتخذ قرارًا، ولا رجعة فيه.
أردف لنفسه بهدوء:
-أنا صح، القرار دة صح عشان تالا.
صمت قليلاً ثم عاد ليسأل نفسه:
-طب وفيروز، وأنا، وهي أصلاً هتوافق! و..
-خلاص يا معتصم، مفيش رجوع، إنت أخدت القرار واديتهم الميعاد.
شبك يديه خلف رأسه وظل يتنفس باختناق. خائف فقط أن يظلمها، خائف من أن يجعلها تعاني أكثر مما عانته، لكنه لم يفهم أمرًا، لماذا بمجرد أن يراها أمامه ينسى حبيبته سوفانا؟!!

حينما حل الصباح، وفتحت عيناها..
حسنًا قُلت فتحت عيناها! ماذا بها ما هذا الشيء الأبيض الذي تراه.
أغمضت عينيها، ثم فتحتهما من جديد، ومازالت ترى شيئًا أبيضًا فقط.. هل أصيبت بالعمى!
لحظة أيصاب الشخص بالعمى حين لا يرى إلا اللون الأبيض! كفى غباءًا! وبيديها جاءت لتفرك عينيها، إلا أنها لم تجد عينيها! بل وجدت ورقة بيضاء فوق عينيها، إذًا هذا هو سر عمى الألوان الصباحي!
نزعت الورقة من فوق عينيها، وأرجعتها للخلف قليلاً كي تستطيع النظر إليها، فهي وبدون شك قد علمت مصدرها.
قرأت:
"طال نومكِ، ومللت الإنتظار"
نظرت تلقائيًا للساعة، ما تزال العاشرة صباحًا لم تتأخر كثيرًا!
لكنها تذكرت هي حين كتبت له أول مرة أن يبتعد عنها، باللغة العربية لذلك هو من يومها يحرص على فعل هذا، فكلما أعطاها رسالة كانت بالفصحى. وهذا كان يعجبها كثيرًا، فهي تعشق لغة القرآن.
وعفويًا ابتسمت، ثم طوت الورقة ووضعتها أسفل الوسادة، ونزلت بخفة من على السرير. وتوجهت إلى الحمام.

...

جزء مما وراء الرواية..
٢٠٠٥
"عزائي الحار، لك يا قاطن هذا الدار..
إن كنت تريد الإنتقام، فأنا سأكون على الجناة مصدرًا للدمار..
وإلا انتظرت النهار، وللسلم فررت فرار..
لا طال الظلم، لا طال الألمُ، أنا أمثل الحق وأسعى للقصاص بهذا القرار..
لا تسلني من أكون، وانتظر حتى المساء، سأنتظرك في هذا العنوان ((...))"
كانت تلك رسالة من مجهول، قرأها المتلقي بصوتٍ عالٍ. لتحتقن عيناه بعدها وكأنه قد وجد ما كان يبحث عنه. حاول معرفة مصدر الرقم، إلا أنه فشل في الأمر فقد أرسلت الرسالة بدون أن يظهر رقم المرسل.
وبدون تفكير، نظر في ساعته فوجدها التاسعة مساءًا، لذلك أخذ هاتفه، ثم خرج من المنزل على الفور.

...

وصل هو إلى العنوان المطلوب، وقد كان ذلك المكان خارج حدود المحافظة، في مكان أشبه بصحراء مجهولة العنوان..
ظل واقفًا لفترة، وبالرغم من أن الظلام موحش، وصوت الرياح في هذا المساء يكاد يكون كصوت زمجرة أسدٍ غاضب، إلا أن عيناه لم تهتزا وظلتا بنفس الجمود، والحدة، وهو واقف مستند على سيارته ينتظر المرسل بفارغ الصبر، و..
-جميل، واضح إنك مش حذر زي أبوك خالص!
إلتفت هو للخلف حالما سمع صوت الرجل، فلم يتبين معظم ملامحه من قلة الضوء، لكنه تساءل بهدوء:
-هتساعدني ازاي؟ وإنت تعرفني منين؟
اقترب منه الرجل، حتى وقف أمامه مباشرة، ثم بدأ يتحدث بجدية:
-قبل أي حاجة، لازم تسمع اللي هقولهولك كويس.
راقب الرجل ملامح وجهه التي تكاد تختفي وتابع:
-أنا هديك المعلومات دي بس عشان تنتقم، واتأكد إن انتقامك دة في صالحي، العصابة دي كلها من مصلحتي تدميرها.
ثم رفع رأسه وأكمل بثقة:
-وإنت اللي هتعرف تعمل كدة وتدمرهم.
-إنت تعرفني؟
-معتصم وفيق، ابن وكيل النيابة المشهور وفيق السامي، ٢٠ سنة، وندخل في المهم.. اللي ماتت دي تبقى أخت صاحبك براء، غير إنها كانت حبيبتك!
اتسعت عينا معتصم وسأله بانفعال:
-إنت ازاي عارف المعلومات دي؟ أنا مقولتش لحد! إنت مين؟!
تنفس بعمقٍ وأجاب:
-أنا واحد من خلق الله، مش مهم أنا مين، المهم ازاي هساعدك. أما المعلومات دي قدرت أجمعها بسهولة كواحد من أهم المخترقين، المحترفين، وأما عن حبك ليها فطبيعي لو مكنتش بتحبها مكنتش جيت لحد هنا برجليك! أو حتى بالسرعة دي كنت هتقول لاخوها.
أجابه معتصم وهو يكز على أسنانه:
-مفيش ورق بيثبت إن سوفانا وبراء اخوات، لأنهم اخوات في الرضاعة بس.
-بس أنا منفيتش إني راقبتك الكام أسبوع دول. في الأول كنت هكلم أخوها، بس إنت إللي هتقدر تساعدني أكتر.
زفر معتصم، فتابع الرجل:
-قبل ما الحادثة تحصل بيوم، حذرت وكيل النيابة وفيق، قولتله إنهم بيخططوا لعملية جديدة.
ثم احتقنت عيناه وتابع باشتعال:
-بس هو عمل إيه؟ سابهم عشان خاف يخاطر.
صدم الأخير عقب عبارته الأخيرة، وسأله بنبرة عالية:
-إنت بتقول إيه، إنت اتواصلت مع ابويا؟
وضع يده على كتفه وهو يجيبه بحدة:
-أيوة، قبل الحادثة بيوم، بس دة مش هيفيدنا الوقت.
ضرب الأخير على السيارة بقبضته بقوة، ثم نظر له وعيناه تشتعلان، ونزع يده من على كتفه قبل أن يوقعه أرضًا وهو يصيح بغضب:
-إنت كداب، مستحيل!
لم يبدُ على الأخير أي انفعال، بل وبكل هدوء وقف مجددًا، ثم أخرج صورة من جيبه، ومد يده له بها وهو يرد عليه بثقة:
-لو مش مصدقني، هتلاقي صورة مطابقة لدي في مكتبه
نظر معتصم للصورة، فلم تتبين أبدًا، فتابع الأخير بصوت منخفض:
-دي صورة للخمسة وهما.. وهما بيعتدوا عليها، الصورة دي اتبعتت الابوك عشان كدة هو اتحرك.
صمت معتصم للحظات، قبل أن يسأله وقد تجهمت ملامحه:
-إيه المطلوب مني عشان تجيبيلي الخمسة دول؟
أجابه بهدوء:
-في يوم من الأيام أختي حصلها ومن نفس العصابة القذرة دي نفس اللي حصل ليها، أختي ماتت على اديهم، عشان كدة صممت إني لازم أساعدك تنتقم، أنا انتقمت لأختي من اللي عمل كدة فيها، بس إنتقامي مش هيتم إلا بإبادة العصابة دي.
نظر له معتصم وقد فهم السبب الذي يدفعه لمساعدته، لكنه أقسم من قبل أنه سينتقم ممن قتلوها حية، سينقم ولو على رقبته، حتى أختها جعلته يعدها أنه لن ينتقم منهم وحده وكأنها كانت واثقة أنه سيجدهم.
-معتصم! قولت إيه؟
نظر له ووجه يلوح بالشر، وأجاب:
-هساعدك ننسفهم.
ابتسم الأخير ومد يده ليصافحه، وبالمثل فعل الأخير، حينها قال الرجل:
-في الحالة دي، أنا إسمي أبان، وبشتغل جاسوس جوا العصابة دي من بعد ما حصل اللي حصل لاختي، وأمي ماتت بحسرتها. أنا اختارتك إنت بالذات عشان لما راقبتك لمدة حسيت إني أقدر أعتمد عليك. وطبعًا الكلام دة هيبقى بينا.
أومأ معتصم رأسه، وهو في حالة لا يحسد عليها.

زفر بغضب وهو يغلق الهاتف ويرمه على الأريكة بجانبه، فنظرت له لثوانٍ قبل أن تسأله بهدوء:
-دة رحيل صح؟
نظر لها متجهم الوجه ولم يجبها، ثم ترك الملعقة من يده، وأسند رأسه للخلف. لم تحد هي بعينيها عنه، وتابعت حديثها بروية وهي تترك الملعقة هي الأخرى:
-تخيل احساسك كأب، بتتصل بإبنك مبيردش وإنت واثق إنه مبيردش بمزاجه..
كاد يقاطعها مغتاظًا، لكنها تابعت بثبات:
-تخيل إنك نفسك توضح سوء التفاهم لحد، بس هو مش مديك ولا فرصة!
أشاح بوجهه بعيدًا، فأكملت بجدية:
-حط نفسك مكانه
وقف هو وتحدث بغضب:
-جويرية أنا بسيبك تتكلمي معايا زي ما إنتي عاوزة، وبديكي الحرية التامة في أي تصرف تتصرفيه معايا، بس مش معنى كدة إنك..
قاطعته وهي تقف وتتحدث بهدوء شديد:
-مش معنى كدة إني إيه؟ أتدخل في التفاصيل دي!
صمت هو لبعض الوقت، وهو ينتبه لما قال، فقد أدرك أنه جرحها بتلك الكلمات، لكنها تابعت ببابتسامة خفيفة:
-معنديش مشكلة، بشرط إنك مكنتش تدخل في تفاصيل حياتي قبل كدة، صهيب، تقريبًا إنت لحد الوقت مش قادر توصل لتفكيري، ولا هتوصل زيهم. ودة الطبيعي ومش هلومك لأني عارفة إني متناقدة، معقدة، ومش بتفهم. بس أنا كنت بحاول آآ..
صمتت ولم تعد تستطيع الحديث، هل ذكرت يومًا أنها تكره تلك الطريقة. حينما تحاول أن.. حسنًا لا يهم.
سارت هي بعيدًا عنه، فغضب من نفسه، هو لم يقصد. يكاد يقسم أنه يستمتع بتدخلها في حياته، يشعر أنها تشاطره النصف الآخر منه. لكنه فقط منذ الصباح وقد اختنق من اتصالاته المتكررة، وتذكر كل شيءٍ من جديد، فامتلأ بشحنة جديدة من الغضب.
اختفت هي داخل الرواق، فوضع يداه الإثنتان بين خصيلات شعره وهو يسندهما على قدمه..
وتحدث مع نفسه بصوتٍ خافتٍ غاضب:
-إيه إللي خلاني أقول كدة؟

لكنه لم يراها وهي تستند على الحائط من بعيد وتراقبه. زفرت بهدوء وحدثت نفسها:
-عارفة إنك متقصدش، بس إنت لازم تعرف الحقيقة لوحدك.
ثم تذكرت ما حدث البارحة بعد أن عادت معه مساءًا..

...

اتجهت نحو فراشها لتنام، وإذا بهاتفها يرن برقمٍ مجهول، فأجابت بعد عدة مرات، وسمعت المتحدث من الجانب الآخر يقول:
-معايا جويرية؟
أجابت بهدوء:
-معاك
حينها ظهر صوته متوترًا قليلاً وهو يتابع:
-طب يا بنتي أنا رحيل.. بصي من غير مقدمات أنا محتاج مساعدتك.
سألته بتريث:
-إتفضل؟
-أنا في الحقيقة أبقى والد جوزك، يعني حماكي، وجوزك لسة عارف الكلام دة من كام يوم بس.. وأنا كنت عاوز أحكيلك على كل حاجة عشان صهيب مش بيرد مهما اتصلت، أنا بس عاوزك توضحيله إن كل دة كان غصب عني، و..

...

حكى لها رحيل الكثير من التفاصيل، لذلك وعدته أن مساعدته ستكون واجبها في هذه الأيام. في الحقيقة لم ترد جويرية فعل ذلك لأنه طلب منها، بل لأنها حقًا أرادت فعل ذلك لأجل صهيب كما حاول هو كثيرًا في الأيام السابقة.
ظلت جويرية تنظر له من بعيد، لم تدرِ ما الذي دهاها، فقد سيطرت عليها الرغبة بأن تذهب إليه وتخفف عنه. لكنها قاومت ذلك بصعوبة..
وثوانٍ ووجدته يخرج، ليذهب بعيدًا ويقف أمام البحر. أغمضت عيناها لعدة ثوانٍ وسارت خطوتان في اتجاه غرفتها، لكنها توقفت فجأة ووجدت نفسها تسير إلى حيث سار هو.
لماذا؟ و ما هو الدافع؟ لا تدري، لا تدري أبدًا، لكنها لم تتحمل شعورها بأنها أو أنه.. حسنًا أو ربما هي لم تفسر شعورها حتى الآن..

حين وقفت خلفه، شعر بها واستدار على الفور. ظل ينظر لها لدقيقتان، لا يصدق أنها قد عادت.
-جويرية!
نطق بها مندهشًا، فسألته ببرود:
-إيه مالك، حرام آجي هنا؟
أشاح وجهه عنها، وأجابها بهدوء وهو ينظر للبحر أمامه:
-خدي راحتك
كتفت يديها وهي تنظر للبحر لبرهة قبل أن تقول بانزعاج:
-أنا عاوزة أرجع
راقبته بعد أن تحدثت، لكنه لم يظهر عليه أي تأثر لدرجة أنها شكت في أنه لم يسمعها، لولا أنها وجدته يردف ببساطة:
-كويس، وأنا كمان عشان الشغل، خلاص حضري حاجتك وهنمشي بعد شوية.
رفعت حاجباها وتابعت النظر للبحر، ثم تقدمت عدة خطواتٍ منه وهي تتحدث بغموض:
-بس أنا أكيد مش همشي من هنا إلا لما..
لم تتابع، ولكنه نظر لها باهتمام وهي تسير أمامه، وانتظر أن تتابع، إلا أنه وجدها تتجه نحو البحر، ثم تتقدم، وتتقدم. ففهم ما ترمي إليه، ثم نظر لها بحدة وقال:
-جويرية! بطلي جنان الجو برد!
لم تعبأ جويرية بحدثه، وتابعت تقدمها حتى وصلت المياه إلى قبل ركبتها بقليل. حينها زفر صهيب بغيظ، واضطر لخلع سترته، ثم سار نحوها بلا تردد حتى يخرجها.
تابعت تقدمها، وبرغم أنها شعرت بالبرد إلا أنها لا تهتم، تحب هي هذا الشعور، عندما يتخلل الماء كل جزءٍ من جسدها. لكنها كانت واثقة أنه سيلحق بها.
-جويرية! قولتلك اطلعي!
سمعته يثور عليها لأول مرة، ومع ذلك لم تكترث. وظلت تتابع إلى أن تجاوزت المياه منتصفها، فتوقفت، وظلت تنظر للأمام بهدوء. بدى كأنها تنتظره، وبالفعل لم تمر دقيقة حتى وصل إليها، ووقف أمامها مغتاظًا وسأل بنبرة حادة:
-أقدر أفهم إيه الجنان دة، الجو برد لسة!
كتفت يداها، ورفعت حاجبًا وحلت الآخر، ثم أجابته بهدوء:
-الماية الباردة بتهدي
قطب حاجباه متسائلاً باستفهام:
-بتهدي!
ببساطة أجابت:
-آه هتهدي أعصابك شوية
كز على أسنانه بحنق فقد فهم مقصدها، وبهدوء مد يده نحو الأسفل وهي لا تنتبه له، ثم أخرجها مليئة بالطين، واقترب منها وباغتها بدهنه سريعًا على وجهها وهو يتحدث بتشفي:
-والطين مفيد للبشرة!
صدمت هي مما فعل، ثم حاولت السيطرة على نفسها، واستطاعت أن تدعي البرود وهي تتحدث:
-طب ما تجرب!
ثم مسحت القليل الطين الذي على وجهها وهي تتابع:
-دة إنت حتى بدأ يطلعلك حبوب وهالات.
وبنفس الطريقة، أخذت القيل من وجهها ومسحت به وجهه، فلم يبدُ عليه الإنفعال، بل على العكس، طوقها بذراعيه وهو يسألها بخفوت:
-واثقة هيعمل مفعول؟
هزت كتفها، ثم أجابته بخفوت مماثل:
-إنت أدرى!
قطب حاجباه بحيرة وقال بجدية مصطنعة:
-المهم يجيب نتيجة بس، لحسن مراتي شايفاني وحش!
هزت رأسها نافية وأجابته:
-وحش بس! أكيد هي مبتشوفش حلو!
فغر فاه بدهشة، وسرعان ما سألها بغيظ:
-نعم، مين أنا؟!!
هزت كتفاها مرة ثانية، ولم تجبه، وابتسامتها قد بدأت تتجلى على وجهها غير قادرة على السيطرة عليها.
رفع حاجباه وهو يسألها باستنكار:
-كدة! ماشي اتحملي بقى.
ثم قام بحملها فجأة، فضحكت وأجابته:
-بسيطـ..
لم تكد تتابع حتى القاها عن عمدٍ في الماء، فاختفى الوحل من على وجهها، ووقفت تنظر له، ولشعرها بانزعاج وهي تقول:
-حرام عليك، بليت شعري!
اقترب منها، وأمسك شعرها من الطرف، ثم مسح به وجهه وهو يجيبها ببرود:
-كدة هيبقى أحسن.
لم تتحكم جويرية في نفسها أكثر، أي شيء إلا شعرها، فنظرت له بغضب، ودفعته بقوة مفاجئة، فوقع لأنه لم يتوقع هذا، وابتل كليًا. ثم وضعت شعرها في الماء ليذهب عنه الرمل وهي تردف بحنق:
-كنت ناقصة رمل في شعري! مش هيطلع في سنته!
ظل ينظر لها وهو لا يزال واقعًا لم يقف، وبدأ يضحك عليها، فرفعت هي نظرها إليه وأردفت بوعيد:
-ماشي يا صهيب
ثم وضعت يداها الإثنتان في الماء، وأخرجتهما ممتلأتان بالطين، وبسرعة اقتربت منه وهو جالس، وغطت بهما وجهه وهي تتابع بغيظ:
-إلا شعري، عشان مقلبش على الوش التاني
أبعدها عنه بصعوبة، وهو لا يستطيع التوقف عن الضحك، ثم غسل وجهه بسرعة، واقترب منها بسرعة، ثم أمسك يدها وابتسم قائلاً:
-يعني لما أعوز أنرفزك أبل شعرك! أممم فكرة حلوة.
ضربته بقوة في ذراعه وتوعدت له بـ:
-فكرة حلوة! طب جرب
ثم حاولت ترك يده، إلا أنه تمسك بها بشدة، فنظرت له بحيرة. حينها اقترب هو منها أكثر، ثم رفع يده الأخرى إلى وجهها، وبدأ يتحدث برفق:
-آسف على إللي حصل من شوية، مكنش قصدي أقول الكلام دة، أنا بس كنت..
-كنت مشوش ومش عارف تعمل إيه.
ابتسم لها بعد أن تابعت هي جملته بدلاً عنه، وكالعادة أحسنت فهمه تلك المرة أيضًا. ثم أومأ رأسه وهو يتابع بشجن:
-أنا مكنتش متوقع إن رحيل يخبي عليا حاجة زي دي، وخصوصًا إني.. إني متعود ميخبيش عليا حاجة! إحساس وحش أوي لما الواحد يتجرح من أكتر واحد كان أقرب حد منه كل سنين حياته.
نظرت له، وأردفت بجدية:
-الأول إسمع منه، وبعدها احكم.
أخذ نفسًا عميقًا، وأومأ رأسه مستسلمًا وهو يجيبها:
-خلاص إحنا هنرجع النهاردة، وهنبقى نتكلم بعد ما أروح، بس إنتي هتكوني معانا
-ليه؟ أنا مش..
-لأ معلش يا جويرية، إنتي عرفتي كل حاجة، ووجودك بيهون عليا كتير.
ابتسمت له، ووضعت يدها الأخرى بالمثل على وجهه لتجيبه بعدها بحنو:
-وأنا مش هسيبك لو بجد محتاجلي
ارتسمت ابتسامة عذبة على وجهه، ثم قال بسعادة:
-أعتبر دة وعد!
ردت ببساطة:
-اعتبره
-وأنا بالمثل. مستحيل أسيبك في لحظة احتاجتيني فيها، ثم إني خلاص اتكتبت عليكي، يعني مش هتخلصي مني أبدًا
تحدث مع نفسها حينها قائلة بثقة:
-لو كنت عاوزة أخلص منك، كنت خلصت من زمان، بس الظاهر فعلاً إني مش عاوزة أخلص منك يا صهيب.....!!!

............................!!!!!!

يتبع ....

يارب تكون حلقة النهارده عجبتكم وأستنونا كل يوم في نفس الميعاد فصل جديد من رواية عصفورة تحدت صقرا وعلشان تجيلكم الفصول بتسلسلها تقدروا تتابعونا من خلال صفحتنا علي الفيس بوك

عن الكاتب

Marwa Raafat

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

قصص 26