U3F1ZWV6ZTMzNTg0ODE3NzI1X0FjdGl2YXRpb24zODA0Njk2NDgxODg=
recent
آخر القصص

رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى - الفصل الثانى والعشرون

أصدقائي الأعزاء متابعي موقع قصص 26 يسعدني أن أقدم لكم الفصل الثانى والعشرون من رواية فى قلبى أنثى عبرية بقلم دكتورة خولة حمدى وهي رواية واقعية إجتماعية ممزوجة بالحب وأيضا  تتسم بالكثير من الأحداث والمواقف المتشابكة التي ستنال اعجابك بالتأكيد فتابع معنا.

رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى - الفصل الثانى والعشرون

حمل تطبيق قصص وروايات عربية من جوجل بلاي
رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى
رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى

رواية فى قلبى انثي عبرية - خولة حمدى - الفصل الثانى والعشرون

اخي في الله أحمد،
احببت أن أبدء رسالتي إليك بهذه العبارات، لعلك تفهم منها ما جد في حياتي، وما منعني من الكتابة إليك في الفترة الماضية.
أيام عصيبة مرت بي، فقد رقدت في الفراش لأسابيع طويلة، وأنا لا بلكاد أشعر بما يحصل حولي.
عدت إلى لبنان منذ أيام.
اشتد بي المرض، فما كان من المسؤولة عن السكن الطلابي إلا ان اتصلت بعائلتي ليتم ترحيلي إلى هنا,
أنابيلَّا اعتنت بي في الفترة الأولى من مرضي، وطلبت لي الأطباء.
لكنهم عجزوا عن تشخيص حالتي.
فما فيَّ نفسي روحي، وليس جسديً ملموسا.
هل تذكر حين مرضت منذ سنتين بعد رحيل ريما ؟، كنت تقرأ لي بعض الآيات القرآنية وأنا غارقة في غيبوبتي.
كانت سورة الدخان... كان لها وقع غريب في نفسي في تلك المرة.
ومع أنني قرأت القرآن مرات عديدة منذ تلك المرة، إلا أنني لم أستشعر نفس الأحاسيس مجددا.
كنت أقرء القرآن كما أطالع المقالات في الجرائد.
دون ان يحرك في شيئا , لكنني في الفترة الأخيرة، أصبحت اكثر حساسية لمعانيه.
تأثرت بكثير من الآيات التي تذكرني بنقشاتنا الماضية...
ليس لأنها تعيد لدي الذكريات، بل لاستيعابي المتأخر لكثير من الأمور التي سلف وشرحتها لي.
أعتذر لكوني تلميذة ثقيلة الفهم...
فقد تطلب منِّي الأمر زمنا طويلا حتى أصل إلى ما قصدته بكلامك.
في المرة الأخيرة، حين شرعت في تلاوة سورة الدخان، اصابُنَيّ صداع شديد ودوار غريب، كأنني أرى صورا من غيبوبتي السابقة.
وما إن انتهيت منها حتى وجدتني طريحة الفراش كأنني مصابة من جديد.
الأكيد أن قناعتي تضخمت من سورة إلى أخرى، ولكن هذه السورة كانت هي الفصل.
ما الذي جاء فيها؟ لا الدري كيف أشرحه، ئكنني أحسست أنها تخاطبني، وأن ما ترويه له صدى في نفسي.
كيف سأفسر ذلك؟، تتحدث عن الرحمة والمغفرة، وعن العقاب والثواب وعن سيدنا موسى وعن سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وما قيل فيه.
أحسست بالجهل.
فيم أُكَابِر؟، هل أعرف شيئا عن الإسلام ونبي الإسلام عدا ما أراه من حولي؟
هل استعملت عقلي كي أميز وأختار؟
أم أني نشأت على اليهودية فظللت كما أنا لا أكثر ولا أقل؟
ما الذي أفعله غير أني اقول إنه معلم مجنون؟، وجدت بكل بساطة أنني طاغية وانني مستكبرة وانني من القاسية قلوبهم وأنني وأنني...
في لحظة مر بخاطري معنى الإسلام، المعنى اللغوي.
والله كم كان ما اكتشفته رائعا رغم بساطته، كمن ينفض غبار سنين طويلة من التعليم الديني القاسي.
تحررت فعلا في لحظة لا أدري كيف اصفها .
تحررت روحي لكن جسدي لم يتحرر.
مرت الأسابيع طويلة، ولا احد من حولي يدري بما يحصل معي.
لم اتحدث إلى احد بأفكاري الجديدة. لم أقوى على ذلك.
فقد تطلب منِّي الأمر دهرا حتى استيقن مما انا فيه الآن.
وها أنا اكتب إليك قبل أي كان بعد أن تحسنت صحتي، وصرت قادرة على إمساك القلم.
كنت قد عاهدت نفسي بأن تكون أول من يصله الخبر، وأول من يشاركني نشهي بحياتي الجديدة.
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد ان محمدا عبده ورسوله.
ها أنا ذا انطق بالشهادتين للمرة الأولى، وأنت الشاهد الوحيد على إسلامي
نعم يا أحمد. لعلك فهمت ذلك منذ الكلمات الأولى من رسالتي، لكنني أعلم أن الخبر صعب التصديق إلى درجة يجب معها التصريح والتوضيح لا مجرد التلميح!
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد ان محمدا عبده ورسوله.
الآن عرفت الحق وصدقت به. وأنا مدينة لك بكل ذلك.
الآن فقط فهمت لماذا طلبت منِّي أن أقرأ القرآن كل يوم
كنت تعلم أنه السلاح الأقوى في وجه مغرورة مثلي. كنت تعلم انه لا سييل إلى بشر أن يقاوم سحر القرآن وتأثيره...
كنت تعلم النني لن أحتاج إلى معلم آخر مع القرآن.
كنت تعلم كل ذلك.., ولذلك راقبتني من بعيد وانتظرت معي اليوم السعيد...
وضعت القلم جانبا في إعياء وسقطت ذراعها إلى جانبها على السرير.
هي لم تسترجع لياقتها البدنية بعد.
سمعت خطوات تقترب من غرفتها ، فجاهدت لتخفي الورقة التي كتبت عليها الرسالة تحت وسادتها ، ثم تستوي جالسة كعادتها.
دخلت سونيا وهي تحاول الابتسام في شفقة.
يؤلمها أن ترى صغيرتها تنهض من مرضها لتنهار مرة أخرى.
قالت في تحبب:
أنت افضل حالا اليوم، ممتاز.
هزت رأسها موافقة دون أن تتكلم، فتابعت سونيا بنفس اللهجة الحانية:
-لديك زائرة اليوم.
تفضلي يا سماح...
حين سمعت ندى اسم سماح استبشرت أساريرها، وعلقت عيناها بالباب في لهفة.
مر زمن على لقائهما الأخير.
يا الله! كم اشتاقت إليها,.. كما اشتاقت إلى اخيها, اقتربت سماح لتعانقها في حب، ثم جلست على طرف سريرها وعيناها لا تفارقان وجهها.
ما إن وصلها خبر عودتها حتى سارعت بزيارتها
لكنها لم تتصور أن تجدها على تلك الحال المتدهورة!
كيف هي دراستك في فرنسا ؟
هزت ندى رأسها في صمت، ثم تطلعت إلى الباب المجعد بعد انصراف سونيا:
لم تعد الدراسة تهمني يا سماح,
نظرت إليها سماح في قلق، وهي تنتظر توضيحا، فانحنت ندى باتجاهها وقالت هامسة:
هناك أشياء إن وجدتها تهنى الدنيا وما فيها!
ثم واصلت وهي تضغط بكفها على ذراع سماح في حماس:
باركي لي يا سماح,,, باركي لي، أشهد ان لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
كانت تنطق بالشهادتين للمرة الأولى بصوت مرتفع، بعد أن خطتها على الورق، وذلها عقلها في صمت.
نظرت إليها سماح في ارتباك وقد عقدت الدهشة لسانها:
-ماذا. كيف؟
لم تملك إلا ان تتمتم بتلك الكلمات المتعثرة.
لكنها سرعان ما استوعبت الخبر، فاحتضنتها مجددا ، وعيناها تفيضان بالدمع، وشفتاها تهمسان في تأثر:
إنه ليوم مبارك، إنه ليوم مبارك!
ثم اختنق صوتها وهي تتمتم: -آه لو أن أحمد هنا ... كان سيكون أسعد الناس!
ابتسمت ندى في وهن، وهي تربت ظهرها ببطء, احمد هنا يا سماح.
معي في كل مكان، وقد أعلمته قبل الجميع.
كان الشاهد الأول على إسلامي...

وقفت ندى أمام المرآة تسوي غطاء رأسها، وتنهي استعدادها للخروج.
لم تغير شيئا كثيرا في هندامها، بل لعلها حرصت على ألا يبدو ادنى تغيير في تصرفاتها ونمط حياتها
كان عليها أن تخفي عقيدتها الجديدة ما أمكنها ذلك، وخاصة عن اقرب الناس إليها
لن يكون الأمر سهلا على سونيا التي حاولت بشتى السبل إبعادها عن أحمد كيف ستكون ردة فعلها إن وجدت ان مخاوفها كانت في محلها؟
تنهدت وهي تتناول حقيبة يدها، وتخطو باتجاه باب الغرفة.
كانت قد تماثلت للشفاء منذ أسبوع، وصار بإمكانها اليوم الخروج للتمشية.
غيابها الطويل عن مقاعد الدراسة كلفها فقدان منحتها بعد أن تعذر عليها اجتياز اختبارات منتصف السنة.
أنابيلَّا أرسلت إليها بقية حاجياتها التي بقيت في غرفتها الباريسية مع رسالة وداع مؤثرة.
صحيح أنها عرفتها لشهور قليلة، لكن كلا منهما ملأت مساحة في حياة الأخرى، وخففت عنها وحدتها.
لن تعود مرة أخرى إلى فرنسا ولا إلى جامعة السيربون
تلك الفترة تبدو الآن في ذاكرتها كحلم غريب.
ذهبت إلى هناك فرارا من ذكرياتها مع احمد، فعادت وقد تقاربت المسافة بينهما بشكل لا يصدق!، ربما لم تقترب من أحمد نفسه الذي لا تدري ما كان مصيره.
لكنها بالتأكيد اقتربت من عالمه، حتى كاد العالمان يتحدان?”
اعترض طريقها طفلا ميشال، كريستينا وجابريال، يركضان في الممر في هرج كعادتهما .
احتضنتهما ضاحكة، وقفزت تماري لعبهما البريء ثم تجاوزتهما إلى غرفة الجلوس.
هل سيتكرر هذا المشهد مجددا بعد اليوم؟، تساءلت في الم
كانت والدتهما ماري جلست برفقة دانا ، التي تكورت بطنها امامها بشكل بارز، تتجاذبان أطراف الحديث.
اتخذت مجلسا إلى جوارهما ومدت كفها لتداعب بطن دانا، التي لم تعد تفصلها عن ولادة طفلها الأول سوى بضعة أسابيع.
متى يشرفنا جورج الصغير بقدومه!
تأوهت دانا بدلال وهي تشد قامتها متظاهرة بالألم:
لا يمكنك تصور كم الحمل متعب يا عزيزتي، لن يأتي جورج الصغير إلا بعد الن يقضي على وا لدته المسكينة!
قاطعتها ماري مهونة:
- لا تقولي هذا يا دانا...
سيكون كل شيء على ما يرام.., بعض التعب شيء طبيعي...
همت دانا بالرد عليها، لكنها عدلت وهي ترى ندى قد وقفت مستعدة للخروج.
بادرتها بسرعة:
إلى أين؟
التفتت ندى في ارتباك:
هه؟
سأكون في الجوار... جولة قصيرة في المدينة لا غير.
سأعود قريبا، لا تقلقي...
تبادلت دانا وماري نظرات متسائلة، لكن إحداهن لم تجرؤ على التعليق.
الطبيب النفسي قال إنها تعرضت لصدمة حادة، من الضروري مراعاتها وعدم الضغط عليها، اكتفت دانا بهمهمة ممتعضة:
حسن... لا تتأخري...
حثت ندى الخطى إلى الخارج لا تنوي على شيء
تعلم تماما إلى أين وجهتها.
أمامها مهمة عليها قضاؤها.
فكرت في الأمر مليا في الأيام الماضية التي قضتها حبيسة الفراش.
لا يمكنها ان تكتم إسلامها إلى الابد.
حين تمكنت من مغادرة فراشها شرعت في الصلاة سِرَّا في غرفتها , تتحين الفرصة التي تضمن انشغال سونيا فيها حتى لا تفاجئها في عبادتها.
لا تعرف إلى أي قبلة تتجه في صلاتها ولا تعرف أي الأوقات انسب لها ، لكنها كانت في حاجة إلى تلك الصلة الروحية بخالقها.
تتوضأ وتجلس على ركبتيها على الأرض، وتدعو بكل ما يخطر ببالها.
تعلم أن المسلمين يتلون القرآن في صلاتهم، لذلك أخذت تقرأ ما يتيسر لها قراءته من المصحف وهي جالسة، ثم تسجد وتدعو...
لكن عليها أن تتعلم الصلاة بكل أركانها.
تريد ان تطبق الإسلام بحذافيره ، وتمارس دينها كما ينبغي...
نعم دينها. لقد أصبح دينها الآن.
إلى متى يمكنها إخفاء ذلك؟، فكرت في الطريقة الأنسب والأسلم, فلم تجد غير هذه
كانت قد اقتربت من مقصدها.
توقفت قبل المنعرج الأخير، سحبت نفسا طويلا.
هل هي واثقة مما تفعله، لا خيار لديها.
ها قد وصلت. عبرت الأمتار القليلة التي تفصلها عن مدخل الكنيسة في ثبات.
جالت بنظراتها في المكان متفحصة. كان هناك عدد قليل من الزوار.
ممتاز. سارت مباشرة إلى الغرفة الخشبية المنقوشة على يمين القاعة.
لم يكن هناك أحد في الانتظار على المقاعد خارج الغرفة.
سمعت همهمة من الداخل هناك من يقوم بالاعترافات الآن.
جلست على المقعد الأول مطرقة.
نفس آخر لتسيطر على دقات قلبها المتسارعة, لبثت على تلك الحالة لبضع دقائق، وما لبث أن تناهى إلى سمعها صرير الباب الخشبي وهو يفتح. ها قد حان دورها...
دلفت إلى المقصورة الضيقة وأحكمت إغلاق الباب خلفها.
للحظات لم تعد تسمع سوى تردد انفاسها المضطربة في صدرها.
وأخيرا جاءها صوت مألوف من وراء الحاجز الخشبي :
تفضلي يا ابنتي...
لم تكن تدين يوما بالمسيحية، ولم تكن قد جربت الاعتراف الكنسي من قبل.
لكنها لم تجد وسيلة خيرا منه.
ليس هنالك ما هو أضمن من سرية الاعترافات الكنسية!
تنحنحت وهي تميل إلى الاتجاه الذي جاءها منه الصوت:
ميشال... هذه أنا... ندى!
حاولت أن تتخيل الدهشة التي كست ملامحه وهي تواصل بصوت أكثر وضوحا
جئت لأعترف...
ظنت أنها ستشعر بالارتياح بعد اعترافها، لكنها رغم ثقتها بأن ميشال سيكتم السر، كانت تتحسب تغييرا في تصرفاته تجاهها ,
كان دوما إلى جوارها كل ما احتاجت إليه، بل كان أقرب إليها من شقيقتها ووالدتها، رغم أنه لم يربطهما رابط الدم.
كان الوحيد الذي وثقت به، منذ سنوات، حين دخل احمد منزلهم للمرة الأولى يجر ساقه المصابة، فطلبت مساعدته دون تردد...
تعلم أنه يحفظ السر حتى إن لم تلزمه وظيفته الكنسية. منذ أسبوعين، لم تطأقدماها منزله.
حتى حين تجتمع العائلة يوم السبت كعادتها، لم تعد تجمعهما الأحاديث الجانبية الطويلة التي كانت تميز علاقتهما قديما
هل كانت تتحاشاه، ام هو الذي يتحاشاها ؟ لا يمكنها الجزم.
لكن من المؤكد أن شيئا ما قد انكسر بينهما.
لم يكونا يوما على ديانة واحدة.
كل منهما اتبع ديانة أهله، ولذلك لم تكن هنالك محاولت تأثير من طرف او من الآخر...
لكن أن تنصرف إلى ديانة ثالثة، فذلك ما لا يمكن قبوله!
مهما كانت ردة فعل ميشال كبيرة، فلا يمكن أن تضاهي ردة فعل والدتها المرتقبة، عاجلا أم آجلا سيصلها الخبر بطريقة أو بأخرى.
وربما من الأفضل ان تكون هي من يبلغها الأمر حتى لا تفاجأ بثورتها على حين غرة!
نعم... من الأفضل أن تستعد لذلك وتهيئ الفرصة المناسبة.
وهي على أية حال، لم يكن بإمكانها تأخير الأمر طويلا.
فقريبا يحل شهر رمضان.‘.
شهر الصيام.
وسيكشف أمرها حتما إن تأخرت عن مائدة الطعام كل يوم
قد يمكنها أن تختلق الأعذار مرة أو اثنتين، لكنها لن تستطيع التمويه لمدة شهر كامل.

كانت العائلة قد اجتمعت ظهر يوم السبت
دخلت دا نا تدفع بطنها الثقيلة اأمامها وتتحرك بصعوبة، وماري تجر جابريال وكريستينا وراءها.
تأخر ميشال على غير العادة, ظلت ندى ترقب الباب تنتظر دخوله.
لا يجب أن يتخلف احد اليوم.
يجب ان يكتمل الجمع حتى ئنهي ما عزمت عليه على أكمل وجه.
هلموا إلى المائدة...
تقدمت سونيا افراد عائلتها إلى السفرة بخيلائها المعهودة.
همست ندى لماري: -أين ميشال؟
- لا أدري لم تأخر كل هذا الوقت
قال إنه سيكون هنا عند الغداء...
يعلم أن موعد الغداء يوم السبت مقدس، ولا يمكن تأخيره تحت اي ظرف كان.
لذلك اختارت ندى هذا الموعد الذي يكون فيه جميع أفراد العائلة مجتمعين.
حانت منها التفاتة إلى جورج، فبادلها ابتسامة حنون.
على الأقل بابا جورج هنا .
تحصي الحلفاء المحتملين. تصفحت وجوه الآخرين. ماري ستكون محايدة حتما ، لا سلطة لها عليها بأية حال، وإسلامها لن يضرها بشيء.
دانا ، كيف ستكون ردة فعلها؟
في تلك اللحظة، دخل ميشال معتذرا ، وأخذ مكانه على مائدة الطعام...إلى جانبها.
تناولت وجبتها في صمت.
اخذت تفتت قطعة الحلوى إلى اجزاء صغيرة، وتقضمها في بطء شديد، هي التي تعودت الن تلتهمها في قضمتين.
اقتربت اللحظة الحاسمة.
هل أنهيت كعكدك؟
كانت قد أنهتها بالفعل، ولبثت تحرك الفتات بالملعقة، تطيل فترة الهدنة قدر الإمكان.
هزت رأسها موافقة، وتركت والدتها تجمع الصحون وتأخذها إلى المطبخ.
تنحنحت. لم ينتبه إليها أحد، فقد انشغلوا بالأحاديث وعلت الأصوات من كل جانب, تنحنحت بصوت أعلى.
هذه المرة، خفتت الأصوات والتفت إليها الجميع.
أجالت بصرها بينهم في حذر، ثم قالت بصوت قوي واثق:
هناك أمر مهم أود إخباركم به.
أطرق ميشال ولم يعلق، في حين تبادل الآخرون نظرات متسائلة.
استجمعت كل شجاعتها لتقول بهدوء:
هناك أمر مهم يخصني، ويجب أن تعلموا به جميعا...
أود أن تعلموأ أولا أنني اتخذت قراري عن اقتناع عميق، شخصي وكامل.
ولن اقبل بتدخل أحد لتغيير هذا القرار... لأنه قرار شخصي كما قلت.
إنما هو مجرد إعلام...
بدا القلق على الوجوه المتوترة.
سألها جورج: -ما هذا الأمر؟ أفصحي فقد أقلقتنا...
امعنت النظر إليهم واحدا واحدا قبل أن تقول بلهجة قاطعة:
: أنا مسلمة
انزلقت الصحون الفارغة من بين يدي سونيا التي وقفت مذهولة، وقد اتسعت عيناها عن آخرهما، لتتحول إلى شظايا صغيرة على الأرضية المبلطة، محدثة طرقعة عنيفة.
ما عدا ذلك، فقد خيم الصمت على الحاضرين لبضع ثوان، قبل ان تقول سونيا بلهجة يشوبها الشك:
-أعيدي ما قلتي
استدارت ندى لتواجهها بنظرات ثاقبة. استعدت جيدا لهذا الموقف:
لم أعد يهودية يا أمي... أصبحت مسلمة!
صفعتها سونيا على وجهها بشدة ثم انهالت على الكرسي وقد شلتها الصدمة:
ماذا تقويين؟ هذا غير معقول... غير معقول! ابنتي أنا... مسلمة! غير معقول...
وضعت ندى كفها على وجهها في ألم، وحبست انفاسها.
عليها ان تتحمل كل النتائج في جَلَد.
وقفت ماري بسرعة وأخرجت الطفلين دون ان تعلق.
أما ميشال الذي لم يكن الخبر جديدا عليه فقد لزم مكانه في صمت, بعد لحظات من التفكير، تكلم جورج برزانة وهو يزن كل كلمة من كلماته:
مسلمة... وما الضرر في ذلك؟ أنت ستظلين ابنتي على أية حال.
وأنا سأساندك طالما تدينين بديانة توحيدية...
لو كنت تحولت إلى الإلحاد أو الزبنية او تعدد الآلهة لما مكتك على ضلالك. فالله يغفر كل شيء ما عدا الشرك به يا ابنتي!
تجمعت العبرات في عيني ندى، ونظرت إليه وعلى شفتيها ابتسامة ممتنة. كانت واثقة من أنها ستجد فيه حليفها. بابا جورج، أنت رائع بكل معنى الكلمة
التفتت الآن إلى دانا التي لم تخرج بعد عن صمتها. فتمتمت بلا مبالاة وهي تشيح بوجهها:
أنت حرة!
ربما توقعت ذلك او انتظرته.
كانت دائما توجه أصابع الاتهام إلى أحمد وتشكك فيما يعلمها إياه. وكانت على حق.
ارتفع صوت سونيا في ثورة شديدة: -
ليست حرة! لست حرة يا ندى، أتسمعين؟ كيف تفعلين بي هذا ؟ ما الذي سأقوله لطائفتي؟، ما الذي سيقولوه عني؟ إنني لم أحسن تربية بناتي وتعليمهن؟
كيف يحصل هذا معي أنا ؟ أنا التي لم أدخر جهدا لتربيتك وحسن تعليمك...
ثم انهارت مجددا ، وقد استغرقت في نوبة بكاء مُر.
أجابتها ندى بلهجة حانية:
لا شيء من هذا له علاقة بقراري...
لقد كبرت يا أمي. وصرت قادرة على نقد ما تعلمته في صغري. استطيع اختيار مساري والتمييز بين الخطأ والصواب!
صرخت سونيا من جديد بصوت منكسر من البكاء:
إذن وجدت أنني على خطأ وذلك ال ... (تعني أحمد.
لم تجد ما تصفه) به على صواب، لا شك أن صدمة اختفائه افقدتك صوابك!
هو ذلك بالتأكيد!
هزت ندى رأسها معارضة:
صحيح أن أحمد علمنِّي الكثير. وأنا مدينة له بإسلامي.
وضعني على الطريق وأعطاني وسائل البحث اللازمة.
لكن لا علاقة لاختفائه بالأمر...
لقد درست الأمر طويلا، وتوصلت إلى قناعاتي الجديدة، بشكل عقلي بحت، لا دخل للعاطفة فيه!
عند تلك الكلمات، رمت سونيا نفسها على الأرض، وأخذت تلطم وجهها بطريقة هستيرية.
وقف جورج وميشال على الفور وأخذاها إلى غرفتها.
لم تستطع ندى المقاومة أكثر.
أجهشت بالبكاء ، وهي التي كانت تتظاهر بالقوة منذ لحظات.
تلك أمها... أقرب الناس إليها.
لن تعود علاقتهما مثل السابق أبدا. ، رباه... أتني قوة من عندك، فقد بدأت رحلة جديدة من المتاعب منذ اليوم.
وهي كانت تدرك ذلك تماما...

أخي في الله أحمد
لم أكن اعتقد أن الفترة التي تلي إشهار إسلامي ستكون بمثل هذه القسوة.
إحساس فظيع بالوحدة والاكتئاب.
ضغط شديد كل يوم اعصابي لم تعد تتحمل تضرعات أمي، ومحاولاتها المستميتة لتجعلني أعدل عن رأيي وأراجع قراري.
صرت ألازم غرفتي، لا أكاد أغادرها إلا لقضاء حاجة عاجلة، حتى اتجنب لقاءها.
أملأ اوقاتي بالدعاء وقراءة القرآن.
لا انكر أنني أضعف في بعض الأحيان... لكن الإيمان يغلب في قلبي فأستعيد ثباتي...
صحيح أنني توقعت ثورة من والدتي، لكنني لم أعتقد ان تكون بهذه الحدة.
اعتقدت أنها ستغضب ليومين أو ثلاثة، ربما تصرخ في وجهي وتعنفني...
لكنها ستنتهي بالتسليم. فوالدي يبقى مسلما شاءت ذلك أم أبت، كما أن عائلة امي فيها عدد من المسلمين!
لكن يبدو أنها تقبلت إسلام أشقائها لأنه لا تأثير لها عليهم، كما تقبلت دانا إسلامي.
أما ابنتها التي ربتها على طاعتها، فهي تجد صعوبة في تقبل خروجها عن المسار الذي رسمته لها منذ طفولتها...
البارحة بدأ صيام أول أيام رمضان.
أحاول أن أخفي صومي عن أمي حتى لا يجن جنونها.
فما فعلته إلى حد الآن ليس بالهين, لكن لا أدري إلى متى سيستمر ذلك. أخفيت محتويات صينية الفطور لأتناولها على الإفطار... ومحتويات صينية العشاء أخفيها للسحور... وهكذا...))
تعالت دقات خفيفة على باب غرفتها
أخفت دفترها وقلمها وأجابت:
تفضل...
فتح الباب في هدوء، ودخل جورج بخطوات وأيدة
جلس على الكرسي المواجه للمكتب واستدار ناحيتها,
إلى متى ستستمرين في مقاطعة مائدة الطعام ؟، لم يعد هناك غيرنا في هذا البيت... فهلا سامرت والديك العجوزين من حين إلى آخر؟
سكت للحظات يرقب تأثير كلماته عليها. ثم أضاف مطمئنا:
والدتك ستهدأ وتتعود مع الوقت...
فلا تكبري الموضوع اكثر. بادري انت بمصالحتها وتطييب خاطرها، وسترين أنها ستلين وتعود إلى سالف عهدها...
ترددت ندى للحظات، ثم قالت في حذر:
هناك أمر آخر يا أبي...
لست أتغيب عن مائدة الطعام لأنني اخاصم امي.. بل لأنني أصوم!!
تعلم أن رمضان شهر صيام المسلمين. ولذلك لا يمكنني أن ارتبط بمواعيد الغداء والعشاء الاعتيادية
رمقها جورج مطولا في صمت، ثم تنهد وهو يتمتم:
تزداد تعقيدا..
الأمور تزداد تعقيدا بالفعل.
منذ علمت والدتي بأنني أصوم رمضان وهي منقطعة تماما عن الطعام!، تقول إنها تفضل ان تموت جوعا على ان تراني هكذا.
لم تتناول شيئا طيلة نهار البارحة، وها هي تواصل صومها عقابا لي.
لن تتراجع حتى أتراجع عما أنا عليه، وآكل في النهار
بابا جورج يحاول إجبارها على الأكل لكن دون جدوى،
لكن بما انها تجهل كل شيء عن الإسلام، فهي على الأقل تشرب الماء معتقدة أنني اشرب كذلك، أشر علي يا احمد...
ما الذي علي فعله تجاهها؟))

لم أستطع الكتابة إليك منذ أيام، ولم استطع إرسال ما دونته في المرة الماضية.
الوضع في بيتنا يزداد سوؤا يوما بعد يوم.
أمي لا تيأس، محاولاتها تتكرر كل يوم مرات ومرات...
بالعنف حينا، وباللين حينا آخر، لكنها وضعت نصب عينيها هدفا واضحا :
ان تجعلني أرتد عن الإسلام!
أصرت على إضرابها الأكل منذ أيام ،على الأقل أمامي.
علمت أنها تأكل شيئا يسيرا في الخفاء... حتى تستمد القوة والقدرة على الصراخ والبكاء والتهديد
البارحة دخلت غرفتي وهي في حالة هيجان شديد.
مزقت الأوراق على مكتبي وأفرغت محتويات صواني على الأرض، هداها الله...
رغم كل ذلك، لم تطاوعني نفسي على الإفطار في رمضان وأنا اعلم بأنه من الأركان الخمسة الأساسية في الإسلام.
لكن الأمور هدأت هذا الصباح بحمد الله.
اليوم، جلسنى إلى مائدة الفطور، وتناولت معها القهوة والخبز المُحَمَّص المدهون بالزبدة!
*********************
إلي هنا ينتهي الفصل الثانى والعشرون من رواية فى قلبى انثي عبرية بقلم خولة حمدى
تابع من هنا : جميع فصول رواية فى قلبى أنثى عبرية 
تابع من هنا: جميع فصول رواية حكاية بقلم إيمان الصياد
تابعوا صفحتنا على الفيس بوك للمزيد من روايات حب
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

يسعدنا تلقي اقتراحاتك أو تعليقك هنا

الاسمبريد إلكترونيرسالة