-->
U3F1ZWV6ZTMzNTg0ODE3NzI1X0FjdGl2YXRpb24zODA0Njk2NDgxODg=
recent
آخر القصص

رواية وصية والد بقلم على اليوسفى - الفصل السادس

مرحباً بكم أصدقائي وأحبابي عاشقي القراءة والروايات الرومانسية في موقعنا قصص 26 مع رواية جديدة من روايات الكاتب علي اليوسفي ووالذى سبق أن قدمنا له رواية أشلاء واليوم سنقدم لكم الفصل السادس من رواية وصية والد بقلم على اليوسفى هذه القصة مليئة بالعديد من الأحداث والمواقف المليئة بالكثير من الرومانسية والعشق.

رواية وصية والد بقلم على اليوسفى - الفصل السادس

اقرأ أيضا: روايات رومانسية

رواية وصية والد بقلم على اليوسفى

رواية وصية والد بقلم على اليوسفى - الفصل السادس

 ظلت تمشي بلا هدى او وجهة محددة وبداخلها شعرت ببعض الندم ،ضياء إنه ذلك الشاب الكامل تقريبا وحلم كل فتاة ،، لا زالت تذكر أول مرة قابلته فيها عندما حضر إلى المشفى منذ أربعة أعوام ،كان شاباً هادئاً خلوقاً ،لازالت تذكر كيف أنها كلما تلاقت نظراتهما كانت ترى في عينيه مشاعراً يختصها بها وحدها ،لربما لو كانت في ظروف أخرى لفتحت قلبها له ،لكنها أقسمت أن تغلق هذا القلب إلى غير رجعة.


كم هو عجيب أمر هذا القلب!! كيف له أن يعشق من يجرحه يؤذيه ويتخلى عمن يكرمه ويحفظه؟؟


ابتسمت بسخرية عندما خطرت في ذهنها تلك الكلمات ، حقاً إنه لأمر غريب!!!.


انتبهت إلى اقتراب الشمس من مغربها فقررت العودة إلى المنزل، استغربت أن لا أحد قد كلمها أو حادثها على الهاتف، أخرجت هاتفها من الحقيبة لتعلم أنه مُطفأٌ وقد نفذ شحنه، زفرت بضيق وهي تدفن رأسها في مقعد سيارتها خلفها، لا شكّ أن عليا غاضبة الآن.


دلفت إلى المنزل بخطى مترددة، لاحظت الهدوء المسيطر عليه فقررت الهروب الى غرفتها فورا.

ماإن وضعت قدمها على الدرجة الأولى من الدرج حتى سارعت تصعد بسرعة قبل أن يأتيها صوتٌ جمّد خطواتها، كان صوت عليا وقد صدق ظنها، فهي غاضبة!!.


أغمضت عينيها بقوة تحاول أن تتنفس بمشقة، سمعت طرقات خفيفة علي الأرضية اللامعة فعلمت أنها لقدم عليا وهذ يعني أنها تنتظر إجابةً على سؤال لم تسأله بعد.

ابتسمت بتوتر وهي تستدير لتقابل والدتها، اهتزت ابتسامتها المتوترة أصلاً عندما رأت هذا الغضب الذي يغطي قسمات وجه والدتها التي كانت ترمقها بنظرات حارقة ، ازدردت ريقها بوجل ثم تمتمت بكلمات سريعة متلاحقة: أنا آسفة أمي حقاً والله لقد تأخر الوقت دون أن أشعر.


وضعت عليا يدها على خصرها وهي تزفر من أنفها، ضيقت عينيها وهي تسألها بجدية مخيفة: أين كنتي إلى الآن آنسة أماليا؟؟


هل قالت آنسة؟؟؟

إذاً هذا يعني أنها تعلم الإجابة مسبقاً لكنها تختبرها، ازدردت ريقها مجدداً وهي تقول: لقد شعرت ببعض التعب والإرهاق أمي، لذلك تركت المستشفى ورحلت لأستنشق بعض الهواء النقي.


تخلت عليا عن قناع البرود وهي تصرخ بها وقد أسبلت ذراعيها: ولم تكلفي نفسك عناء أن ترفعي هاتفك وتخبريني أماليا؟؟؟ هل لديكِ فكرة عن كمِّ الخوف والتوتر الذي أصابنا انا ووالدك عندما طلبناكِ في المشفى لنعلم أنكِ قد غادرتِ منذ ست ساعاتٍ كاملة ولا أحد يعلم أين ذهبتِ؟؟!! من ثم أين هاتفك أصلاً؟؟ لمَ هو مغلق؟؟


علمت الآن كم القلق الذي سببته لعائلتها دون سبب مقنع تقدمه لهم، سارعت مع سؤالها الأخير تخرج الهاتف من حقيبتها وترفع أمام والدتها لتهتف بعجالة: لقد نفذ شحنه أمي والله ولم أنتبه له.


لم تَلِنْ قسمات والدتها لسماع عذرها الواهي، فقطعت الأربع درجات الفاصلة بينهما حتى وصلت إليها ثم أضافت بهمس: أعتذر إليك أمي فعلاً، أقسم لكِ أنني لم أقصد أن أخيفك عليّ بهذا الشكل.


ارتخت ملامح عليا لتتحول إلى العبوس وهي تردف لائمةً: لقد أوقعتي قلبي أماليا أتعلمين هذا؟؟؟ألف فكرةٍ وفكرة جرفتني وأنا أهاتفك لأجد جهازك مغلقاً؟؟


تنهدت بأسى من نفسها ،يبدو أن حياتها كلها انقلبت رأساً على عقب ،فمذ أن رأته لم تذق طعم الراحة، ابتسمت بخفة وهي تمسك بيديّ والدتها، قبلتهما ثم غمغمت باعتذار: آسفة أمي مرة أخرى، لم أقصد أن أقلقكِ ،صدقاً.


طالعتها عليا بشيءٍ من الذهول، هذا الهدوء غريبٌ على أماليا، بل تصرفاتها كلها غريبة إن صحّ التعبير، استشعرت أمراً مريباً تخفيه خاصةً وأنها بدت كمن يهرب يوم أمس من خطبة شقيقتها، لكنها لن تُبين ذلك لها الآن على الأقل، رسمت ابتسامة فاترة على محياها وهي تربت على ذراعها بحنوّ: تعلمين حبيبتي كم أخاف عليكِ ،حتى لو هاتفتني صباحاً لكن هذا لم يمنع قلقي.


بادلتها بابتسامة مُتعبة فأضافت: والآن هيا اصعدي إلى غرفتك لتنالي بعضاً من الراحة.

عقدت حاجبيها وهي تردف: لكن أريد أن أرى أبي أولاً !؟


كتفت يداها أمام صدرها لتقول بنبرة هادئة: والدك في غرفة مكتبه مع السيد قاسم.


هزّت رأسها بتفهم ثم تنفست بعمق وهي تضيف: حاضر أمي، وأرجوكِ لا أريد لأحدهم أن يوقظني على العشاء.


استدارت هاربةً هذه المرة إلى غرفتها قبل أن تسمع توبيخاً من والدتها لقلة طعامها، دلفت إلى غرفتها لتسند رأسها على الباب بعد أن أغلقته، شعرت ببعض الدوار لقلة النوم، فدخلت إلى الحمام لتزيل عن نفسها آثار يوم أمس.


..................................................


جلس أدهم إلى سريره يطالع ذاك الملفّ الذي أحضره له أحد معارفه عنها، كم شعر بالفخر وهو يقرأ سيرتها الذاتية كم كانت مُشرّفةً، طبيبة شابة لم تتعدى الثلاثين لكنها ناجحة بكل المقاييس، ابتداءً من عمليات التلقيح الاصطناعي التي قامت بها في المشفى حيث تعمل، وفي عيادتها الخاصة أيضا حيث نالت شهرة كبيرة ليأتي نساء عرب ويطلبن الاستشفاء لديها.


كم شعر بالرضى عنها وعما حققته، لاحت منه نظرة ناحية خزانة أوراق خاصة به، تنهد بقوة وهو يتحدث نفسه بابتسامة جانبية: ألم يكن من المفترض أن أكون بجانبك عندما تنجحين بكل تلك الإنجازات ؟؟؟


أغمض عينيه وهو يحمل تلك الصورة الوحيدة التي استطاع الرجل ان يلتقطها لها وهي تجلس في سيارتها، ضمها إلى قلبه وهو يستلقي على فراشه، فتح عيناه ليطالع السقف هامساً بعذاب: آه ياحبيبتي لو تعلمين كم تألمت في غيابك، لو تعلمين أن هذا القلب مافتئ يخفق باسمك وسيبقى كذلك إلى أن يتوقف عن النبض.


اعتدل في جلسته وقد تجهم وجهه بجدية، كان يفكر كيف سيلتقيها في الغد، وهل ستستجيب له؟؟ كان هذا الهاجس يقلقه بشدة، لملم أوراقه مع الصورة ليقف متجهاً إلى خزانته، فتحها ليطالعه عدة ملفات خاصة بالعمل وبعض المال ،وكذلك صندوق أزرق مسّد عليه بحنان، وضع الأوراق فوقه وهو يتنهد بقوة، إلى لقاء الغد !!.


..........................................................................


_وقد اتفقنا بأن نقيم حفلة الخطبة بعد عودة ريما زوجة أدهم، ونحدد حفل الزفاف فيما بعد.


ختمت نور حديثها بابتسامة متسعه بعد أن قدمت الى غرفة شقيقتها لتخبرها بتفاصيل الحدث أمس بعد مغادرتها، تبسمت أماليا نصف ابتسامة وهي تربت على ذراعها مُردّدةً: مبارك حبيبتي، أتمنى لك التمام على خير.


بادلتها نور ابتسامتها لتردف: أشكرك أماليا.

ثم أضافت بنبرة ذات مغزى : وأتمنى أن أفرح بك قريباً أيضاً.

غابت ابتسامتها لتعقد حاجبيها بضيق، علمت نور أنها أفسدت الجلسة بينهما فحاولت الاعتذار: أعتذر أماليا صدقيني لم أقصد....


رفعت يدها في وجهها لتقاطع اعتذارها: لا بأس نور،.

زفرت بملل وهي ترفع كتفيها بقلة حيلة: يبدو أنّني قد حصلتُ على لقب العانس بجدارة.


تقطبت ملامحها بانزعاج وهي تنهر أختها: لا تتكلمي هكذا أماليا، فأنت طبيبة ناجحة جداً وصبية بارعة الجمال، لكنك من يدفن نفسه.


قهقهت ساخرةً ثم عقبت: تقصدين أنني أدفن رأسي كالنعامة؟؟؟

ضحكت نور على كلماتها وهو تحرك رأسها بيأس، رانَ الصمت بينهما وبدت نور كمن تريد سؤالها عن أمرٍ ما، كان التردد واضحاً على محياها فانتبهت أماليا لذلك، زوت مابين حاجبيها لتسألها : مالأمر نور؟؟


انتبهت لنفسها فرسمت ملامح الهدوء على وجهها وهي تشير لها نافيةً، ثم غيرت دفة الحديث لتقول بحماس مُصطنع: أتعلمين؟؟؟ سأبدأ بالعمل في الشركة مع أمي ابتداءً من الغد.


طبطبت على كتفها قائلةً: هذا أفضل ماقد تفعلينه عزيزتي، فمن الأفضل أن تتدربي لتتولي أمور الشركة وتريحي والدتنا قليلاً.

أماءت لها برأسها وقبل أن تتحدث بأي كلمةٍ أخرى صدح رنين هاتفها، ابتسمت بسعادة وهي ترى رقم مجد يهاتفها على تطبيق( الواتساب فيديو)

فرفعت الشاشة أمام وجه أختها مرددة بفرح: هذا مجد يهاتفني.


تصنعت ابتسامة فاترة على محياها وهي تراقب خروج نور من غرفتها راكضة لتحادث خطيبها ، غابت ابتسامتها وهي تزفر من أنفها بضيق، رمت ثقلها على سريرها لتطالع السقف لثوان، ثم عادت بها ذاكرتها إجباراً إلى ذلك المشهد، الذي تجاهد لنسيانه وحذفه من رأسها أبداً.


Flash Back.


وقفت فتاةٌ مراهقة لم تتخطى الثامنة عشر من عمرها، تشبه أماليا إلى حدٍّ كبير على جانب الطريق وهي تراقب رجالاً بدوا كأنهم ينقلون أثاثاً ما، لم تعبأ بكل مارأت فعيناها كانتا تبحثان عنه تحديداً ، ابتسمت بسعادة سرعان ما خبت عندما رأته، كان واقفاً على الجانب الآخر من الطريق مولياً إياها ظهره، لكنه كان يلبس ملابس سوداء ،استغربت وهي تعلم أنه يمقت هذا اللون تحديداً، لم تفكر أكثر فرفعت هاتفها لتطلب رقمه.


كان أدهم ذو الثمانية عشر عاماً يقف مراقباً عملية نقل الأثاث بجمود عندما صدح رنين هاتفه، تطلع إلى الشاشة ليرى رقمها، زفر من أنفه وقد تردّد بالإجابة وهو يعلم أنها لن تكفّ عن الاتصال به ،كما لم تفعل طوال الأسبوع الماضي، يعلم أنها تنتظره فليضع حدّا لانتظارها هذا أفضل.


أجاب الاتصال وقبل أن يتحدث جاءه صوتها الملهوف الذي لطالما عشقه :أدهم، أدهم أخبرني هل أنت بخير؟؟ اشتقتُ لك حبيبي.

أغمض عينيه بألم ولم يستطع التفوه بحرف، في حين تابعت هي : أخبرني أين كنتْ؟؟ انقطعت أخبارك عني منذ أسبوع وأنا لا أعلم عنك شيئاً؟؟ أخبرتني أنك ذاهب للقرية لكنك تأخرت كثيراً؟؟


انتظرت ردّه لكنه لم يردّ، بل الحقيقة كان يقاوم عبرةً تحارب أجفانه للتحرر، أضافت أماليا بابتسامة واثقة: ألن تبارك لي نجاحي أدهم؟؟ لقد نجحت بمجموعٍ عالٍ يؤهلني لدخول كلية الطب، وأنت أيضا حبيبي، أخيراً سنرتاد كلية الطب سويا كما خططنا .


بقيت تنتظر إجابته بتلك الابتسامة التي غابت عندما لم تسمع منه، ساورها القلق فهمست بوجل: أدهم لمَ لا تجبني؟؟ من ثمّ أخبرني لمَ تلبس الأسود وانت تكرهه بشدة؟؟


اتسعت عيناه تزامناً مع آخر كلماتها، إذاً هي هنا في مكانٍ ما ، التفت للخلف عندما أنبأه قلبه بمكانها، وجدها تقف على الجانب الآخر من الطريق لا يفصلهما سوى الشارع، هذا ظاهرياً، أما الحقيقة فهي أن الفاصل بينهما كبيرٌ ، كبير جدا.


بقي يرمقها بنظرات صادقة ، يقسم أن قلبه قد انشطر نصفين عندما التقت عيناهما ورأى منظرها المُشعث ومظهرها الغير مهندم وكأنها لم تنم منذ زمن، تحامل على نفسه ليخرج من فمه بضعة كلمات كانت أحدّ على كليهما من حدّ السيف: أماليا كل شيء بيننا قد انتهى، أنا تزوجت فانسني وامضِ في طريقك، أتمنى لك السعادة في حياتك.


أنهى المكالمة دون أن يقطع اتصال نظراتهما، يقسم أن نظرة الخيبة التي رآها في عينيها تلك اللحظة قد جعلت قلبه يزجره بقسوة، كأنه سيخرج من بين أضلاعه ليستقرّ بجانبها فيبقى بجوارها، أخرج شريحة الهاتف ليرميها أرضاً ، ثم استدار صاعداً إلى منزله ليتركها خلفه هكذا ببساطة.


لا تعرف كلمات في الكون قد تصفُ حالها في تلك اللحظة، تزوج؟؟ من ومتى وكيف وأين؟؟؟ حقاً لاتعرف .

لقد وعدها قبل سفره إلى القرية بأنه سيتقدّم لخطبتها فور صدور نتائج الشهادة الثانوية، ليتمكنا من ارتياد كلية الطب معاً، غاب أسبوعاً واحداً ليعود ويخبرها بأنه قد تزوج؟؟ وأن مابينهما قد انتهى؟؟؟ ثم يطلب منها ببساطة أن ترحل وتنساه؟؟ وهل يمكن لمخلوقٍ أن ينسى قلبه؟؟؟


ألم يكن يعلم ذاك الأحمق أنّ دقات خافقها تنبض باسمه؟؟ أدركت يومها أنها قد نسيت، لكنها نسيت قلبها هناك، نعم فمازال فؤادها عالقاً في تلك الذكرى.


.................................... ........


عادت أماليا من ذكرياتها لتفتح عيناها على وسعهما، تنفست بعمق و قد شعرت بدموعها أغرقت خديها، مسحت أدمعها بعنف وهي تنهر نفسها كيف انجرفت خلف هذه الذكرى دون إذنٍ منها ، غضبت من نفسها حين وجدتها تفكر فيه لاشعورياً ،أخرجت زفرةً حارة من فمها ثم اعتدلت في رقدتها، يجب أن تنام لتريح عقلها المسكين، الذي لم يذق طعم الراحة منذ يومين كاملين .


...........................................................................


صباح يوم جديد، يحمل معه أولى بشائر وصول الشتاء الشيخ، فالشمس مختفية خلف غيوم الخريف الكهل الذي يهدد بالمغادرة، والرياح الخفيفة تحمل معها رائحة المطر، يبدو أنها ستمطر الليلة.


وصل أدهم إلى المشفى حيث تعمل أماليا، سار بخطوات مترددة صوب الاستقبال ليسأل الموظفة : مرحباً آنستي ، هلّا ارشدتني إلى مكتب الطبيبة أماليا الصاوي؟؟؟


ابتسمت تلك الموظفة بخفة لتتحدث بتهذيب وعملية اكتسبتهما من عملها ،وهي ترفع سماعة الهاتف: بالطبع سيدي، هلّا أخبرتني بالاسم ؟؟؟


علم أنها تطلبها لتخبرها مؤكد ستسأل عن الاسم فهتف سريعاً : لا لا .

خشي أن تشكك الممرضة بأمره فرسم بسمة مرتبكة ثم أضاف معقباً : الحقيقة أننا اصدقاء ولم أراها منذ زمن طويل، وكنتُ اودّ أن اجعلها مفاجأة لها .

كذب وإنه لمن الصادقين!!!


تحدثت الممرضة بتفهم: اها، لا مشكلة أستاذ، الطابق الثاني الباب الرابع يميناً.

شكرها بأدب ثم سار حيث أخبرته .


...........................................................................


كانت في مكتبها تحاول ترتيب بعض الملفات الطبية لمرضاها في حاسوبها الشخصي في غرفة مكتبها، عندما سمعت صوت طرقاتٍ خفيفة على بابها فصاحت تلقائياً : ادخل.


فُتح الباب لكنها لم تقطع تركيزها بما تفعله، عدّلت نظارتها الطبية قبل أن تجفل عندما سمعت صوتاً رجولياً يصدح بالقرب منها: صباح الخير.


تجمدت أطرافها عندما قابلت رماديتاه زرقاوتيها، تسارعت نبضاتها بشكلٍ مفرط وشعرت بالدماء تصعد إلى رأسها وأصبح صوت تنفسها السريع مسموعاً كأنها في سباق حقيقي.


_ شعر بقدميه أصبحتا كالهلام عندما فتح بابها ، دقات قلبه العنيفة يكاد يُسمع صوتها عندما تلاقت أنظارهما ، قلقٌ بالغ سيطر على قلبه عندما رأى وجهها الشاحب ،وهو يقسم أنه ليس ذات الوجه الذي رآه منذ يومين فقط، ولم تكن تلك العينان متعبتان كما يراهما الآن .


عيناها تنذران بالشرّ ، ثارت أمواج بحرها الصافي لتختلط بنيران غضبٍ أرعن وهي تراه أمامها، أجفل عندما أتاه صوتها الغائم: خيراً؟؟؟


كلمة واحدة استطاع من خلالها أن يفهم كم هي غاضبةٌ لرؤيته الآن، قلبه يتسارع رغماً عنه شوقاً لها، لكن الآن ليس وقته هو، لقد خسر فرصته منذ زمن، المهم الآن هو مجد، مجد فقط ولا أحد آخر.


استجمعت قواها لتنطق بكلمتها الغاضبة مجدداً بصوتٍ أقوى، لكنّ ذاك الأحمق يقف كتمثالٍ حجري أمام بابها دون أي ردّة فعل، قطعت اتصالهما البصري عندما أخفضت أنظارها إلى حاسوبها، ثم هتفت بحدة أقل: خيراً ياسيد أدهم؟؟ إن كنتَ مريضا أو بكَ علّةٌ ما فأنت مخطئٌ في العنوان، هنا طبيبة نسائية.


تنفس بعمق ثم نطق يسألها بحنان لم يستطع إخفاؤه: كيف حالك؟؟

رفعت عينيها إليه لثانيه ثم عادت وأخفضتها لتردف: أعتقد أنني أخبرتك أنكَ مُخطئ في الغرفة.


نبرتها الجافة تكاد تقتله، فتقدّم بضع خطوات قائلاً بثبات : لا ،انا اشتكي من شيء، بل أتيتُ لأتحدث معكِ أنتِ.


شعرت بخافقها الهادر يزداد اضطراباً عندما أصبح يقف أمام طاولتها الخشبية لكنها تصنعت عدم المبالاة ، اعتدلت لتقابله وهي تعقد أصابعها ثم سألته بنبرة لا تعكس الحروب داخلها : وماالذي يجبرني على سماعك ؟؟؟


تنفس بارتياحٍ طفيف ليجيبها وشبح ابتسامة يلوح على شفتيه وهو يردد: للأسف لا خيار بديل أمامك، فالموضوع متعلقٌ بنور ومجد.


ضيقت عينيها بتفرس كأنها تحاول الولوج إلى عقله ثم هتفت بجمود وهي تشير إلى الكرسي أمامها: اجلس.

جلس ثم تبسم بخفة وهو يتمتم بصوتٍ خفيض: أولا أعتذر لقدومي دون موعدٍ مسبق و...

قاطعته بجمود وابتسامة صفراء وهي تخلع نظارتها: لا يهم،فقط اعتدت قلة الذوق منك.


حسناً توقع لقاءً أفضل وكلماتٍ أرقى، نظر لها بغضب حاول كتمانه ثم أضاف : على أية حال، كما أخبرتك فقد أتيتُ بخصوص موضوع مجد ونور.


صمت قليلاً ليستجمع شجاعته ويحاول ضبط أنفاسه المتلاحقة وترتيب كلماته التي بعثرتها نبرتها الحادة، ضاقت به ذرعاً فقالت بخشونة: لو سمحت يااستاذ، ليس لديّ النهار بطوله لأجلك ،فهلّا أخبرتني مالذي تريده بسرعة؟؟؟


نظرها بدهشة من تقلبها السريع فقال باستنكار طفيف: أنا فقط أحاول أن أرتب أفكاري وأجد الكلمات المناسبة لأوصل لك ماارغب بقوله؟!!!

عقبت ساخرةً: اها، وهل وجدتها؟؟


تململ في جلسته من وقاحتها، ثم نطق بسرعة وهو يتحاشى النظر إليها: لقد أتيت لأخبرك بأن حياة مجد ونور لا علاقة لها بما حدث بيننا في السابق، فأرجوكِ لا تحاولي إفساد سعادتهما وتدخليهما بيننا.


.........................................


طال الصمت بينهما فقطب جبينه بشك، رفع أنظاره ليجدها تطالعه بدهشة وقد اتسعت عيناها عن آخرهما، فغرت فاهها وهي تردد بصدمة: لم أفهم، هل حضرت تظن بأنني قد أفسد حياة شقيقتي لأجل ماضٍ مع إنسانٍ نذل؟؟

ابتسمت بتهكم لتضيف: لماذا؟؟ أظننتني حقيرةً مثلك.؟؟؟


لم يستطع كبح غضبه خاصة بعد أن قامت بإهانته فصاح بها غاضباً: أماليا احترمي نفسك رجاءً.

ضربت بيدها سطح المكتب وهي تصرخ به:أنت من يجب أن يحترم نفسه يا استاذ، أسمي الدكتورة أماليا، إياك أن تنسى نفسك أبداً.

قالت آخر كلماتها وهي ترفع سبابتها في وجهه

بتحذير.


سدّد لها نظرة مُغتاظة ثم تمالك نفسه، أردف بابتسامة بلاستيكية : حاضر، دكتورة أماليا.

صمت مجددا ثم تحدث بنبرة لينة عله ينجح باستمالتها : ماحدث بيننا في الماضي قد انتهى وولى، لكن نور ومجد يحبان بعضيهما كثيراً وإن كنتِ قريبة من شقيقتك كفاية ستدركين صحة حديثي، صدقيني حرام أن نضيع سعادتهما ببعض، نحن ماضٍ وهما الحاضر والمستقبل.


حاولت تهدأة أنفاسها الثائرة فعقبت بنبرة هادئة تحاول أن تخفي غضبها: والمطلوب؟؟

اخذ نفسا عميقا ثم تحدث: لا داعي ليعرفا القصص القديمة.

علا صدرها وهبط بسرعة تناغمية، وحده الله يعلم كم ضغطت على نفسها لتمنعها من قتله للتوّ، فهي الآن تضغط على جرحها لئلا تقوم بارتكاب الجريمة ،ضيقت عينيها ثم شبكت يداها على الطاولة أمامها وتحدث بهدوء وعقلانية: أولا نور شقيقتي

وانا أكثر من قد يخشى على مشاعرها ،و من البديهي أنني أريد مصلحتها .


لا ينكر إعجابه بقوة شخصيتها التي تصنعتها أمامه، نظر إلى أصابعها المعقودة ليراها تحرك السبابة والوسطى سوياً كما كانت تفعل في السابق، يبدو أن له ذات التأثير عليها، فيما تابعت حديثها : ثانياً، لقد قابلّتُ مجد عدة مرات وقد التمست حبه لشقيقتي،وأنه يستحيل أن يوجعها يوماً أو يؤذيها ، لولا هذا لكنتُ تصرفتُ معه بشكلٍ آخر عندما علمتُ أنك شقيقه..


اقتربت بجسدها منه قليلا ثم قالت: ثالثاً، انا لستُ مستعدة لأن اخسر اختي واجعلها تهجرني وتكرهني بسببك، كما أنني قد كرهتُ الرجال بسببك أنت أيضا.


اندهش مما سمعه منها، وزادت دهشته عندما أضافت بهمس: أما رابعا و هو الأهم مما سبق كله، فما من شيء اسمه نحن وكنا، لأنه باختصار لا يمكن أن تجمعنا كلمة واحدة ،لا وجود لمسمى ماضينا سوياً ، لأنني لا اذكر أية شيء قد يربطنا ، والفترة التي تكلمت عنها لقد محيتها من ذاكرتي نهائيا، يعني انت بالنسبة إلي لا شيء، لا ماضٍ ولا حاضر، ومن المؤكد أنك لن تكون مستقبلا .


نطقت آخر جملها بتمهلٍ شديد وهي تضغط على كل حرف بها قاصدةً إيلامه، وقد نجحت بجدارة.


كان يناظر عمق عينيها بدهشة عظيمة، غير مصدّق أن هذه الكلمات صدرت عنها هي ،أيعقل؟؟


حسناً في النهاية لم تتوقع بأن تأخذه في الأحضان بعد تلك السنوات!!، لكنها أن تكون بهذه القسوة معه؟؟؟

لا، لم يتوقع ذلك أبداً.


قطع اتصالهما البصري عندما أخفضت أنظارها إلى الحاسوب مجددا وهي تقول ببرود: شرفت.


رمشت عيناه وهو يتحامل على نفسه ليخرج من المكتب، قبل أن تنفجر أعصابه التي جاهد في كبحها.


ماإن خرج من مكتبها حتى تنفست الصعداء، فقد أُرهقت نفسيا وجسديا لوجودها معه بغرفة واحدة، أطلقت العنان لدموعها علها تغسل بعضاً من أوجاعها، لعلها!!!!!


.......................................


كيف لها أن تكون بتلك القسوة عليه؟؟ بحقّ الله أتعتقد أنها الوحيدة التي عانت وتألمت؟؟


قاد سيارته عائداً إلى منزله ،وهو يحاول لملمة شتاته التي بعثرتها كلماتها الحادة، واستجماع ماتبقى من قواه، صعد إلى غرفته كأنه بحاجة ما يكذب ادعاءاتها بأنها نسيته، أخرج صندوقه الأزرق كعينيها وفتحه ليستخرج رسائلها الورقية، مرّر أصابعه على أحرفها التي خطتها بيديها، نفرت دمعةٌ حزينة من رماديتيه وهو يخاطب أوراقها: لقد حرقت كل شيء، حتى الذكريات!!!!!.

*********************
إلي هنا ينتهي الفصل السادس من رواية وصية والد بقلم على اليوسفى
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

يسعدنا تلقي اقتراحاتك أو تعليقك هنا

الاسمبريد إلكترونيرسالة