قصص 26 قصص 26

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

يسعدنا تلقي اقتراحاتك أو تعليقك هنا

روايات رومانسية كاملة | رواية عصفوره تحدت صقراً "الفصل الثامن والخمسون"

مرحبا بكم متابعين قصص 26 موعدنا في قسم روايات رومانسية كاملة والكاتبة فاطمة رزق والفصل الثامن والخمسون برواية عصفوره تحدت صقراً 

وَعَـىَ على مُر الحياهِ ، حين إِصطَدم بواقِعِــهِ .. فنشأَ على كُره حــواءَ ، فلم تكن يوما منزلُــهُ .. وبنفورِهِ جعلَ الجواري تَشتهى قُربَــهُ .. فعُزِزَ الغُــرور في نفسهِ ، بأنُ لا مِثل لـهُ .. فأتتْ هي قبل أن ينخدِعَ بِظَنــهِ .. لتُريهُ مدى ضآلة حجمــهِ .. فليست من الجــَواري، ولا أَمـه يروق لها منزلــُه .. هي سيـدةٌ فى قصرٍ من الحيــاءِ تزينت جُدرانُـهُ .. هي سيـدةُ حسنـاءٌ ، تملك من الكـِبْرِياءِ ما تَكبَح بـِهِ غـرورَهُ .. فقطعَ العهــودَ والمواثيــقَ على نفســهِ .. بأن أيامها القادمــةُ ستكونُ داخلَ جحيمــهِ .. ولِتـَـرى ابنه حــواء ذاك الذي قَـللتْ من شأنِــهِ .. كيف يَسوقهـا إلى هاويةِ الهـلاكِ بنفسـهِ ..! هل ستقاوم سَبيـهُ ، أَم هل ترضـخُ لــهُ ؟ هل ستعيش حبيسَــةً ، أَم سيُجّــلِي قَيــّدَهُ ؟ اللي مشفش الفصل الرابع يقدر يشوفه من هنا رواية عصفوره تحدت صقراً "الفصل السابع والخمسون"


روايات رومانسية كاملة | رواية عصفوره تحدت صقراً "الفصل الثامن والخمسون"

عصفوره تحدت صقراً

الفصل الثامن والخمسون

ثقلٌ رهيبٌ فوق عينيها، و جفنيها، تحاول من جديد فتح عينيها و هي تستمع إلى بعض أصواتٍ من الهمهمات، و الذبذبات حولها، و في نهاية المطاف بذلت المزيد من الجهد حتى استطاعت فتح عينيها و بدأت ترى ما حولها، رغم أن الرؤية كانت ضبابية في بادئ الأمر إلا أنها بدأت تتعرف على هوية ذاك الممسك بيدها، جالسًا بحذرٍ إلى جانبها، ثم...

-إإ.. إياس!

كان هذا ما نطقت به و هي تحاول تذكر ما حدث، بينما ابتسم هو لها و الدموع ما تزال في عينيه، و ربت على يديها فاسطردت حديثها بحيرة:
-هو إيه اللي حصل؟

ثم التفتت للمكان حولها و هي تتابع:
-و.. و احنا فين، وإيه جابنا هنا؟

اختفت ابتسامته و بدأ يتحدث بجدية:
-في المستشفى، عملنا حادثة و.. و جينا هنا..

شعر برغبةٍ ملحةٍ بالصمت خاصةً بعد تذكره أنها فقدت جنينها الذي لم يرَ الدنيا يومًا..

نظرت حولها، لصديقها وزوجته اللذان اقتربا منها بابتسامة صافية، فبادلتهما الإبتسامة قبل أن تسمع الزوجة تتحدث بمودة و هي تربت على كتفها:
-ألف سلامة عليكي يا حبيبتي، عاملة إيه الوقت؟

ابتسمت لها بهدوء، و أجابتها بنبرة خافتة:
-شكرًا حور، أنا كويسة

جاء الأخير و وقف بجانب زوجته و بدأ يردف بمزاح:
-كل دة عشان تفوقي عطلتينا!

ضيقت عيناها ناظرة له بانزعاجٍ زائف، ثم حولت أنظارها نحو إياس الذي كان ينظر لها بحزن، و قالت:
-إيه اللي خلا الزفت دة ييجي هنا، هو مش كان مريحنا شوية!

فغر الأخير فمه في صدمة مصطنعة و هو يتساءل:
-مين أنا؟

ضحكت حور على طريقته بينما استمرت كاثرين بالنظر لإياس الذي بدى شاردًا برغم نظره إليها، فقررت أن تحرك انتباهه..
-إياس!

نظر عقاب و زوجته لإياس هما أيضًا.. هما يحاولان تأخير الحقيقة لأطول وقت بينما هو لا يعطيهما فرصة بتلك الطريقة، و ذاك الوجه العابس و..

-كاثرين، أنا عاوزة أقولك حاجة مينفعش أخبيها عليكي..

كان هذا ما قاله إياس بنبرة حزينة و هو يضم يدها بكلتا يديه، فرفعت أنظارها له بذهولٍ و أجابته بقلق:
-فيه إيه؟

نظر عقاب و حور له بانزعاج، و حاولت هي التدخل بـ:
-هي لازم ترتاح الوقت و..

بغضبٍ صاح الأخير مقاطعًا:
-لأ مينفعش نخبي عليها أكتر من كدة.

انتفضت حور على إثر صوته العال، بينما أبصره عقاب بنظراتٍ قاتمة، و تحدث بانفعال:
-إياس! صوتك ميعلاش على مراتي

زفر إياس يُحاول التنفيس عن غضبه، في حين ظلت كاثرين تنظر لهم بقلقٍ و هي لا تفهم ما يحدث حولها.. لكن لما اجتاحتها تلك الرغبة برفع يدها إلى حيث يسكن طفلها..!

-معلش يا عقاب بس..
-خلاص إحنا هنسيبكم و إنت قولها زي ما انت عاوز
ثم رفع يده ووضعها على كتف زوجته من الخلف و سار معها ناظرًا له بحدة لم يستطع إخفاءها..

حينها حول إياس أنظاره بالكلية نحو تلك الجالسة أمامه تنظر له بقلقٍ، وحيرة، فأغمض عينيه لثوانٍ قبل أن يبدأ بهدوء:
-كنا متفقين نأخر الخبر عليكي شوية

ثم نظر لعيناها بعمقٍ و تابع:
-بس مقدرتش لما شوفتك صحيتي.. حسيت لازم تعرفي عشان متعيشيش في وهم

سألته بجدية و رعب:
-فيه إيه يا إياس بدأت أخاف!

أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يجيب:
-الحادثة أثرت على.. على الجنين و..
ضمت هي نفسها بيدها من منطقة بطنها و سألته بانفعال:
-و.. وإيه قول؟

-خسرناه
ظل وقع الكلمة المدوية على الإثنان يتردد في أذنهما و كأنه ليس هو من قالها، بل آخر قالها من بعيدٍ و هرب..
و ظلت هي تنظر له بصدمة، و بدأت دموعها تنساب بغزارةٍ، و لم تتفوه بكلمة و كأنها معقودة اللسان،
استمر الصمت و تبادل النطرات بينهما لدائق قبل أن تبدأ هي الحديث بانفعالٍ هيستيري:
-مات ازاي؟ ليه مات؟

كان يعلم أنه عاجلاً أم آجلاً سيواجهها بالأمر، سيواجهها و يجب أن يخفف عنها و..
زاد من قوة الضغط على يدها و دمعت عيناه و هو يجيب:
-مش عـ..
قاطعته هي و نبرتها تعلوا و تنخفض، و تذهب و تأتي، و البكاء بات بيِّنًا في صوتها:
-ليه يا إياس أنا عملت إيه وحش في حياتي عشان يحصل لي كل دة؟

صمتت لثوانٍ قبل أن تتابع و هي تنتحب:
-ليه بعد ما حبيته و اتعلقت بيه يسيبني و يمشي؟ ليه أنا بيحصل معايا كل الحاجات الوحشة ليه..؟!

بدأت دموعه تتساقط هو الآخر، لا يعلم ماذا عساه أن يفعل لكي يخفف عنها، لا يعلم إلى متى سيظل ينظر لها و هي تتألم بدون أن يُقدم لها المساعدة!

تابعت هي و أنفاسها تتقطع، و نبراتها تهتز:
-ليه لما بفوق من صدمة بيحصل اللي يرجعني ورا تاني، ليه كل اللي بحبهم بيسيبوني ليه، عشان خطري قولي ليه؟ ليه؟

انفعل هو من نفسه و لم يشعر بها إلا و هو يضمها بقوة و يجيبها بدفئ:
-مش هترجعي لورا تاني يا كاثرين أنا بوعدك، هفضل معاكي لحد ما نرجع كل حاجة زي الأول، قوليلي بس عاوزة حياتك عاملة ازاي و هعملك كل اللي إنتي عاوزاه، بس بلاش تعيطي، أنا..

استندت هي عليه و تابعت البكاء و كأنها لم تعد تحتمل.. لا بل هي بالفعل لم تعد قادرةً على التحمل أكثر من هذا..
وتحدثت بألم:
-هو أنا ظالمة؟

شدد هو من ضمها، وربت على شعرها بحنانٍ و هو يرد عليها:
-مستحيل.

تقطعت نبراتها بين البكاء و الحديث و هي تسأله:
-طب مش الظالمين بس هم اللي بيحصل معاهم كدة؟ أنا ليه بيحصل معايا كل دة؟

ابتعد عنها قليلاً حتى ينظر لوجهها، و تبصر هي دموعه التي تنهمر من أجلها.. من أجل أنينها..

ليبدأ بعدها الحديث بجدية ممزوجة بالحنان و الرفق:
-اديني فرصة واحدة، و أنا أوعدك هعوضك عن كل دة.. عن اللي فات كله، عن كل لحظة ظلم عشتيها.
لم تجبه بل عادت تلتمس احتواءه لها، عادت تبكي بداخله حتى تبللت ثيابه و استشعر هو دفئ عبراتها.. لكنه اعتبرها اجابة.. لقد سمحت له بالفعل بأن يتقرب منها.. سمحت له أن يكون جزءًا من مداواة أحزانها و هذا يكفيه.

فظل يمسح على شعرها برفق، و يشدد من ضمها إذا ما شعر بازدياد نوبات بكائها إلى أن بدأت تهدأ قليلاً فبدأت لوعته تخف تدريجيًا، و تذكر أنه لم ينادِ الطبيب بعد!

لكنه لم يهتم بل ظل على ذاك النحو إلى أن لاحظ سكونها المفاجئ.. رفع رأسها إليه قليلاً فوجدها قد ذهبت في سُباتٍ عميق، مسح عن وجهها تلك الدموع الساخنة، و مددها على الفراش بهدوءٍ ليجلس بعدها بجانبها واضعًا يداه بين خصيلات شعره و هو يفكر بتريثٍ أن أول ما يجب فعله هو الزواج.. يجب أن يُتما زواجهما في أقرب وقتٍ حتى يصبح قادرًا على المكوث معها أطول وقتٍ ممكن.

ابتسم لها برغم كل شيء، و وضع يده بداخل يدها الممددة على الفراش ليحادثها بخفوت:
-وعد مني و الله هعوضك عن كل الألم دة.. هرجعك زي ما كنتي و أحسن كمان.

ثم رفع يدها إلى فمه و قبلها ناظرًا لتعابير وجهها الحزينة بشجن..
هل سبق له أن تألم من أجل أحدهم إلى هذه الدرجة؟
كيف يعقل أن هذا ليس إلا ألمها، وجعها، حزنها إذا ما كان هو يشاركها إياه لهذا الحد..!
رواية عصفورة تحدت صقراً "الفصل الرابع"
كانت نائمة على فراشها، أو بالمعنى الأصح شاخصة العينين للسقف فوقها، تنظر له بخواء..
آلاف الذكريات بدأت تجتاحها.. ذكرى حزينة، و أخرى سعيدة، و ثالثةٌ ذكرى قد كان الزمن كفيلاً بأن يطوي أجزاءها فتتبقى الحواف تلوح من البعيد طالبة القليل من الجهد كي تسترسل أحداثها من جديد..
أخذت نفسًا عميقًا، و دنى منها الشعور بالاضطراب حين تذكرته... البارحة فقط قد أتى ليتفق معهما على ميعاد الخطبة!
و هي قد وافقت، لماذا وافقت؟! لما أقحمت نفسها في هذه التجربة التي لا تعلم إلى أي نفقٍ تسوقها! ربما بسبب كل مرةٍ رأت فيها نظرات ابنته بعد علمها بالخبر! كانت نظراتها تخبرها بأنها سعيدة، أو ربما بعد سماعها منها أنها سعيدة لحصولها على أم!
لا أبدًا لقد كان شعور بالفضول يعتريها، أو ربما ليس الفضول ربما هو الـ..
نهضت بشكلٍ مفاجئ، وجلست و هي تتحدث مع نفسها بانزعاج:
-يوووه يا فيروز، حرام عليكي نفسك بطلي تفكير بقى!
صمتت، ضمت ركبتاها، و نظرت أمامها للفراغ و هي تتابع بحزن:
-بس افرضي اجى يوم من الأيام و عايرك؟
دمعت عينها بدون أن تشعر، لتجيب على نفسها بضيق:
-بس هو قال ننسى كل دة!
مدت يدها لتمسح دموعها و هي تتابع بجدية:
-عارفة إن حياتي مش ساحة للتجارب، بس أنا مع ذلك هجرب الخطوبة مفيهاش ضرر!
نزلت من على الفراش و اتجهت نحو خزانتها، أخرجت من صندوقٍ بداخلها القلادة التي أهداها لها أخيها من قبل، ثم ضمتها بيدها بقوة قبل أن ترتديها..
................

دلفت تلك الصغيرة إلى الغرفة، فقابلها وادها بحفاوة الإبتسامة، حينها ركضت هي إليه، و جلست إلى جانبه على الفراش و هي تهتف بسعادة:
-بابا، بابا!
جذبها هو ليجلسها على قدمه أثناء إجابته عليها باسمًا:
-نعم يا حبيبة بابا!
وضعت الفتاة إصبعها في فمها و عضت عليه قليلاً قبل أن تردف بترقب:
-هو أنا غلطت في حاجة يا بابا؟
تذكر هو أنه حين عاد للمنزل كان ما يزال مشغولاً بتلك القضية التي كادت تودي بحياة أخت صديقه و زوجها إلى الهلاك.. و لأن الصداقة بينهم ليست مجرد صداقة عادية، بل من أخوَّة لذلك يعتبر أن أخت صديقه هي أخته و يقع على عاتقه حمايتها..
لكن بعد عودته للمنزل تحدث مع ابنته بانفعالٍ لم تعتده هي منه و هاهي الآن تظن أنها قد أخطأت في شيءٍ ما!
وضع يده على وجنتها، و سألها بهدوء:
-من قالك كدة؟
أجابته بنبرةٍ طفولةٍ حزينةٍ:
-لما جيت زعقتلي، و..!
قاطعها هو بجدية:
-بصي يا تالا، فيه وقت بابا بيكون متضايق فيه فلما بيقول أو بيعمل حاجة مش بيكون قصده!
ثم ابتسم لها برفقٍ و تابع:
-و بعدين أنا عمري ما زعلت منك أبدًا، بابا بيحب تالا و مش بيزعل منها أبدًا.
ابتسمت الفتاة و كأنها كانت خائفة أن يصرخ بوجهها من جديد حين ولجت إليه و ابتسامته هي ما جعتلها تُسرع نحوه..
حينها ضمته تالا بقوة فضمها الأخير إليه ليسمعها بعدها نقول بتذمرٍ طفولي:
-طب معدتش تزعق لتالا تاني عشان تالا بتخاف.
قبل رأسها بحنوٍ و هو يجيب:
-حاضر من عنيا، و بعدين ماما فيروز هتيجي تعيش هنا معانا قريب..
ثم أكمل بينه و بين نفسه بخفوت:
-أنا واثق إنها هتعاملك زي بنتها مفيش فرق يا تالا.. هتبقى أمك بجد..
خرج من الحمام حاملاً المنشفة في يدٍ ليجفف بها الأخرى، رفع بصره نحوها فتعلقت أنظاره بها و هو يراها نائمة بهذا الشكل.. ممسكة بالمصحف في يدها و مستندة بظهرها إلى السرير خلفها، علق المنشفة خلف رقبته، وتقدم نحوها بهدوء.. حين دخل إلى الحمام منذ قليل كان يسمع صوتها و هي ترتل، والآن فقط أدرك سر توقفها المافجئ.. لقد غفت.
كان هاتفه على حاملة الأدراج بجانبها، فأخذه وعبث بالقليل من أزراره قبل أن يتركه ويعيد النظر إليها..
ابتسم لها بحنانٍ، ثم اقترب منها أكثر وطبع قبلة دافئة على رأسها، أغمض عينيه للحظات، مازال وقع صوت الرصاص يدوي في أُذنيه، مازالت الذكرى عميقة لم تنضب بعد.. قد يتخيل أنه يفقد أي شخصٍ إلا هي، قد يتخيل أنه يخسر كل ما يملك ولا يرى لحظةً بدونها..

أليس هذا عجيبًا؟
أن تحتل كيانه تلك التي كان النفور من جنسها أقرب إليه من أنفاسه! أن تتجلى أمامه كما شعاع الشمس إذا ما أضاء على بلدٍ لا تشرق به الشمس إلا كمراتٍ حنت فأضاءت.. فتُصبح التي بها الحياة وبدونها أقرب للممات؟ لا بل هو الممات أُقسم!

أليس هذا عجيبًا؟
أن يعيش حياته كاملةً بجميع نواقصها وتكتمل في لحظاتٍ بها!
كيف يشكر الإنسان شخصًا ما على تواجده في حياته؟ كيف يشكره على تهشيم شوكات فؤاده؟ كيف يشكرها وأي شكرًا تلك التي تكفي لشُكرها؟

كلماتٌ وكلماتٌ تنحني أمامه حين يفكر بها.. وكأن عقله لا يتوقف بعد الإشارة إليه بها..
اتسعت ابتسامته، ومد يده نحو يدها لينتزع المصحف الذي كانت تحتضنه بيدها، وبحذرٍ شديد استطاع سحبه منها بدون أن تصحوا.. لكنه وبمجرد أن وضعه على حاملة الأدراج بجانبه وجدها تفتح عيناها وتفركها وهي تردف بصوتٍ ناعس:
-كويس إنك صحيتني
سألها متحيرًا وهو يعقد حاجباه:
-ليه فيه حاجة؟
أنزلت قدماها من على الفراش و وقفت وهي تنظر للساعة أمامها ثم لتجيبه بعدها بهدوءٍ يحمل الإرهاق:
-معدش غير نص ساعة على آذان الفجر، وعاوزة أتصحر عشان هصوم بكرة إن شاء الله.
بدهشة سألها:
-تصومي؟
أومأت رأسها بهدوء، فسألها بجدية:
-هو فيه إيه بكرة؟
-الخميس
-الخميس!
أمسكت يده وسارت بتمهلٍ وهي تسحبه معها قائلة بخفوت:
-تعالى معايا و أنا بحضره أفهمك
رفع حاجباه، وهز كتفاه مستعجبًا، لكنه ذهب معها ولم يبالي بما في نفسه من أسئلة..

حين توسطا المطبخ وبدأت هي بإعداد الطعام، غسلت أولاً وجهها ثم يديها، فوجدته يسألها:
-ليه بتصومي؟
بدأت هي تتحدث بهدوءٍ وهي تحضر الطعام:
-بص يا صهيب، لما الرسول عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم اتسأل عن صيام يوم الإثنين قال: ( فيه ولدتُ، وفيه أُنزل عليَّ ) يعني صيام الاتنين و الخميس دول سنة مؤكدة عن الرسول صل الله عليه وسلم و..
-أيوة مش السنة اللي هي مش فرض صح؟

سألها باهتمامٍ وهو ينظر لها، فأجابته باسمة:
-السنة مش فرض يا صهيب، لكن إيه اللي بيفرق العباد عن بعض؟ مش التقوى؟ مش إنك تدور على اللي بيرضي ربنا ورسوله وتعمله؟

جلس على المقعد الذي بجانبه وهو يصغي لها، وما إن انتهت حتى سألها باستفهام:
-يعني الصيام ليه ثواب كبير

كانت هي قد أخرجت بعض الطعام من الثلاجة، ثم وضعتهم على المائدة وهى تجيبه بتأنٍ:
-الله عزوجل قال في حديثه القُدسي: كُل عَمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنّة،وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل: إني إمرؤ صائم، والذي نفس مُحمدٍ بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرَّى صوم الاثنين والخميس )
يعني لما بتصوم مش بتكون بس بتعمل سنة، لأ إنت بتعمل سنة، وفي نفس ذات الوقت بتعمل الحاجة اللي ربنا بياخدها ليه، وتخيل إنت أجرك عند ربنا إيه!

نكس رأسه ولم يتحدث، فلاحظت هي هذا السكون المفاجئ، وبدى عليها أنها فهمت ما يفكر فيه..
فخطت بضع خطواتٍ إلى أن وقفت بجانبه، ووضعت يدها على كتفه، فرفع رأسه ليواجهها بعينيه الحزينتين، وأردف بندم:
-عمر ما حد قالي الكلام دة، عارفة؟ عمري في حياتي ما صُمت! أجابته هي برفق:
-(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
-بس أنا..
-وكما أنا.. بس دة ربنا يا صهيب، ربنا عارف يعني إيه رينا؟ عارف يعني إيه لما تكون لوحدك بس معاك ربنا؟ عارف يعني إيه تعدي من كل اللي المصايب و الأزمات دي بس عشان معاك ربنا؟

بكت وهي تتابع بانفعال:
-في يوم من الأيام يا صهيب مكنتش بصوم، ولا بصلي ولا بعمل أي حاجة من اللي ربنا يستحقها، عارف كمان؟ فضلت لحد الـ١٧ سنة بنت عادية، وبرغم القرآن اللي كنت حافظاه، و العلم اللي كان عندي أنا نفسي مكنتش بعمل بيه.

أخذت نفسًا عميقًا وبدأت تمسح دموعها التي نزلت على غفلةٍ تلك، وهدأت من روعها وهي تتابع مع نظراته المصدومة لها:
-عارف يا صهيب أنا كنت بسمع أغاني كمان، وصدقني لو قولتك إن كان جت عليا فترة كانت الأغاني دي زي الإدمان، كنت بفضل أكتر من سنة ممسكش المصحغف ييجي سبع تمن مرات على بعض.. كنت بقطع أو أجمع في الفروض!

بس أول ما لجأت لربنا، مبصش لكل اللي كنت بعمله زمان.. مقالش دي كانت بتعصيني.. لأ وقف معايا ساعدني، وطلعني من محنتي..
أنا مكنتش أنا يا صهيب، أوعى تفكر إن الأوان فات، تعرف إمت الأوان بيفوت، لما الإنسان يموت..
بس إنت أهو، ولسا قدامك تتوب.
لم يكد يصدق ما نطقت به.. فكيف له أن يصدق هذا؟

جويرية كانت تسمع الأغاني؟ لا تصلي؟ جويرية!!

-تخيل إن أكتر حاجة تدي للإنسان الثقة إن ربنا بيحبه إنه يحط قدامه إشارات توجهه للطريق الصح، ويزرع جواه الندم.
ثم ابتسمت له ابتسامة توازي صفاء نهرٍ في بُقعة لم تمسها الريح ليومٍ كامل، ثم أمسكت يده تتابع بهدوء:
-أوعى تكون بتسأل عن الإشارة وأنا موجوة؟

بادلها الابتسامة وهو يضم يدها بكلتا يداه، ثم تحدث بصوتٍ قد عادت بعض الحيوية إليه:
-طب هصوم معاكي
شعرت بالسعادة حين سمعته يقول هذا، و أومأت رأسها بنفس الإبتسامة وهي تجيبه بحفاوة:
-طيب
ثم لدقيقين أخرتين تركته لتتابع إعداد الطعام، وما أن انتهت حتى وضعته أمامهما وبدأ كل منهما بتناول الطعام..
برغم كل شيء باتت الحياة مستقرة أكثر.. بدأت السعادة تتسلل إلى حياتهما بهدوء، وبدأ كل شيءٍ يصبح أفضل..

-بكرة متجيش الشغل.
رفعت أنظارها إليه رافعة حاجباها منتظرة تبيريره، فتحدث بجدية:
-جديًا بكرة آخر يوم في الأسبوع، و هروح ساعتين وهرجع لأن مفيش شغل كتير، أما الأسبوع الجاي اللي الشغل فيه كتير..
-امممم طيب.
مع أنها كات واثقة أن هذا ليس السبب الرئيسي إلا أنها آثرت الصمت ففي النهاية ستعرف كل شيء.
أكمل كلاً منهما طعامه بهدوءٍ بعدها، وحين انتهيا، وكاد هو أن يرحل أمسكت يده، فنظر لها متسائلاً، لتبتسم هي له وتقول:
-أنا معاك دايمًا يا صهيب، صدقني مش هدخل الجنة إلا معاك
ظهرت ابتسامة مشرقة على وجهه وقد اقترب منها كثيرًا قبل أن يضمها بقوة وهو يجيبها:
-وانا مش هسيبك لوحدك حتى في الجنة يا جويرية
ثم ابتعد عنها قيلاً وقبل رأسها متابعًا بجدية:
-صدقيني هعمل كل اللي هقدر عليه عشان ابقى معاكي هناك
ابتسمت له و هي تجيبه بمودة:
-وانا واثقة إننا هنبقى هناك سوا.......!!!

...............................!!!!!

يتبع ....

يارب تكون حلقة النهارده عجبتكم وأستنونا كل يوم في نفس الميعاد فصل جديد من رواية عصفورة تحدت صقرا وعلشان تجيلكم الفصول بتسلسلها تقدروا تتابعونا من خلال صفحتنا علي الفيس بوك

عن الكاتب

Marwa Raafat

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

قصص 26