قصة ولو بعد حين للكاتبة دعاء عبدالرحمن - الفصل الثالث والأربعون

مرحباً بكم أصدقائي وأحبابي عاشقي القراءة والحكايات الخلابة في موقعنا قصص 26 مع رواية جديدة من روايات الكاتبة دعاء عبدالرحمن و الفصل الثالث والأربعون من قصة ولو بعد حين للكاتبة دعاء عبدالرحمن، هذه القصة مليئة بالعديد من الأحداث الإجتماعية البوليسية الغامضة.
تابعونا لقراءة جميع فصول قصة ولو بعد حين للكاتبة دعاء عبدالرحمن.

اقرأ أيضا 

رواية مع وقف التنفيذ لدعاء عبدالرحمن

قصة ولو بعد حين للكاتبة دعاء عبدالرحمن - الفصل الثالث والأربعون
قصة ولو بعد حين للكاتبة دعاء عبدالرحمن

قصة ولو بعد حين للكاتبة دعاء عبدالرحمن (الفصل الثالث والأربعون)

حسن ..حسن..
فتح عينيه متفاجئا بينما يخترق صوتها الضباب الذى لف ساعات نومه دون أن يشعر بالوقت
فمنع عنه كل الأحلام لا شئ أو كما يسميه عادة الحلم البيض..
التوقيت فى هاتفه أخبره بأنه نام قرابة ثلاث ساعات ولكن صوتها يخبره بأن جدار
غرفتها قد سقط فوق رأسها منذ سنوات.
خطا خطوات سريعة نحو غرفتها ماسحا بكفيه اثر النوم عن وجهه وبمجرد أن دخل
إليها التفتت نحوه بنظرات مستغيثة هاتفة:
حسن ..أرجوك أريد أن أذهب للحمام .
ثم عادت تلتفت مانحة الباب ظهرها محاولة نزع النبوب الطبى عن يدها:
انتظرى..
أسرع نحوها وهو يلتف حول الفراش للاتجاه الآخر وبخفة وحذر نزع عنها الاصق
الطبى المثبت للإبرة والأنبوب الذى توقفت قطراته عنه لانتهاء المحلول الموصل به
كانت حركتها سريعة أكثر من الازم مما جعل رأسها يدور بمجرد أن نهضت واقفة
فعادت تجلس ساقطة فوق الفراش مجددا.
دار (حسن) حول الفراش مرة أخرى ووقف قبالتها ينتظر أن تستعيد توازنها
بينما هى تمسد رأسها مغمضة العينين مغصنة الجبين
التفت نحو السلسال الحديدى الملقى على الأرض بإهمال والذى لم يعد يقيد قدمها
وهو يراود نفسه (إنها فى حالة إعياء بالكاد تستطيع الوقوف كيف تسحب ثقل السلسلة
خلفها ياحسن؟..كن منطقيا).
تركها تستند إلى الجدار ببطء محاولة الحفاظ على توازنها حتى لا تسقط بسبب الدوار
الذى يلفها حتى خرجت من الغرفة
سمع صوت باب الحمام يغلق فتنفس بعمق مستديرا باتجاه فراشها جالسا على
أحد أطرافه فقطب جبينه بدهشة كيف لم يلاحظ أن الإسفنج قاس للغاية من قبل؟
لابد أن فقراتها تؤلمها بشدة بسببه مد يده يختبر مدى لين الوسادة فوجدها مبللة للغاية
تغضن جبينه أكثر وهو يحسب الساعات التى قضتها باكية حتى أغرقت وسادتها
بينما هو يظنها نائمة...
بعد قليل عادت مجددا إليه مستندة بأطراف أصابعها هذه المرة إلى الجدار
وقد استعادت توازنها الذى فقدته من طول الرقاد
نهض على الفور وهو يرمق وجهها المبلل بالماء الذى يقطر يديها
بينما هى تحاول تجفيفه بأكمامها الطويلة وتتجاهل نظراته حتى وصلت ألى
طرف الفراش الآخر وجلست تصلى مافاتها من صلوات
تطأطئ عنقها عند الركوع وتنحنى أكثر للسجود
زم شفتيه آسفا وهو ينظر إلى ساعة هاتفه لقد نام عن صلاة الظهر حتى دخل وقت
العصر فهمس لنفسه موبخا(لقد أصبحت سيئا جدا ياحسن).
ترك لها الغرفة وخرج يقطع طول المخزن وعرضه ذهابا وإيابا يفكر فى الخطوة القادمة
فبعد أن كان هو المحرك للأحداث باتت تحركاته عشوائية ومرتجلة منذ أن نهش الأرض
بحثا عن (رمزى) ولم يجده.
فسد كل شئ
خرج القطار الغضب عن قضبانه وأصبح يهدد بلاصطدام فى أى لحظة
وأول من اصطدم به كانت أسيرته تلك
لقد خرج من السجن بجسده فقط أما روحه فلا زالت هنالك حبيسة ظلم البشر لا الجدران
تسحبه إليها مجددا فتجعله يبدأ دون أن يفكر فى النهايات.
ولماذا يفكر؟ ولماذا يخشى العودة وقد تساوى كل لديه ولم يعد يفرق بين السجن وخارجه
إلا الأسوار المرتفعة فقط؟
سمع صوت تحركاتها بعد خروجها الحذر إليه ولكنها فعلت كما فعل الفيل الأسير
فى قصص الأطفال لم تتجاوز المساحة التى كلن من المسموح لها التحرك فيها فقط
ثم توقفت يبدو أن الاعتياد هو من يصنع الأسير وليس القيود فقط.
تقدمى...اجلسي هنا..
قالها وهو يستند إلى مقدمة الشاحنة الصغيرة والتى باتت أسيرة المخزن القديم هى الأخرى
كان عاقدا ذراعيه أمام صدره يراقب تعثرها فى أطراف الجلباب الطويل الذى تلف وشاحه
حول رأسها كالطفل الذى يتعلم المشى حديثا
خطوتين ثم تقف تنظر حولها حتى تجاوزته ووصلت إلى مقعده العريض ووقفت تستند إلى
ظهره المرتفع وصمتت تنتظر توجيهاته:
ألم نتفق على أن تتوقفى عن البكاء لتستعيدى عافيتك؟
لم أبك.
همست بوهن وتطرق بعينيها للأسفل فقال مندفعا:
كنت تبكين طوال الوقت ياغفران.
غير صحيح.
انزلق ببطء جالسا القرفصاء حتى يستطيع رؤية وجهها جيدا
بينما لا زال ظهره مستندا إلى شاحنته
عيناها متورمتان للغاية ووجها شاحب كالأموات تبدو ضعيفة جدا فى ذلك الجلباب
الفضفاض بحالتها تلك
لن تستعيد عافيتها أبدا مادامت مواظبة على البكاء طوال الوقت كما تفعل الآن:
ألا تعلمين أنك مراقبة ؟
رفعت وجهها إليه فوجدته يعبث بقشة صغيرة فى الأرض
الغبار يمكنه من رسم الوسم الذى يريده
بدأ فى رسم دوائر بداخلها مثلثات صغيرة تخرج منها أسهم عشوائية ثم رفع
عينيه قائلا بخفوت:
الجن الذى يسكن المخزن يراقبك ويخبرنى فأنا أستطيع التواصل معهم.
لن ينس أبدا الرعب الذى غطى ملامحها فى تلك اللحظة وهى تنظر حولها بذعر
وترفع قدمها عن الأرض وتحتضنها إلى صدرها وهى تسأله ببراءة:
كم عددهم؟!
لم تكن هناك إجابة حاضرة فى ذهنه فهو لم يكن يتوقع السؤال على الإطلاق
فوجد نفسه يرتجل قائلا:
أربعة ..الذى فى حجرتك يخبرنى أنك تبكين دائما وتزعجينه وآخر فى الحمام
حذرنى بأنه سيسكن جسدك للأبد لو بكيت هناك
وآخر يجلس على مقعدى ينتظرنى ويحمى المخزن حتى أعود وهو رئيسهم جميعا.
صمتت قليلا وقد جف الدم فى عروقها ومقلتاها تدوران فى محجريهما متسائلة بخوف:
والرابع؟
الرابع؟
لماذا لم يقل ثلاثة لا زلت لاتجيد العد يا (حسن) هرش خلفية رأسه بحيرة فى اللحظة
التى سمعها تقول بانتباه:
هل يراقب المخزن من الخارج؟
نعم ولم لا ؟أومأ برأسه موافقا ففاجأته ثانية وهى تتسائل بفضول هامسة:
هل تعرف أسمائهم؟
هه!
هرش فى رأسه مرة أخرى لم يكن دجالا ليتعرف إلى أحد أسماءهم من قبل
ادعى الانشغال بالرسومات العشوائية فوق الغبار حتى يتمكن من التفكير
ولكن الحيلة لم تعيه فقطب جبينه على الفور قائلا:
الذى فى غرفتك يدعى (فيشة ابن نميشة)
راقبها وهى تدور بعينيها فى المكان فنهض واقفا بعد أن رمى بالقشة جانبا
ثم زم شفتيه وهو يمنحها ظهره ويكتم ابتسامته بصعوبة قبل أن يسيطر على
نبرة صوته ليجعلها جادة محذرا:
أما الذى يسكن الحمام فهو (زلاطة ابن بلاطة)
شهقة صغيرة صدرت عنها فاستدار إليها ليجدها تدس رأسها بين ركبتيها وهى
تقول بنبرة مرتجفة: من فضلك اجعلهم يرحلون جميعا.
سيرحلون لو توقفت عن البكاء .
صمتت للحظات قبل أن تعده بخفوت قائلة:
أعدك سأتوقف.....
أرسل تنهيدة رائقة لا تتناسب أبدا مع صعوبة موقفهما
ولا يعرف كيف خرجت نبرة صوته حانية هكذا وهو يقول آمرا:
والآن عودى إلى غرفتك وانتظرى الطعام.
أطلقت سراح قدميها حتى هبطتا على الأرض مجددا ونهضت ببطء تمشى نحو حجرتها
وبمجرد أن أغلقت الباب من خلفها ترك العنان لابتساماته الواسعة أن تظهر
استقر على المقعد العريض وقام برمى رأسه إلى الوراء متنفسا الصعداء.
لقد عادت إليها الحياة وبدأت مخاوفها الطبيعية كفتاة تظهر على السطح مجددا
ضحك بصوت منخفض بينما عيناه مغمضتان وكلتا يديه مرتاحتان على المقعد
مجرد دقيقة من الهدوء تلاها عاصفة لم يكن ليحسب لها حساب
ارتفع رنين هاتفه معلنا عن رسالة من مساعده الأول منذ أول يوم عمل له فى ورشة
الميكانيكا بالسجن إنه فى الخارج بصحبة الطعام كما يفعل يوميا وفى نفس الموعد.
قام بفتح الأقفال الداخلية للباب الحديدى ثم قام بتحريكه للخارج قليلا ليمر إلى حيث
ينتظره (كريم) الذى كان القلق والاضطراب يحتلان ملامح وجهه
بينما يحمل أطباق الطعام بين يديه ينظر يمينة ويسرة برغم المساحة الواسعة الشاغرة
حول المخزن القديم
اقترب (حسن) منه بقلق وهو يقرأ ملامحه المرتبكة متسائلا:
ماذا بك ياكريم؟
ألقوا القبض على الخالة رجاء ياحسن!
لماذا؟
ابتلع (كريم) لعابه بصعوبة وهو يجيبه بنبرة متشنجة:
كل ما استطعت معرفته من أحد العساكر فى الداخل أنها متهمة فى قضية قتل.
دارت عيناه فى محجريهما بقلق بالغ مكتفا يديه فوق صدره مطرقا أرضا بتفكير
للحظات قبل أن يقول بهدوء كمن استسلم لموجة مغرقة قادمة نحوه بجنون لتبتلعه:
لا تقلق سأذهب إلى هناك فهم يريدوننى أنا.
كادت الأطباق تسقط من بين يديه وهو يهتف ملتاعا:
لا تذهب أرجوك.
وضع (حسن) كفه على كتف رفيقه وهو يناظره بامتنان
لازال (كريم) هزيلا ذا نبرة مرتعشة تطغى على صوته دائما حتى بعد خروجه من السجن
يبدو أنها خصلة وراثية لا دخل للسجن بها.
فى كل الأحوال سيتم القبض علي لمجرد خروجى من هنا ياكريم...
وأنا لن أظل حبيسا البقية الباقية من عمرى.. فمن الأفضل أن أذهب بنفسي ولا تقلق
لن يحدث شئ.
حرك (كريم) رأسه رافضا وهو يطالع الأرض من تحته ولكن (حسن) لم يكن لديه
الكثير من الوقت ليقوم بإقناعه لا يريد ل (رجاء) أن تبقى سجينة ولو لساعة واحدة
يكفى مصائب الحياة التى مكثت فوق رأسها ولم تغادرها
هو يعلم أنها ستخرج فى كل الأحوال فلا دليل يدينها
ولكنه يعلم أيضا أن هناك مايدعى تلفيق الأدلة
لذلك لابد من أن يتحرك سريعا جدا.
ولكن ..استدار برأسه للخلف نحو باب المخزن للحظات ثم عاد بوجهه إلى (كريم)
مجددا وهو يقول:
كريم...غفران فى عهدتك...قم بإعادتها إلى بيتها ..وكن معها متى كانت فى حاجة إليك.
لماذا؟
سأل (كريم) ببلاهة ظهرت عليه للحظات قبل أن ينفض رأسه وهو يتذكر أنه اسم الأسيرة
بالداخل فأومأ موافقا واضعا يده الفارغة على صدره كوعد منه بأن ينفذ أوامره وما الجديد؟
فهو طوع أمره منذ سنوات منذ أن قام بالدفاع عنه للمرة الأولى ضد بعض السجناء الذين كانوا
يلقبونه ب (المرمطون).
أخذه تحت ذراعه وعلمه صنعته وبات مساعدا له حتى سها (حسن) عنه لساعة واحدة
ساعة واحدة فقط استطاع (شاهين وسيد) استغلالها وقاما بسحبه إلى دورة المياه وانتزعا
منه عنوة ماتبقى من كرامته ورجولته
فالسجن له قوانينه وهو لم يكن يصلح حتى لدور الحاجب.
لن ينسي أبدا دموع القهر التى بذلتها عيناه وهو منزو بجوار المرحاض يضرب رأسه بالجدار
حتى بدأت تنزف فتركها طواعية وهو يفقد وعيه فى صمت تدريجيا لعله يموت وتنتهى معاناته
مع ضعفه الدائم الكريه ولكن لا زال فى العمر بقية
ولا زال (حسن) الذى تعهد له بأنه لن يخرج من السجن قبل أن تخرج جثتاهما العفنتان
ولقد بر بقسمه وزيادة.
*********************

إلي هنا ينتهي الفصل الثالث والأربعون من قصة ولو بعد حين للكاتبة دعاء عبدالرحمن، 
تابعونا على صفحتنا على الفيس بوك من هنا للمزيد من الروايات الأخري

جديد قسم : قصص مثيرة

إرسال تعليق