-->
U3F1ZWV6ZTMzNTg0ODE3NzI1X0FjdGl2YXRpb24zODA0Njk2NDgxODg=
recent
آخر القصص

رواية أفيندار بقلم صفية الجيار - الفصل الحادى والثلاثون

مرحباً بكم أصدقائي وأحبابي عاشقي القراءة والقصص الرومانسية مع رواية اجتماعية واقعية ومثيرة جديدة للكاتبة صفية الجيار علي موقعنا قصص 26 وموعدنا اليوم مع الفصل الحادى والثلاثون من رواية أفيندار بقلم صفية الجيار

رواية أفيندار بقلم صفية الجيار - الفصل الحادى والثلاثون

اقرأ أيضا: روايات رومانسية

رواية أفيندار بقلم صفية الجيار

رواية أفيندار بقلم صفية الجيار - الفصل الحادى والثلاثون

 وجودنا من حولهم يطمئنهم، حديثنا المستمر عنهم ومعهم يخبرهم أننا نسير في مدارهم، تمسكنا بهم يجعلهم لا يلتفتون لأوجاعنا، لكن باللحظة التي يشعرون بها بالخطر وأننا راحلون، وسنطبق عليهم ما تعلمناه منهم، أي سنتخلى، سيدركون أننا لسنا خالدون بحكاياتهم إن انتهت حكاية ستبدأ الأخرى، سيحاولون التمسك بنا لكن هيهات من اتخذ قرار الرحيل، لن يوقفه الندم.

غادر كرم منزل عمه فور معرفته بحمل يسر، بل غادرت روحه جسده، هربت الدماء من عروقه، عندما تفوهت رهف بها الخبر التعيس بالنسبة له، كم تمنى أن يحمل بين يديه طفليهما، الشيء الوحيد الذي جعله يبقى بخارج البلاد على مدار سنوات هو تأكده أن قلبها معه، صُك باسمه، لن تسلمه لغيره، شعر أنها تُسرق من بين يديه عندما علم بزواجها من مراد فقرر العودة ليستردها، لم يجول بخاطره أنه فقدها عندما قدم لها مراد ما فشل به، وفي حربه مع مراد وسمية استمر في التخبط لعله يستردها لكن للقدر رأي آخر، قال القدر كلمته عندما طلبت من مراد أن يعانقها بينما يقضي كرم ليلته بالحبس، ظل بسيارته لبعض الوقت يبكيها، يبكي عشقه وابنة عمه بل بالحقيقة يبكي حاله، من أجل من فعل بنفسه هذا؟ سالت دموعه صرخ، فكر وهداه تفكيره لأول مرة للصواب لطريق النهاية، لكن قبل ذلك عليه أن يضع النقاط فوق الحروف، عليه أن يهدي يسر هدية لن تنساها، سيهدي رهف هدية لابد وأن تنساها، وبعد انتهاء ما قرر القيام به، أرسل لها رسالة على هاتفها يخبرها أنه يود لقائها وأنه سيكون الختام بعدها لن يكون هناك سرًا بحياتهم، سيزيل من على عاتق الجميع هذه الهموم، لم تهدر الفرصة رغم معرفتها بخطورة ما تُقدم عليه، يسر أحبته، أحبته لدرجة تستطيع تمييز عندما يكون كرم هو كرم ذاته، وعندما تتلبسه قسوة وحقد منار، لذا ذهبت دون تردد، دون أن تخبر أحد.

**

التفت بجسده مشدوهًا، حدق بها كأنه يراها لأول مرة منذ سنوات، كان مغيبًا، والآن أبصرها أبصر يسر ضحيته، ألقت عليه سهام العتاب، فبادلها بسهام العشق فلم تصيبها لقد تحصنت بعشق مراد، سالت دمعة منه فرافقتها أخرى منها، لأول مرة تشعر يسر أنه كرم نجيب الدالي كرمها هي وهذا الذي كان يلوح بالأفق بالفترة الماضية ليس إلا مسخًا سلطته عليهم منار، حزن الكون من أجلهما، فغابت الشمس وخفشت السماء، واصطدمت قطراتها بوجهيهما، مما آثار توترهما لوهلةٍ، صنعت الطبيعة لوحة رمادية أبطالها عشاق، قتلهما الحقد، وسالت دمائهما على قمم الجبل، ومراسم توديع عشقهما سيخلدها التاريخ، رفعت يسر وجهها ونظرت للسماء؛ فأجفلت ثم امتزجت دمعات السماء بدمعاتها، خفضت وجهها للأسفل، استجمعت جأشها، شعرت به يقترب فعاودت رفع وجهها تحذره، تطلعت به حاولت أن تبدو بموضع قوة، الجهة الأضعف بهذا اللقاء كان كرم، وما أصعب ما يعيشه هذا العاشق، عصفت كلمات رهف عن حملها بروحه، فبكى بكى حتى وإن لم تسمع نحيبه، صرخ حتى وإن فقد النطق صرخ بقلبه وروحه، نظر إليها، فكرة أن يكون بداخل أحشائها جنين لرجل غيره قتلته فرفضها، أشار بسبابته نحوها وقال بصوتٍ حزينٍ، بنبرةٍ متقطعةٍ، وكأن لسانه يرفض نطقها:

"هل تخليتِ عن ذكرى عشقنا؟"

كانت تتساءل عما أوصله إلى هذه الحالة، وفور سؤاله علمت أن رهف للمرة الثانية لم تسيطر على لسانها، أغمضت عينيها، هذا فوق قدرة تحملها، عندما تزوجت مراد كانت تخجل أن تنظر بعين كرم وهي زوجة لغيره، فكيف الحال إن كانت تحمل بأحشائها طفل ليس هو أبيه؟، لكن هذا الذي يقف أمامها ليس كرم زوجها السابق، بل رجل تحيط به علامات استفهام كثيرة، ومن الممكن أن تكونَ يده تلطخت بدماء شقيقتها لذا تشجعت وقالت وهي تطلع به بصلابةٍ:

"لم يكن عشقًا لأتخلى عن ذكراه، إن نسيت لأذكركَ"

قلص المسافة بينهما وقال لائمًا ومهاجمًا:

"بلا كان عشقًا صادقًا، حافظت عليه على مدار ثلاث سنوات، أما أنتِ سلمتِ جسدك لهذا اللعين مراد"

"إياكِ أن تتفوه بكلمة واحدة عنه، لن أسمح لكَ"

غضب منها، تملكت منه الغيرة فقال:

"حسنًا لن أتحدث عن صاحب الجلالة، لا تغضبي"

" تفعل خيرًا، هيا قُل ما طلبت مجيئي من أجله"

خفض من نبرة صوته يترجاها أن تصارحه، وقال:

"ليس قبل أن تخبريني، هل تعشقينه، هل تبادلينه الحب، تبتسمين له، يده القذرة تركت أثارها على جسدك، هل يهمس لكِ بكلمات الحب، هل تحملين طفله بأحشائكِ، هل جهزتما الغرفة من أجله، هل بنيتما أحلامكما معًا، هل تخليتِ عني يا يسر؟"

"كرم، لنتخطى الحديث عن مراد، أخبرتني أنكَ ستخبرني بالحقيقة إذًا أفعل، أنا متعبة جدًا"

استنشق الهواء لعله يُطفئ النيران المندلعة بصدره، ثم جلس على الأرض وحدق بالفراغ من أمامه وقال:

"حسنًا إن كنتِ صرتِ زوجته حقًا ليكن ما سأرويه عليكِ عقابًا لكِ"

جلوسه بهذه الهيئة، نبرة صوته، نظراته ودموعه، الحزن الذي يحتل كيانه دليل أن ما سيرويه قاتل لا محالة فقالت:

"لم أخطئ لأعاقب، لكن هيا أخرج ما بجعبتك، لننهي هذا اللقاء حالتكَ تزداد سوءً"

رفع رأسه قال بتهكمٍ:

"كل شيء سينتهي وليس لقاءنا فقط، والآن استعدي لتتعرى كل الوجوه الكاذبة، سنبدأ بأمي بالتأكيد هي الرأس المدبر لكن ليست المتسبب بكل هذا"

شرد قليلًا ثم هدر:

" لا،لا لن نبدأ بأمي سنبدأ بأمكِ أنتِ لأنها المتسبب بكل شيء من البداية، هي من أوصلت أمي لهذه الحالة، هي السبب فيما نعيشه الآن...."

قبل أن يتم جملته صرخت:

"إياك أن تحمل أمي وزر أخطاء منار"

حذرها بنظراته، أيقنت أن حالته لا تسمح بالجدال فصمتت وتابع:

"سأخبرك ما علمته بالصدفة أثناء جدال أبي وأمي ذات مرة، كان جدي أي والد أمي يعمل بشركة جدك أي والد والدينا رحمهما الله، كان لديه ثلاثة أبناء أمي وخالتي رهف وخالي حسين رحمة الله عليهما، مع مرور السنوات توطدت العلاقة بين المدير والموظف وأصبحا أصدقاء، فتعارفت العائلتان ونشأت قصص حب بالخفاء مكتوب عليها بالفشل قبل أن تبدأ، أحب حسين سمية ابنة عائلة الدالي العريقة فرفضته، ولم تكتفي بذلك أسمعته مر الكلام، من أنتَ لتبني أمالكَ معي، من أنتَ لتنظر لي، لم يتحمل رفضها وإهانتها، فعاد إلى المنزل روى لأخوته ما حدث، ففكرت أمي أن تهون عليه أحزانه ودعته للعشاء بالخارج، واصطحبا رهف ابنة الخمسة عشر عامًا معهما، وأثناء انفعاله وهو يتحدث عن ابنة الدالي قام بحادثٍ فقدت على إثره منار شقيقيها، مرت الأيام وهي تبغضها هي وكل شيء له علاقة باسم الدالي إلا فردً واحدًا، ابن عائلة الدالي "طاهر الدالي" أحبته وكبر حبه بقلبها يوم بعد يوم إلى أن فوجئت بيومٍ بخبرِ زواجه من ابنة عمه، سرقت سمية منها عشقها وإخوتها، فأقسمت أن تصبح فردًا من أفراد عائلة الدالي وستنتقم من سمية وتسرق منها كل عزيز، ومن هنا تحولت منار من شابة مفعمة بالحب إلى كتلة من الحقد والكره، وحدث ما عايشناه منذ نعومة أظافرنا.

هب واقفًا وهو يحدق بها وعينيه كشرارة لهب تبحث عن أي شيء لتلتهمه، وكانت يد يس ضحيته عندما قبض عليها وقال بحفيفٍ دب الخوف بأوصالها:

"يعني إن كانت أمي مخطأة سمية الدالي ليست قديسة"

نفضت ذراعها وابتعدت عنه، لأول مرة تشعر بالخوف منه منذ أن وصلت للمكان، قالت بنبرة أرادت أن تكون قوية حتى لا يشعر بخوفها:

"أي جنون هذا! وما ذنب أمي إنه حادث قضاء الله وقدره"

"إذا إن كان الموت قضاء وقدر لما تعاقبيني الآن؟"

قالت بصراخ بعد أن هطلت دموعها بغزارة، وكأنها تقول لمياه الأمطار تنحي أنتَ إغراق الأرض مهمتي:

"أنا لا أعاقبكَ، أنتَ تخليت عني وأنا أكملت حياتي من بعدكَ لست راهبة، أنتَ حقير سارق، لا تعرف شيء عن النخوة لذا لا يحق لكَ معاتبتي، إن كان هذا ما دعوتني لأجل أن تقوله سأرحل"

دارت بجسدها تنوي المغادرة، تابعها لثانية فقال ساخرًا:

"هاربة، تهربين متى شعرتِ بالخطر، تعرفين جيدًا أن الجزء القادم هو الأكثر قسوة في حديثنا فقررتِ الهرب، لن يروق لكِ ما ستعرفينه، فاخترتِ عدم المعرفة، أحيانًا المعرفة تقتل"

التفتت له حدقت به بغضبٍ وقد بدا عليها التعب،لاحظ وضعها ليدها على أسفل معدتها، حركتها هذه ضغط بالسكين على جرح قلبه أكثر، قال وهو يقترب منها:

"لست ضعيف لذا اخترت المعرفة رغم أنها تقتل، يسر هل أنتِ حامل بابن مراد عزام؟"

صرخت به:

"ما شأنك، إن قلت نعم هذا الأمر لا يعنيك وإن قلت لا ليس دليل على أنكَ مازلت بقلبي؟"

فاض الكيل وتماسك كرم تلاشى، إنه لا يتحكم بغضبه عندما يتعلق الأمر بيسر وفقدانه لها، فما الحال بعد كلامها اللاذع؟ انقض الأسد على فريسته، قبض على ذراعيها، صرخ بها، وعينيه تصرخ شوق وعتاب، وتكذيب لحقيقة كونها باتت ملك مراد قلبًا وجسدًا:

"لا يمكن لغيري لمسكِ، لا يمكن لكِ فعل هذا بي"

حاولت التملص من بين يديه فتابع:

"ماذا هل تخشي ايذائي لجنينكِ"

ارتجفت بين يديه، حالته مذرية ضعيف، تخطى حد الانهيار، فأيقنت أنها ستهلك بين يديه، دارت بعينيها تستنجد بأحد لكنها لم تجد، جبل المقطم خالِ إلا من سواهما، لا تعلم لما خطر على بالها مراد، فصرخت"مراد أين أنتَ"

جاء المدد، وسمعته يهتف:

"جئت يا صغيرتي جئت"

عادت روحها إلى جسدها، بينما صعق كرم عند رؤيته لمن حولهما.

منار، مراد،حمزة ورهف.

لم يتوقع أي من الحضور أن تكون حالة يسر هكذا عند وصولهما، فريسة بين يدي الصياد، حتى رهف التي كانت السبب في تلك الجمعة الأخيرة لم تتوقع ذلك، نعم رهف هي من جمعتهم حينما هاتفت حمزة وأخبرته أن كرم علم بحمل يسر، تزامن حضورهما إلى المنزل مع مغادرتها وقام بمراقبتها إلى أن وصلت إلى جبل المقطم فعلم أنها ستلتقي بكرم وظل يراقبها إلى أن حضر مراد الذي أخبره بالطريق بما حدث، أما منار فقد استدعتها رهف عندما علمت من يسر أنها بطريقها للقاء كرم للمرة الأخيرة حيث سيعترف لها بكل شيء ، رفضت أن تخبرها أين ستلتقي به، ولأن رهف تعلم جيدًا أن بعد يسر لا يستطيع أحد السيطرة على شقيقها سوى والدتهما فقامت بالاتصال بها وطلبت منها الحضور حتى تمنع كرم من ارتكاب الحماقات.

وهكذا تم اجتماع الكل بمصادفة لن تنتهي كما تمنت رهف.

لم يتحرك أحد ظلوا يتابعون الموقف بصدمة، بخلاف مراد الذي كان آخر الحاضرين، ركض نحو زوجته وصرخ وهو يلكمه على وجهه:

"قلت لكَ سابقًا ابتعد عن زوجتي"

تزامن سقوط كرم على الأرض مع جذب مراد ليس لتستقر بين ذراعيه، حاطت جسده بذراعيه، اختبأت بين يديه وقالت ببكاء:

"أين أنتَ؟"

قبل رأسها وقال وهو يحدق بكرم بصوتٍ خفيضٍ:

"لمَ جئتِ إلى هنا بمفردكِ؟"

قبل أن تجيبه، قال كرم وهو يصوب سلاحه نحوهما:

"جاءت تسمع الحقيقة"

تعالت الصرخات والهتافات المتوسلة له أن يخفض سلاحه، لكن لم يستطع أحد اقناعه فقالت رهف:

"كرم لا تفعلها، أنتَ لا تستحق أن تصبح قاتلًا يا أخي"

لكل نهاية سبب وسبب نهاية هذه المواجهة كانت جملة رهف، كما أن نهاية كرم سببها يسر، صرخ بها:

"يسر من ستحدد ذلك"

التفت إليها مرة أخرى وفوهة سلاحه مصوبة إليها:

"هذه أخر مرة سأطرح سؤالي، هل تحملين ابن هذا اللعين بأحشائكِ"

كل رجل بهذه الحياة يحلم باللحظة التي سيعلم بها بحمل زوجته بأول مولود لهما، وكل زوجة تخطط كيف ستخبر زوجها بحملها، ولأن علاقة يسر ومراد لم تكن طبيعية بيومٍ، معرفته بخبر حملها لم تكن عادية أيضًا، لم تجيب كرم لكنها أدارت جسدها ليصبح وجهها مقابل كرم وظهرها يلتصق بصدر مراد، همست له بصوتٍ لم يسمعه سواهما:

"مراد، أنا وطفلنا بأمانتكَ"

لم يكن متأكدَا من أمرِ حملها، رغم شكوكه في الأمر منذ أيام، وها هي تستنجد به وتطلب حمايته لصغيرها، ابتسم رغم صعوبة الموقف، أرادها وتمنى لنفسه طفل منها، لكنه يسمع الخبر السعيد في لحظة خطر يهدد حياته وحياتها، تطلع للسماء لبرهة يطلب المدد من رب العالمين، أحاط خصرها بيديه لتستقر راحة يده على خصرها، فعانقت يديه بيديها، كانت هذه إجابة يسر القاتلة على سؤال كرم، انهمرت الدموع بغزارة من عينيه، لا يوجد توضيح أكثر من أن تقف قبالته بين أحضان زوجها، بدت صورتهما وكأنهما يحميان صغيرهما من بطشه؛ فقال بصوتٍ يكاد يكون صداه دوى بالسماء وسمعه أهل الأرض:

"يسر، طالما اعترفتِ بخيانتكِ لي وقتلتني أفعالكِ، سأعترف بخيانتي وأقتلكِ بحقيقتي، حلال عليكِ ما سأقوله يا ابنة عمي"

دار بين الجميع إلى أن تلاقت نظراته بنظرات رهف، ابتسم لها، أغمض عينيه ود أن يعود به الزمن ولن يفعل ما فعل، تقدمت منه منار وقالت وهي تحاول جذب المسدس منه:

"كرم هل جننت ماذا تفعل!"

منار وإن كرهت كل من حولها لكن قصة عشقها لابنها متبادلة، وإن كانت نقطة ضعفه فهو بالتأكيد نقطة ضعف وقوة لها بنفس التوقيت، لذا استغل ضعفها تجاهه وألصق فوهة السلاح على عنقه وقال:

"لن أفعل شيء بل سأقول، لم تحين لحظة الأفعال بعد، والآن تراجعي، سأروي لكم قصة جميلة، إهداء مني إلى يسر على زفافها وحملها بابن هذا الحقير، ليكن عقابها مني، أما عن عقابي فهو أيضًا سيكون مني"

ساد الهرج والمرج للحظة فصرخ بهم:

"كلمة واحدة وأقتل يسر وأنا من بعدها، اخرسوا لننهي هذا الأمر ونرتاح"

أشار بسلاحه نحو يسر وقال:

"ذات يوم كنت ذاهب إليكِ كنا على موعد لنرى التحضيرات النهائية بحفل الزفاف بهذا اليوم المشؤوم، سمعت أمي تهمس باسم ياسمين لأحدهم، وتقول له هكذا بالنص فأنا لم أنسى ثانية واحدة ما حدث يومها، قالت، "انهي عملكَ كما أمرتكَ، يكفي أن يذهب شقيقها ويجدها بين أحضانك، إما يقتلها أو صورها ستغزو مواقع التواصل الاجتماعي" لم أصدق ما سمعته، واجهتها ضغطت عليها، أقسمت إن لم تخبرني بالعنوان الذي ستتواجد به ياسمين سأبلغ عنها، أقنعتها أنني سأذهب وأخذ ياسمين فقط، ركضت إلى ابنة عمي كي أنقذها من براثن الشيطان، لكن من سوء حظي وحظ الجميع وحسن حظ أمي كان هذا الحقير أنهى عمله وترك ياسمين بوصمة عارٍ لن تمحى مهما حدث، سترت جسدها بأول شيء سقطت عيني عليه، شعرت بالعجز كما لم أشعر من قبل، وبينما عقلي يفكر بحلٍ كنت أذرف الدمعات على ابنة عمي التي فقدت شرفها، لم أفكر بمصيرها فقط وإنما بحالكِ أنتِ عندما تعلمين أن أمي من فعلت هذا، كنت أفكر كيف سأخرجها من هذا المكان قبل قدوم ياسين، وأثناء غرقي بهذه المصيبة سمعت خطوات تقترب من الغرفة، الحقير لم يغلق الباب من بعده اختبأت بالمرحاض المرفق بالغرفة، كان ياسين القادم ذُهل مما رأى راح يبكي ويصرخ ظل لبعض الوقت يحاول افاقتها، وعندما فقد الأمل غادر يبحث عن من كان برفقتها بالخارج وبتلك الحظة فتحت ياسمين عينيها حدقت بي حاولت النهوض لكن كان مفعول المخدر ما زال ساريًا، منعتها، ترجيتها بهمس أن تصمت، خشيت أن يعود ياسين ويجدني بالغرفة حينها كان سيتخيل أنني من قمت بهذا الفعل الحقير، لكنها أبت أن تصمت، حاولت النهوض فأجبرتها أن تبقى بمكانها وكممت فمها بيدي، وفي كل مرة تحاول الحركة كنت أزيد من ضغط يدي، كنت أفكر كيف سأتخلص من هذه المعضلة، كيف سأخرج بها من هذا المكان اللعين دون أن يراني ياسين، أقسم لكِ لم أفكر سوى بحمايتها، وكيف سأمنع ياسين من قتلها، والحال أنني قتلتها، اختنقت كتمت يدي أنفاسها، لم ألحظ أنني أكمم أنفها وفمها معًا، فراحة يدي كانت تغطي معظم وجهها، وفور أن لاحظت عدم مقاومتها لي غادرت الشقة راكضًا يبدو أن ياسين كان يبحث بالغرف عن ذلك الحقير"

ارتفعت نبرة صوته لتتحول إلى الصراخ بينما نظراتهم مسلطة عليه في حالة ذهول تام، عاود سرد ملابسات الواقعة وقال:

"قتلتها بينما ذهبت إلى هناك لأحميها، لست قاتل، أنا لم اغتصب ابنة عمي أنا ذهبت لأحافظ على شرفها، أنا ذهبت حتى لا يصبح ياسين قاتلًا، أنا غادرت البلاد حتى أتخلص من مواجهتكِ بكل مرة تلاقت نظراتنا يا يسر رأيت جسد ياسمين الساكن بعينيكِ، بكل مرة اجتمعنا سمعت صراخ ياسين بالمحكمة، يسر بكيتِ بين أحضاني كما تفعلين الآن، لحظة دفن وردتنا وردة عائلة الدالي تحت التراب، كنت سأصرخ بكِ، سأخبركِ بما حدث لكن لم يطاوعني لساني، لنفس السبب الذي منع أمكِ من إخبارك، بينما خسرتِ إخوتكِ كيف سأخبرك أنني القاتل، وأمي من حرضت على اغتصاب ياسمين؟ ها قولي لي كيف كنت سأعترف لكِ"

كُتمت الأنفاس سحبت كلمات كرم الأوكسجين من الهواء، كل الأصوات اختفت إلا صوت نبضاتهم التي تصرخ ألم، تصرخ استنكار، تصرخ عتاب، كانت يسر ابتعدت عن مراد منذ بداية حديث كرم، وعندما أنهى حديثه، لم تتحرك قيد أنمله، أو تفه بحرف، حالها كحال رهف التي شلت حواسها وتيبس جسدها، شدد حمزة من قبضته على جسدها حتى لا تسقط، ضحكت يسر بهستريا، ضحكت ملء فمهما، ضحكت حتى بح صوتها وانهالت دمعاتها، تحول ضحكها إلى صراخ وقالت :

"كاذب، أنتَ لم تقتلها، ياسين فعل"

التفت إلى منار وقالت:

"أنتِ لا يمكنكِ فعل هذا، هل ما يقوله صحيح، هل جعلتيهم يغتصبون شقيقتي، هل انتحر أخي لأنه لم يجد من يصدقه، هل قتل كرم ياسمين عندما كان ذاهب لحمايتها؟"

ركضت صوبها، تهجمت عليها، أرادت قتلها وتخليص العالم من شرها لكن تكالب عليها كل من مراد وحمزة ومنعاها، ليس خوفًا على منار وإنما خوفًا عليها، وأثناء ذلك صرخ كرم:

"اتركيها يسر الجميع نال عقابه ودورها قادم"

"اخرس، لا أريد أن أسمع صوتكَ قاتل كاذب، أنا أكرهك يا كرم، سرقت مني كل شيء"

صُدم، توقع من حديثها مع والدته أنها تصدق أنه لم يقصد قتل ياسمين، قال وهو يعاود تصويب فوهة المسدس نحو جبينه:

"يسر لم أقتلها عن عمد، كنت أحاول الهرب من ياسين"

"ليتكَ لم تهرب ليتكَ اعترفت بما فعلته الحقيرة منار، كان أخي بيننا الآن، كنا داوينا جراح ياسمين، لكن أنتَ اخترت أمكَ وأنا خسرت أبي وإخوتي، أي الرجال أنتَ!"

ساد الصمت للحظات، كسر مراد حالة الصمت وقال:

"يسر حسنًا الشرطة بالطريق، اتركيه لينال عقابه"

قالت بعجزٍ:

"وما الفائدة بعد أن مات ياسين؟"

صرخ كرم:

" أنا عوقبت في اللحظة التي امتلكت بها حبيبتي يا ابن عزام، والآن لتنال أمي عقابها، ويسر أيضًا إن كان بقلبها لي ولو القليل"

صرخت منار، لم يبالِ لصراخها، ابتسم لرهف الجامدة بمكانها معتذرًا، ثم نظر ليسر طالت نظراته قال:

"يسر سامحيني"

"لن أفعل"

"يسر سامحيني"

"قلت لن أفعل"

"سامحيني، سامحي لاجئ استُهلكت روحه في بلاد الغربة، سامحي قلب أحبكِ بصدق، سامحي رجل قتل ابنة عمه حتى لا يصبح مغتصبها بعينيكِ، سامحيني يكفي رؤيتي لعشقكِ له بعينيكِ"

"لن أفعل لتبقى تحترق هكذا"

صرخت رهف ولأول مرة يطاوعها لسانها:

"سامحيه يا يسر لأجل خاطري سامحيه واتركيه للعدالة"

فكرت لثوانٍ ثم قالت:

"سأسامحكَ فقط حتى تتخلى عن عنادك حتى تنال عقابك، حتى تُحاكم، وتراك منار خلف القضبان بلا حيلة، كما حدث مع أمي سامحتك حتى أُثأر لأمي"

قال وقد أصبح جسدًا بلا روح، ظل لرجل ليس له وجود:

"ستنال منار عقابها الآن عندما ينتحر ابنها كما انتحر ياسين"

صرخ:

"حمزة رهف لا ذنب لها لا تتركها ستحتاجكِ من بعدي، رهف سامحيني صغيرتي أنتِ ملاك بحكايتنا، ولا يمكن لملاكٍ العيش بين الشياطين، ماما أتخلى عن حياتي نتيجة لأفعالكِ، وأنتِ يا يسر لقد أحببتكِ كما لم يفعل أحد، أفنيت عمري من أجلكِ، تذكري هذا جيدًا"

صوب فوهة السلاح نحو صدره فوق قلبه تحديدًا، اختلج قلب منار وتوجهت نحوه إنها أم رغم كل شيء، ومن يرى كرم يُدرك ما سيقدم عليه، وبسرعة البرق دوى صوت إطلاق النار بالمكان ليسقط كرم على الأرض ومعه رهف بنفس اللحظة، وتصل يسر إليه قبل منار، افترشت الأرض بجانبه، قالت وهي تميل برأسها إليه:

"ماذا فعلت يا غبي؟"

قال بصوتٍ متقطع:

"صوبت على قلبي الذي عشقكِ حد الجنون، عاقبته"

قالت وهي تضع يدها على كتفه:

"كرم تماسك، ليطلب أحدكم الاسعاف"

همس لها:

"فات الأوان، سو سامحيني"

"سامحتكَ سامحتكَ، يكفي أن تتماسك أنظر رهف بحاجتك"

"ضميني إليكِ لأموت بين يديكِ، لأغادر الحياة ورائحتكِ تملأ صدري"

عانقت رأسه وضمته إلى صدرها وقالت :

"ستكون بخير من أجل رهف"

مد يده ليمسك بيدها، مرر أصابعه على النجمة القابعة بإصبعها، تلك النجمة التي طالما حلم أن تصبح له، لكن سرقت عداوة منار وسمية منه حلم الاجتماع بنجمته، أشعل قربه من يسر قلب مراد بالغيرة، ابتسم لها، اختلطت بسمته بدمائه، همس وهو يلفظ آخر نفس له بين يديها:

"أصبحت بخير"

قالها وأغمض عينيه، ليعاقب منار، ليأخذ بثأر سمية، ليرد لياسين حقه، ليظهر براءة ياسمين، لتتحقق العدالة الإلهية، لتعيش رهف بلا شقيقها، لينتصر مراد، أغمض عينيه لتخسر يسر قلب أحبها بصدقٍ، ليتأكد مراد أن يسر وإن تظاهرت أنها تخلصت من عشق كرم ليست سوى كاذبة كبيرة، أغمض عينيه ليضيف إلى قصص العشق الخالدة قصة، قصة عاشق مات من أجل ألا يموت بعين محبوبته.

*********************
إلي هنا ينتهي الفصل الحادى والثلاثون من رواية أفيندار بقلم صفية الجيار
تابعوا صفحتنا على الفيس بوك للمزيد من القصص الرومانسية
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

يسعدنا تلقي اقتراحاتك أو تعليقك هنا

الاسمبريد إلكترونيرسالة