U3F1ZWV6ZTMzNTg0ODE3NzI1X0FjdGl2YXRpb24zODA0Njk2NDgxODg=
recent
آخر القصص

رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى - الفصل السادس عشر

أصدقائي الأعزاء متابعي موقع قصص 26 يسعدني أن أقدم لكم الفصل السادس عشر من رواية فى قلبى أنثى عبرية بقلم دكتورة خولة حمدى وهي رواية واقعية إجتماعية ممزوجة بالحب وأيضا  تتسم بالكثير من الأحداث والمواقف المتشابكة التي ستنال اعجابك بالتأكيد فتابع معنا.

رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى - الفصل السادس عشر

حمل تطبيق قصص وروايات عربية من جوجل بلاي
رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى
رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى

رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى - الفصل السادس عشر

وما إن خرجت سونيا ، حتى عانقت ندى ريما واحتضنتها، كأنها تحاول حمايتها مما ينتظرها.
وأخذت الفتاتان تبكيان في حرقة
كانت ريما تبكي من القهر والمذلة...
أما ندى، فإنها بكت قلة حيلتها، وعجزها عن الدفاع عن صديقتها أمام ظلم والدتها.
ولم تكن لتهدأ حتى تعوضها عن ما ألم بها من سوء .

استلقت ريما على ظهرها إلى جانب ندى وهي تتنهد في إعياء. كانت الساعة قد تجاوذت الواحدة بعد منتصف الليل حين أوت الفتاتان إلى الفراش.
عقدت حاجبيها في قلق وهي تحلق في سقف الحجرة المظلمة :
ستتأخرين عن جا معتك غدا
ابتسمت ندى وهي تقول مخففة:
لا تشغلي بالك... يمكنني ان أواصل النوم في قاعة المحاضرات، دروسي الصباحية مملة وعديمة الفائدة في الغالب!
لكنني مضطرة إلى الذهاب حتى لا أستمع إلى نفس الاسطوانة القديمة من أمي!
همست ريما في توتر:
لو أنها تتفطن إلى انك قد ساعدتني فإنها ستعاقبك بالتأكيد؛
همست ندى وهي تغطيها باللحاف:
لا تقلقي بشأني... ،لو لم أكن معك لما انتهيت مما طلبته حتى الصباح!
هيا يجب أن تنامي الآن، فيجب أن تخرجي إلى السوق قبل أن تستيقظ!
تنهدت ريما مجددا ولم تجب.
سكنت الحركة لدقائق ولم يعد يسمع غير تنفس ندى المنتظم وقد خارت قواها لكن ريما لم تستطع النوم رغم التعب والإجهاد.
بَل ظلت مختلجة العينين، وبعض الأحلام تراودها ، همست بصوت خافت:
ندى، هل تعلمين لماذا أود البقاء في لبنان؟
سألتها ندى بصوت داهمه النعاس:
-لماذا؟
اجابت ريما بلهجة حالمة:
لأنني أتمنى ان أموت شهيدة! وهنا في الجنوب، الأعداء قريبون... وكل يوم نسمع عن عمليات المقاومة. وعن الشهداء. أود أن أكون منهم!
انتبهت ندى على الفور، ورفعت رأسها وهتفت وقد تيقظت حواسها :
- ماذا ؟، تريدين الموت في الحرب؟ هل جننت؟
همست ريما موضحة:
إنها الشهادة يا عزيزتي... الشهادة!
وما هي الشهادة؟
قالت ريما ببساطة وا بتسامة بريئة على شفتيها:
أن أموت في سبيل الله... فيحبُنَيّ الله ويكرمني، فأدخل الجنة دون حساب أو عقاب!
سكتت ندى للحظات.
فلم تكن فكرة الحياة بعد الموت متجدرة في معتقدات اليهود، ولم يكن الحساب والعقاب من اهتماماتهم.
لذلك فإنها لم تستوعب رغبة ريما الغريبة. قالت في احتجاج:
لكنك ما زلت صغيرة!، لماذا تريدين الموت الآن؟
أريد أن أذهب إلى الله ، أريد الجنة!
اطرقت ندى ثم همست في حذر:
وهل كل المسلمين الذين يذهبون إلى الحرب يريدون الشهادة؟
هزت ريما رأسها مؤكدة وهي تقول:
نعم يريدون النصر أو الشهادة
اتسعت عينا ندى من الذهول وتسارعت دقات قلبها في رعب،
ورن في رأسها اسم واحد ، أحمد!

خرج جاكوب من المصنع بعد أن أرخى الليل سدوله على المدينة الحالمة.
انقضى يوم آخر من العمل المتعب.
لف وشاحا حول عنقه حين هب النسيم الندي ليداعب وجهه،
ثم سار بخطى وإيدة في الطرقات شبه الخالية، المؤدية إلى الحارة الكبيرة.
كانت حرارة الصيف الملتهبة قد تركت المجال لرطوبة الخريف المنعشة.
لكن الهواء البحري في تلك الآونة كان يحمل معه بوادر برودة لاذعة، تنذر بشتاء قاس.
تقل الحركة في المدينة في تلك الفترة من السنة، بعد انقضاء فصل الصيف المليء بالحيوية والحياة. لم تعد سوى المقاهي الشعبية تستقبل العاطلين وأصحاب الفراغ إلى وقت متأخر من الليل، بعد أن انسحب السياح والزوار الصيفيون.
تمهل وهو يعبر الأنهج الضيقة اللتي يردد صدى بلاطها وقع الخطوات الرصينة.
وأخيرا وصل إلى المنزل.
قبل أن يدلف إلى الردهة، توقف عند المدخل.
فتح صندوق البريد ودس يده في الفراغ المظلم ليسحب مجموعة الرسائل التي استقرت في قاعه.
سار في اتجاه الباب وهو يقلبها ويقرأ أسماء المرسلين.
تنهد وهو يلقي بالفواتير الواحدة تلو الأخرى على المنضدة القريبة، فجأة تسمر مكانه وأخذت أصابعه في الارتجاف.
مزق غلاف الرسالة اللتي شدت انتباهه بسرعة وفتحها دون تأخير. إنها الرسالة الثانية عشرة التي تصله منها منذ سفرها إلى لبنان. تكتب إليه كل أسبوع تقريبا، لتطمئنه عليها وذوفيه بأخبارها، رغم النه لم يحاول الاتصال بها أبدا.
لا يزال صوتها المرتبك يرن في اذنيه بعد أن ردت على مكالمته في منزل راشيل مصادفة.
لم يستطع أن يعاود الاتصال رغم اشتياقه إليها وإلى كلماتها الحنونة غير المرتبة.
أما الآن وقد أصبحت تقيم في منزل سونيا، فقد تضاعفت المسافات بينهما.
فض الرسالة والتهم سطورها القليلة في لهفة.
أصبحت تلك عادتها. ، قليلة الكلام ، متحفظة في عواطفها، مقتضبة في فضفضتها.
يذكر ظهور بوادر العزلة لديها ، لم تكن كذلك من قبل، على الأقل معه هو.
لكن منذ أخذت أفكارها المتطرفة تعشش في رأسها ، لم يعد له سلطنة عليها ولا مكانة لديها.
لكن لا، هذه رسائلها وكلماتها تقرر العكس.
ها هي أحبك بابا يعقوب)) التي تختم بها كل خطاباتها تداعب قلبه وتنفخ عنه الصدء الذي علاه منذ سفرها.
تلألأت العبرات في عينيه وهو يعيد قراءة الرسالة من جديد. يريد أن يحفظها عن ظهر قلب كما حفظ سابقاتها
عزيزي أنت هنا؟
اخفى الرسالة بسرعة في جيب سرواله، وتمالك نفسه حتى لا تتجاوز الدموع رموش عينيه.
التفت إليها مبتسما كالعادة، وهويضع قناعا جديدا على وجهه ليمثل السعادة والانشراح.
- العشاء ينتظرك... الأطفال أووا إلى النوم منذ قليل. صرت تتأخر كثيرا في العمل...
تبعها دون أن يعلق.
راشيل تقول إنها بخير. ، سونيا ستهتم بها بالتأكيد.
فهي ابنة عمه مهما كان، وأطفالها من أب مسلم.
لا شك انها ستعامل ريما معاملة حسنة، على الأقل وفاء لراشيل والصداقة التي بينهما.
يعلم أنه يمكنه الاعتماد عليها.
هل يمكنه ذلك حقا؟، لم يكن متأكدا ، لكنه يحاول إقناع نفسه بأن ما فعله هو الصواب.
ريما بخير... هكذا تقول رسائلها ، لو كانت تشكو من شيء لكانت أخبرتني.
إنها مدللته. لا يمكنها أن تخفي عنه قلقها وكدرها .
- اخبرت سارا وباسكال عن رحلة الأسبوع المقبل. كانا متحمسين جدا...
إنها فكرة جيدة حقا، ابتسم مجددا وهو يتناول لقيماته الأولى.
إنه سعيد هكذا عائلته سعيدة وحياته مستقرة ،ولن يسمح لشيء بأن يعكر الصفاء الذي جاهد كثيرا حتى يستعيده.
هز رأسه موافقا وهو يطالع ابتسامة تانيا المشرقة، وهي تجلس قبالته.
ليس هناك شيء أهم من العائلة. هذا مؤكد.
وَلِوَهلة، أحس بقطعة الورق المنكمشة في جيبه تلسعه بقسوة اقشعر لها جسمه.
لعلها كلمات ريما التي توتره في كل مرة: «لا زلت أدعو لك بالهداية في كل صلاة، وأنتظر اليوم الذي أجدك فيه مؤمنا حقا...
أحبك كثيرا بابا يعقوب
لكنها لم تكن سوى وهلة قصيرة خاطفة،عاد بعدها إلى واقعه وإلى سعادته الراهنة.

رفعت ريما الوعاء الذي ملأته ماأ بصعوبة وعبرت به الفناء بخطوات مترنحة.
ما إن وصلت إلى المدخل حتى أفلتته من يديها وهي تتنهد، فتناثرت قطرات الماء على البلاط.
أعادت تعديل وشاحها، ثم تناولت أدوات التنظيف وراحت تعمل بجد في تلميع الأرضية مثل سندريلا صغيرة».
مضت شهور ثلاثة منذ تسلمت مهمتها الرسمية من قبل سونيا،
ومنذ ذلك الحين، تغير نمط حياتها تماما
لم يعد بإمكانها أن تأوي إلى الفراش بعد صلاة الفجر، فطلبات سونيا تزداد تعقيدا وتضخما، ولم تعد ساعات الصباح كافية لتنفيذها
كانت تمسك الفرشاة بأصابعها النحيلة وتضغطها على الأرض بكل طاقتها ، لكن عقلها كان مشغولا بدعوة سماح للتسوق، التي تعد لها منذ أسبوع كامل
لم تكن قد أخذت إذن سونيا بعد، لكنه يوم الجمعة، ومن حقها ان تأخذ راحتها الاسبوعية لبضع ساعات في فترة ما بعد الظهر.
كما أن احمد قادم هذا الأسبوع، يجب أن تجد الوقت لإعداد شيء من أجله. كعكة أو ما شابهها.
سماح ستعاونها في تحضيرها بالتأكيد.
لكن لا أحد يمكنه توقع ما تخفيه سونيا في جرابها من مفاجآت، الأسبوع الماضي، طالبتها بأن تعد المرطبات للضيوفى القادمين يوم السبت، فحرمتها من فسحتها المشروعة.
لكن لا يمكنها أن تكرر ذلك في كل أسبوع!
انهت تلميع البلاط، ومسحت الأرضية جيدا ، ثم عادت إلى الفناء. عليها أن تغسل الملابس، ثم تحضر طعام الفطور، قبل أن تستيقظ سيدة المنزل.
ثم يجب أن تذهب إلى السوق لشراء المتطلبات اللازمة لطعام اليوم والغد.
تعلم جيدا ان الطبخ ممنوع عند اليهود يوم السبت...
عدت على أصابعها عدد الساعات التي تستغرقها هذه الأعمال، ثم ابتسمت في إشفاق.
إن اسرعت في حركتها وخطواتها، فيمكنها أن تنتهي في الوقت المناسب حتى لا تتأخر على سماح صباحا
التفتت منشرحة حين جاء لها الصوت الأحب إليها في هذا البيت.
كانت ندى قد استيقظت لالتو للذهاب إلى جامعتها. جلست إلى مائدة الطعام وهي تفرك عينيها من النعاس:
لم أنم جيدا البارحة... ، ربما من الأفضل أن أظل في المنزل اليوم!
وضعت ريما وعاء الحليب على النار وهي تقول معاتبة:
لا تقولي هذا... سأعد لك قهوة ساخنة تدفئك وتعطيك دفعة من الطاقة!
ابتسمت ندى وهي ترقب ريما الصغيرة في إعجاب مشوب بحزن خفي: أصبحت ربة بيت ممتازة في وقت قصير، أذكر حين أتيتي إلى هنا، لم تكوني تتقنين شيئا من أعمال المنزل، ناهيك عن الطبخ!
أما الآن...
قربت ريما منها كأس القهوة وعلبة السكر وهي تقول:
كنت كسولا وعديمة النفع، بابا يعقوب كان يدللني كثيرا ويمنعني من الأعمال المنزلية...
اضافت وهي تسكب الحليب الساخن لتذيب القهوة والسكر:
- فلنقل أنني مدينة لأمك بهذا!
كانت ترسم على وجهها ابتسامة مرحة، تخفي بها آلامها.
لم تحاول ندى أن تواسيها او تخفف عنها، فقد تركت هذا الدور منذ فترة بعد ما رأته من جلد ريما
لم تكن تتصور أن تلك الفتاة الصغيرة قادرة على تحمل كل تلك المشاق بابتسامة عذبة وقلب صابر.
كانت تحاول مساعدتها قدر الإمكان... في الخفاء. لكن دراستها ومشاغلها الأخرى من زيارات اجتماعية ولقاءات عائلية تفرضها عليها والدتها، كانت تمنعها من البقاء إلى جانبها كثيرا
وتبقى ساعاتهما المفضلة هي تلك التي يقضيانها في الفراش، عيونهما تحدق في سقف الغرفة المظلمة، وألسنتهما لا تكف عن الثرثرة...
يجب أن أذهب الآن...
هزت ريما رأسها متفهمة وهي تجمع الأواني وتضعها في الحوض لتغسلها. وقفت ندى وعانقتها من الخلف.
طبعت على وجنتها قبلة وقالت في شبه اعتذار: لدي حصة صباحية فقط اليوم... لن أتأخر...
ثم أضافت في سعادة لم تقوى على إخفائها::- أحمد سيزورنا اليوم مساة...
لم تكن ريما قد رأته منذ فترة، فقد انغمس هو الآخر في دراسته.
او في مشاغله السرية الأخرى.
لا يمكنها أن تخفي اشتياقها لرؤيته وإلى دروسه.
فقد كانت تلك الساعات القليلة التي يخصها بها، تورثها متعة لا تضاهى.
فتستعد لزيا را ته كأنها ايام عيد، مما يثير انزعاج ندى وضيقها، كأنها تنافسها في احتفائها به.
لكنها لم تفكر يوما في منافستها.
كانت تلحظ أن اهتمامه بها مختلف عن اهتمامه بندى.
يعاملها كأنها طفلته، أو أخته الصغيرة.
يحضر لها الحلويات مع الكتب. ولم يكن ذلك ليضايقها ، فيكفيها أن تحظى برعايته وعطفه... فذلك كل ما يلزمها لتقاوم قسوة الحياة.
ولم تكن أحلامها الصغيرة لتجنح أكثر من ذلك.
فهي تعلم في قرارة نفسها أن أحمد لندى، وندى لأحمد، أما هي فلا يمكن أن تكون أكثر من طفلتهما المدللة اللتي لا تربطهما بها أدنى قرابة، كلاهما شخص مهم بالنسبة إليها، وهي في غربتها تلك لن تتحمل فقدان احدهما بسبب بعض السخافات التي لا معنى لها ولا قيمة.
ابتسمت في سرور وقالت وهي تتجه نحو الثلاجة:
ستكون امسية رائعة إذن
ثم أضافت وهي تُخْرِج علبة مغلفة بورق حفظ الأطعمة:
لقد أعددت لكي وجبة سريعة... لتتناولينها بعد ساعتين. عانقتها ندى مجددا وهي تقول في مرح:
شكرا لك ماما الصغيرة... أصبحت تفهمين عاداتي اكثر من ايكان!
رافقتها إلى باب الحديقة. وما إن غابت ندى عن ناظريها حتى رفعت عينيها إلى السماء.
كان لونها آخذا في التغير، ليغلب عليه الرمادي.
هل ستمطر اليوم؟، ندى لم تأخذ مطريتها
تنهدت وهي تعود إلى الداخل.
الغسيل الذي نشرته منذ قليل لن يجف إن أمطرتإ سيكون عليها أن تستعمل مجفف الشعر فيما بعد، وإلا فإن سونيا ستعنفها إن لم تجد القطع التي تحتاجها جاهزة!
كانت قد أنهت تحضير الفطور لبقية أفراد العائلة حين دخل جورج المطبخ. قال في مرح وهو يستنشق رائحة الخبز المحمص الساخن:
-ممم رائحة شهية... عجلي به فإن عصافير بطني تزقزق!
ابتسمت ريما وهي تضع قطع الخبز مع الجبن على المائدة.
كان جورج اكثر أفراد العائلة طيبة بعد ندى. لم يكن يعاملها معاملة خاصة، لكنه على الأقل يبتسم في وجهها، ولا يجرح مشاعرها. ولم تكن لتطلب أكثر من ذلك.
في أحيان كثيرة كان (بابا جورج» كما تناديه ندى، يذكرها ببابا يعقوب».. فهو رَبَّى ندى ودانا على أنهما ابنتاه، ووهبهما كل حبه وعطفه، تماما كما رباها جيكوب
رغم اختلاف الديانات والعقائد، لكنه على الأقل، لم يلقي بهما بعيدا كما فعل جاكوب!
كانت تحس بمرارة في حلقها كل ما فكرت في ذلك، وتقاوم إحساس الغبطة تجاه ندى. ورغم اختفاء جاكوب من حياتها منذ شهور، إلا أنها ظلت تكتب إليه وتطمئنه على حالها، دون ان تأمل ردا.
هل كان ليهب لنجدتها إن أخبرته بما تعيشه من ذل وهوان؟ هل كان على الأقل ليخرج عن صمته ويواسيها؟
لكن لا، لا تريد أن تسبب له المزيد من المتاعب، بلكاد استعاد استقراره مع عائلته، فلا يمكنها أن تعكر عليه ذلك.
نظرت من النافذة حين تناهى إلى مسامعها دوي يشق السماء.
اقتربت في قلق لتتأمل السحب القاتمة التي تلبدت واخفت أشعة الشمس.
إنه الرعد. يبدو أنها ستمطر حقا. لمع البرق فجأة ليمزق رداء السماء ويفتتها إلى قطع هامشية الشكل، للحظات معدودة، قبل أن تستعيد امتدادها وتلملم فتاتها كأن شيئا لم يكن.
سنحت بنظراتها عبر النافذة للحظات وابتسمت. ربما كانت حياتها مثل السماء في ليلة عاصفة. مهما شقتها ضربات البرق ودوت في ثناياها زمجرة الرعد، فإنها تستعيد توازنها وتجمع شتاتها من جديد. وإنها لتفخر بقوتها تلك رغم سنها الصغيرة.
ماذا تفعلين عندك؟، أدخلي الملابس قبل أن تبتل!، التفتت في ذعر وهتفت على الفور
: حاضر
لم تكون سونيا في مزاج حسن ذلك اليوم.
بل لعل مزاجها يروق أياما قليلة في السنة!، حين خرجت إلى الفناء، كانت قطرات المطرقد بدأت في الهطول على شكل خيوط رقيقة تصل السماء بالأرض.
جمعت الملابس بسرعة ودخلت إلى الغرفة وهي تلهث.
هل تؤجل الذهاب إلى السوق؟، لكن قبل أن تذهب أفكارها بعيدا ، جاءها صوت سونيا الصاخط:
- أتمي ترتيب المنزل ثم اذهبي لشراء الخضروات بسرعة قبل ان ينصرف الباعة!
لم تملك ان تعترض او تحتج.
حين خرجت وهي تحمل المطرية والسلة
كانت الأمطار قد اشتدت. ركضت عبر بِرَك المياه المتفرقة اللتي تكونت بسرعة في الشوارع وهي تحاول اتقاء الرياح الباردة اللتي تكاد تحطم مطريتها.
سمعت الدوي مجددا ، رفعت عينيها إلى السماء هل هو الرعد؟ لم ترى البرق هذه المرة، بل رأت قطعا سوداء متتابعة تشق الفضاء: طائرات حربية!
اختلج قلبها الصغير في صدرها ، لم تكن قد رأت شيئا من هذا من قبل.
حثت الخطى في جزع باتجاه السوق الشعبية.
يجب ان تقضي حاجتها وتعود بسرعة... كانت خائفة.

لقد تبللت ، استقبلها ميشال بمنشفة كبيرة عند الباب.
وضعها على كتفيها وساقها إلى الداخل في قلق.
-ما الذي جاء بك في مثل هذا الطقس؟
رمت ندى حقيبتها، وأخذت تنشف وجهها وشعرها وهي تقول:
كنت عائدة من الجامعة، لكن الطقس ساء كثيرا وبما أن منزلك هو الأقرب، اردت أن أحتمي عندكم قليلا...
ملابسي ابتلت تماما...
وقفت ماري مبتسمة وقالت في حنان:
تعالي معي، سأعطيك بعض ثيابي... وإلا فستمرضين!
تبعتها إلى الداخل دون أن تعلق.
حين عادت وهي ترتدي ملابس جافة، كان ميشال يجلس أمام التلفاز في تركيز وانتباه. جلست إلى جواره وأنصطت بدورها إلى ملحق الأخبار العاجلة، وما لبث القلق أن سرى في نفسها.
كانت الأنباء تنقل صور طائرات إسرائيلية اجتاحت سماء لبنان، وقامت بمناورات عسكرية في الجنوبي.
لم تكن جيوش الاحتلال قد أقدمت على عمل مماثل منذ فترة.
فمنذ أكثر من سنة، لم تكن هناك غارات إسرائيلية جديدة.
لم يحصل إطلاق للنيران، لكن الطائرات تحلق على مسافات منخفضة لترويع مواطني المدن الجنوبية، وإدخال الرعب في قلوبهم.
التفت ميشال إلى ندى وهو يقول -: ليس هناك ما يدعو للقلق.
مجرد مناورات استعراضية!
هزت ندى رأسها موافقة.
كانت المدينة تحظى بنوع من السلام منذ فترة، ،منذ مجزرة قانا الشهيرة.
كانت تتمنى من كل قلبها أن يستمر الهدوء إلى ما لا نهاية.
كانت تكره احتلال إسرائيل للأراضي اللبنانية، لكنها كانت تكره خروج المقاومين لمحاربتهم.
كانت لديها رؤيتها الخاصة عن حل النزاعات بصفة سلمية. وقد تعمقت فكرتها بعد أن عرفت أحمد.
تخاف ان يخرج يوما بلا عودة
انقبض قلبها فجأة. أين تراه يكون اليوم؟، لقد وعد بالمجيء لزيارتها.
هل تراه يتورط في مغامرة جديدة ويلغي الزيارة؟، لا شك أن المقاومة ستفعل شيئا بعد هذا الاستفزاز الإسرائيلي واقتحامه الجريء لسماء البلاد,
وقفت مستأذنة وهي تقول:
يجب أن أعود إلى البيت... أمي وأبي سيقلقان إن تأخرت أكثر.
يمكننا ان نتصل بالمنزل لإخبارهما أنك هنا... ما زالت تمطر في الخارج. جمعت ندى ملابسها وهي تقول في إلحاح:
لا بألس سأستعير المطرية، لكن يجب أن أغادر...
أحمد سيزورنا اليوم.
ابتسم ميشال وهو يقول: فهمت الآن... سأوصلك إلى البيت إذن.
حين دخلت إلى غرفة الجلوس في منزلها ، كانت سونيا وجورج يتابعان نشرة الأخبار بنفس القلق والحيرة.
كانت الصور تنقل مشهدا مفجعا.
هتفت ندى في جزع وهي تشير إلى الشاشة:
ما الذي يحصل هناك؟
التفت إليها جورج بوجه مكفهر وهو يقول:
قذيفة إسرائيلية سقطت على وجه الخطأ من إحدى الطائرات!
على وجه الخطأ؟ !، هل هناك ضحايا ؟
يبدو أنها وقعت في حي شعبي ،وكان هناك بعض الأشخاص في الشارع,.
تلفتت حولها فجأة وهي تهتف:
-أين ريما؟
وقفت سونيا في برود لتغلق التلفاز وهي تقول:
خرجت منذ ساعتين إلى السوق ولم تعد بعد!، يا لها من فتاة كسولة...
دا ئما متأخرة!
اتسعت عينا ندى في ذهول، ثم اخذت مطريتها من جديد وخرجت من الغرفة دون ان تنطق بكلمة واحدة.
إلى أين؟
لم تجب نداء والدتها ، بل فتحت الباب وجرت إلى الخارج.
يجب أن تبحث عن صغيرتها...
أين أنت يا ريما؟

ركضت عبر الشوارع الملتوية وهي تشد بقوة على سلتها بعد أن تحطمت المطرية وأفلتت منها بقاياها.
لقد بدأ الشتاء بقوة هذه السنة.
لم تكن قد عرفت شتاء لبنان من قبل، ولا عرفت الثلوج البيضاء التي تغطي أسقف البنايات وجوانب الطرقات بأكوام متفرقة ناعمة الملمس.
ومع أن الأمطار في ذلك إليوم كانت شديدة القسوة، فإن ريما لم تفكر في العودة او التوقف.
كل ما كان يشغل بالها هو أن تنتهي من مهمتها وتعود إلى سونيا بالمشتروات المطلوبة، حتى تتقي غضبها وعنفها.
لكنها لم تدرك أن رحلتها عديمة النفع إلا حين وصلت إلى ساحة السوق.
كانت وطأة المطر قد خفت وسارت الرؤية أوضح، لكن عربات الخضر والغلال كانت قد اختفت.
تلفتت حولها في جزع، كانت السوق خالية تقريبا.
كان يجب أن تعلم أن الباعة لن يظلو مكانهم في ذلك الطقس الرديء.
لمحت رجلا يدفع عربة على مسافة غير بعيدة، كأنه آخر المغادرين.
جرت إليه وهتفت في لهفة: - يا عم... هل أجد لديك بعض الطماطم والبقدونس؟، التفت إليها في استغراب.
لم تكن لهجتها مألوفة بالنسبة إليه.
انتبهت إلى ذلك، فأعادت طلبها محاولة تقليد اللهجة اللبنانية.
هز الرجل رأسه هذه المرة ثم رفع الغطاء القماشي السميك عن عربته،
وناولها بعض قطع الطماطم.
ادخلت يدها في جيبها تبحث عن القطع النقدية.
شحب لونها وهي تقلب مرات ومرات دون ان تجد القطعة التي أخذتها من سونيا.
وقبل أن تتكلم أو تتحرك كان الرجل قد اخذ في الابتعاد.
يا عم... خذ الطماطم! ليس لدي نقود لأدفع!
لوح الرجل بكفه دون أن يلتفت وقال:
لا بأس... ، خذيها واحتمي من المطر، وإلا ستمرضين!
نظرت إلى ثوبها الذي ابتل بالكامل حتى التصق بجسدها النحيل، وتلمست وشاحها الذي انحدر على جبينها.
ثم رفعت رأسها وهتفت مخاطبة البائع الذي ابتعد عنها بعربته:
شكرا جزيلا لك!
جرت إلى المبنى القريب لتحتمي بالجدار من المطر.
جلست القرفصاء واهتمت بوضع حبات الطماطم في السلة بعناية.
كان المطر قد أخذ في التناقص. نظرت حولها في محاولة أخيرة. لم يكن هناك أحد في الساحة، وهي قد اضاعت القطعة النقدية.
لم يعد بإمكانها شراء بقية الحاجيات.
تجمعت العبرات في عينيها وهي تتخيل ما ينتظرها.
لكنها تمالكت نفسها، ووقفت مجددا، وسارت على طريق العودة، لم تكن متعجلة. مشت بخطوات بطيئة متمهلة.
كان البرد قد سرى في عظامها وأخذت اسنانها تصطك.
حذاؤها امتلء بالماء أيضا.
كانت تلقي نظرة بين الفينة والأخرى على حبات الطماطم في قاع السلة، تطمئن إلى أنها لا تزال هناك...
فجأة، دوى هدير قوي فوق رأسها ، وأظلمت السماء دفعة واحدة.
رفعت رأسها في ذعر لتكتشف السحابة الثقيلة التي أخذت تقترب من الأرض.
سحابة سوداء مثقلة.., لكنها لم تكن سحابة عادية. لم تكن مثقلة بالمطر.
شهقت حين وقع نظرها على الطائرة التي تحلق على الرتفاع منخفض.
تلفتت حولها في هلع.
كان هناك عدد قليل من المارة في الشارع. ، رأتهم يتفرقوا في اتجا هات مختلفة ، وتتعالى اصواتهم بهمهمة لم تميزها.
سمعت صرخة قوية غير بعيدة عنها.
-الله أكبر!
ثم رأت شابا يقذف الطائرة بحجر كبير.
في اللحظة التالية، دوى انفجار ضخم على قيد خطوات منها .
رأت اشلاء تتطاير وشظايا تتناثر.
أغمضت عينيها وهي تكتم صرختها بيدها ، وقعت منها السلة وتساقطت حبات الطماطم
على الأرض.
حين دوى الانفجار الثاني، اختلطت قطع الطماطم المطحونة بدماء الشهداء...

ركضت بكل قواها عبر الشوارع الزلقة.
كانت تجتاز الأزقة المتشعبة وهي لا تكاد ترى أمامها من أثر الرطوبة. تجر ثيابها المبللة وتلهث بشدة، والأمطار تزداد قوة وغزارة.
ارتفع مستوى الماء في الطرقات فأصبحت كالبرك المتفرقة، منذرة بفيضان للمجاري
تعثرت وانكفأت على وجهها. ، تأوهت من الألم حين ارتطمت ركبتها بالأرض.
استندت على يديها محاولة الوقوف، فغاصت كفاها في الوحل.
التسخ ثوبها المهلهل وتعفر وجهها.
لكنها لم تبال واستأنفت ركضها، تكفلت مياه السماء بغسل ما تعلق بها من ادران.
لم تكن تدري إلى أين تقصد وأي مسار تسلك. فكل الشورع وجهتها وكل الوجوه ضالتها. لكن البلدة كانت شبه خالية من البشر.
أو ربما هيئ لها ذلك من الوحشة التي تشعر بها.
كانت قد ضلت طريقها وانتهت إلى طرقات مجهولة.
إنها ترتعد أنفاسها تتردد بصعوبة محدثة ?صوتا كالحشرجة. نبضاتها تتسارع وصرختها محبوسة في حلقها.
تحاول أن ترفع صوتها وتنادي، لكن قواها الخائرة تعلن عجزها
- ريما !
ترددت الكلمة في عقلها وقلبها وبت شفتاها تتمتم بها.
لكن صوتها لم يتجاوز تلك الشفتين.
أو لعل صخب العاصفة من حولها كتم أنين حنجرتها وبعثر مقاطع كلمتها مع الرياح. أخذت الطلال القاتمة تتراقص امام عينيها وأحاط بها الضباب من كل ناحية.
أصبحت الرؤية شبه منعدمة.
ليست الرؤية فقط، فقد أخذت تفقد السيطرة على كل حواسها.
لم تعد تشعر إلا بالدوامة في رأسها، تمتص قواها وتلتهم ما تبقى من طاقتها.
وما لبثت أن تهاوت، إلى حيث لا تدري...

استيقظت في فزع وتسارعت دقات قلبها في انفعال, عقلها استيقظ، لكنها كانت لا تزال في الظلام.
بعد برهة، فتحت عينيها ببطء، وحامت نظراتها حولها في ريبة.
رأت البياض حولها من كل جانب.
سقف ابيض، ستائر بيضاء ولحاف ابيض.
استعادت جزءا من إحساسها بجسدها. عرفت أنها ممدة على سرير غير سريرها، في غرفة غير غرفتها.
هل هي بقية الكابوس؟، لم تستيقظ بعد بالكلية، كأنها معلقة بين عالمين...
عالم الأحلام وعالم اليقظة.
لا تزال تشعر بثقل في رأسها، تعجز عن رفعه أو تحريك أوصالها، ناهيك عن القيام من مرقدها.
أصغت حين وصل إلى مسامعها صوت خافت لم تستوعبه في بداية الأمر...
حاميم والكتاب المبيني}
حولت بصرها في اتجاه الصوئت، عن يمينها، فرأت شبحا أبيض، ذا ملامح ضبابية.
لم تكن الرؤية واضحة لديها , كل شيء غارق في البياض.
الأحجام تطفو في الفراغ، أشكال ذات حدود هلامية.
إنا أنذلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين ،فيها يفرق كل أمرٍ حكيم
لكنها في وسط كل ذاك الغموض ميزت الصوت. ، ميزت نبرته الدافئة العميقة.
{ أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين رحمة من ربك إنهو هو السميع العليم)
عادت لتسدل جفنيها في هدوؤ، وتجمع شتات تركيزها على الحاسة المتبقية في تلك اللحظة...
حاسة السمع.
وكأن محدثها أدرك مقصدها، فقد ارتفع الصوت وازداد وضوحا وقربا.
أصغت بكل جوارحها وتابعت النغمة السلسة التي داعبت ثنايا روحها.
رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ، لا إلاه إلا هو يحي ويميت ربكم ورب آبااكم الأولين
لكن لحظات الصفاء تلك لم تدم سوى دقائق معدودة، إذ سرعان ما غاصت من جديد في طيات كابوسها... واختفى الصوت الحاني الذي يربطها بالحياة.
*********************
إلي هنا ينتهي الفصل السادس عشر من رواية فى قلبى انثي عبرية بقلم خولة حمدى
تابع من هنا : جميع فصول رواية فى قلبى أنثى عبرية 
تابع من هنا: جميع فصول رواية حكاية بقلم إيمان الصياد
تابعوا صفحتنا على الفيس بوك للمزيد من روايات حب
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

يسعدنا تلقي اقتراحاتك أو تعليقك هنا

الاسمبريد إلكترونيرسالة