قصص 26 قصص 26

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

يسعدنا تلقي اقتراحاتك أو تعليقك هنا

روايات كاملة / رواية أرض زيكولا بقلم عمرو عبد الحميد "الفصل التاسع والعشرين"

مرحبا بك عزيزي القارئ فى روايات كاملة فى هذه الرواية الكثير من الأسماء هذه الأسماء لا علاقة لها بأي أسماء على أرض الواقع 

الفصل التاسع عشر 


كان ما حدث من أمر الجنود صدمة بالنسبة لـ خالد .. ووقعت كلمات قائدهم على سمعه كالصاعقة التي أنسته كل شيء من حوله .. وحاول أن يتملّص من الجنود الممسكين به ولكنه لم يستطع واقتادوه معهم إلى قصر كبير يوجد بالقرب من الطرف الشرقي للمنطقة الغربية .. ثم أدخلوه إحدى غرف القصر الخالية بالطابق السفلي .. وأوصدوا بابها الحديدي من خلفه فأصبحت إضاءتها شاحبة يغلبها الظلام .. فجلس بأحد أركانها ووضع رأسه بين يديه وكأن صدمته شلّت تفكيره .. ثم نهض مجددًا واتجه نحو الباب الحديدي وصاح : 
- لابد أنكم مخطئو ن .. لابد أنكم مخطئو ن .. لابد أن أغادر .. 
حتى سكت فجأة حين سمع صوتا من خلفه : 
- تغادر إلى أين ؟! 
التفت خالد فوجد رجلًا يجلس بركنٍ بعيدٍ بالغرفة ولم تكن ملامحه قد ظهرت حتى اقترب منه فبدأت ملامحه في الظهور شيئًا فشيئًا ووجده رجلًا يبدو من هيئته أنه في الأربعين من عمره .. فسأله : 
- من أنت ؟ 
فرد الرجل في هدوء : 
- فقير مثلك .. 
فصمت خالد حتى سأله الرجل : 
- لماذا لا تجلس ؟! 
فأجابه : 
- أريد أن أخرج من هنا .. لابد أن أخرج .. 
فابتسم الرجل : 
- ليتنا نخرج جميعًا .. اجلس لا تضيّع وقتك .. طالما جئت هنا لم يعد لك أمل سوى أن يكون هناك من هو أكثر منك فقرًا .. ثم تابع بعدما صمت برهة : 
- أو يكون لك حظٌ مع الزيكولا .. 
فجلس خالد بجواره ثم سأله : 
- ما اسمك ؟ 
فر د الرجل : أنا جواد .. 
فأكمل خالد : ألا يوجد غيرنا ؟! 
فأجاب جواد : 
- انتظر .. مازال أمامهم يومٌ آخر حتى يأتينا أطباء منطقتنا .. وإلى أن يأتي الأطباء سيحضرون هنا الكثيرين من الفقراء .. ألم تشاهد تلك الأيام من قبل ؟! 
فأجابه خالد : 
- لا .. إنني أشاهدها للمرة الأولى .. إنني لست من أهل زيكولا .. 
فصمت جواد ثم ابتسم وأكمل : 
- كان لابد أن تحافظ على مخزونك من ذكائك ليوم مثل هذا .. 
فسأله خالد ساخرًا : 
- ولماذا لم تحافظ أنت على ذكائك ؟!! 
فأخرج جواد زفيرًا طويلًا ثم نظر إليه : 
- تستطيع أن تقول إنه القدر .. من كان يراني منذ أيام لم يكن ليظن لحظة واحدة أن أكون من فقراء زيكولا .. ولكنه الزمان ينقلب رأسًا على عقب دون مقدمات .. 
فقاطعه خالد : 
- تذكّرني بنفسي .. كنت أمتلك كثيرًا من الذكاء وقد فقدته أيضًا فجأة ولكن لسبب قوي .. فقدته من أجل عودتي إلى وطني .. أمّا أنت فلماذا فقدت ثروتك ؟ فأجابه : 
- إنها قصة طويلة .. قد تحكيها لمن تعرفهم إن نجوت .. تعلم عندي ثلاث وأربعون سنة .. ثم تنهّد وأكمل : 
- مثلي مثل رجال زيكولا .. كنت أعمل من أجل أن أعيش ولا آتي إلى تلك الغرفة يومًا .. لم أكن غ يا ولم أكن فقيرًا أيضًا .. كنت أعمل يومًا بيوم وأقضي حاجاتي التي تكفي لعيشي سعيدًا دون أن أدّخر شيئًا زائدًا عن حاجتي .. وطالما كان هناك الأفقر مني فلم يشغل لي الفقر بالًا .. حتى جاء يوم وأحببت فتاة هنا .. فتاة تسكن بتلك المنطقة وأصبح حلمى أن أتزوّجها ثم صمت فسأله خالد أن يكمل فأكمل : 

- كنت جريئًا للغاية فذهبت إليها وأخبرتها أننى أريد أن أتزوّجها .. ولكن أبيها طلب مهرًا باهظًا للغاية فابتسم خالد وقاطعه مجددًا بصوتٍ هادئ : 
- أعلم البقية .. ظللت تعمل من أجل هذا المهر حتى أعطيته لأبيها فجاء يوم زيكولا .. فأومأ جواد برأسه موافقًا على ما قاله خالد الذي أكمل قائلًا : 
- إنها تشبه قصّتى .. كلانا سعى من أجل ذلك المهر .. أنت من أجل حبيبتك .. وأنا من أجل عودتي إلى وطني .. 
فتابع جواد : 
- إنها تنتظرني .. إن خرجت من هنا سنتزوج .. إنها تحبني للغاية لقد أخبرتني أنها تريد أن تنجب أطفالًا يكونون من أثرياء زيكولا ..  
فساله خالد مندهشًا : هل ستترك أطفالك يعيشون هنا في زيكولا ؟!! 
فأجابه جواد : بالطبع .. 
فتابع خالد : 
- كنت أظن بعد وجودك هنا أنك إن نجوت من تلك المحنة ستغادر زيكولا بعدها .. 
فسأله جواد متعجبًا : إلى أين ؟!!.. إن زيكولا وطننا ونحن نحبها 
فنظر إليه خالد : إنكم تقتلون في وطنكم هذا .. 
فصمت جواد قليلًا وطال صمته تلك المرة .. ثم أكمل : 
- ربما تظن ذلك .. ولكن رغم ما أنا به فلا أعتقد أنني سأجد أفضل منها وطنًا لي .. 
ولأولادي .. لقد أعطتنا زيكولا الكثير .. أعطتنا القوة والفخر بأننا أبناؤها .. فخر يشعر به الغني والفقير .. ثم ابتسم وكأنه يتذكّر : 
- حين يذهب منّا المرء يوم فتح باب زيكولا إلى مدينة أخرى فإنه يتباهى أنه زيك ولي والجميع يقدّم له وافر الاحترام .. لا يستطيع أحد مساس شعرة من رأسه .. ثم أكمل : 
- أنا فقير اليوم .. وربما يختارني الأطباء بين الأكثر فقرًا وربما أذبح .. ولكني سأذبح من أجل سعادة حاكمنا بولده وكم نحب حاكمنا .. لطالما جعلنا حكامنا أقوياء .. 
فقاطعه خالد مندهشًا : 
- لماذا لا أراك قلقًا أو حزينًا ؟!.. كيف تمتلك هذا البرود ؟ فأجابه : 
- لا أخفي عليك كنت ممن يعملون بحرص ألا يأتوا هنا يومًا .. وسأفرح كثيرًا إن نجوت .. ولكنني أرى من العار أن أحزن إن لم أنجُ .. ثم نهض وتحرك خطوات مبتعدًا عنه فسأله خالد : 
- ألا تريد أن تعود إلى حبيبتك ؟! 
فتوقف جواد : 
- لقد عملت ما في وسعي وهي الآن تعلم كم أحبها وأعلم أنها ستفخر بي باقي عمرها إن كنت أنا الذبيح .. إنها تعلم أنني لم أكن كسولًا يومًا .. 
فتحدّث إليه خالد : 
- أتمنى أن تعود إليها وتنجبا أطفالًا ينعمون بذلك الحب .. ثم نهض هو الآخر وتحرك إلى ركن بعيد بالغرفة وأكمل بصوت يشوبه الحزن : 
- ولكنني لا أريد أن أُذبح .. أنا لست منكم .. أريد أن أعود إلى بلدي .. إلى أهلي .. 
سأشعر بالفخر حين أعود إليهم .. 
ثم سكت حين فُتح باب الغرفة وزجّ أحد الجنود بشخص شاحب اللون إليهم ثم أوصد الباب من خلفه .. 
كانت شوارع المنطقة الغربية مزدحمة بالكثير من أهاليها حين علموا بوضع زوجة الحاكم مولودها وحلول يوم زيكولا بعد أيام قليلة .. ويامن يتحرك بينهم يبحث عن خالد بكل مكان بعدما لم يعد إلى المسكن الخاص بأسيل منذ خروجه وظل يسأل من يقابله عن خالد .. ذلك الشاب الطويل العريض ذو الشعر الأسود الطويل واللحية السمراء الناعمة ولكن لم يجبه أحد .. وبدأ القلق يتسرب إلى قلبه بعدما وجد جنود المنطقة ينتشرون بشوارعها ويبحثون عن الأكثر فقرًا بينهم .. حتى تيقنت شكوكُه حين أخبره فتى صغير بأنه رأى خالدًا والجنود يجرّونه نحو قصر الفقراء .. فتسمّرت قدماه دون أن يدري ماذا يفعل .. 
عاد يامن إلى المسكن الخاص بأسيل على الفور .. وسأل خادمة هناك إن كانت أسيل قد عادت فأجابته بأنها لم تعد بعد .. فزاد توتّره وضيقه ولم يشغل باله سوى خالد الذي قد يُذبح بعد أيام ومصيره بيد أسيل وظل يتحرك جيئة وذهابًا لا يستطيع أن يتمالك نفسه .. بعدها أمسك بالورقة التي أسقطتها أسيل وخرج مسرعًا خارج المسكن إلى أطراف المنطقة الغربية حتى وصل إلى الطريق الممهد إلى المنطقة الوسطى وظل واقفًا على جانبه حتى تمر عربة متجهة إلى تلك المنطقة ..
يعلم أن الوقت قد تأخّر والليل يكسو زيكولا ولكنه لم يفقد أمله في ذلك .. حتى مرت أمامه عربة فطلب من صاحبها أن يصطحبه معه فرفض وكلما مرت عربة 
إما أن يرفض سائقها أو يخبره بأنه لن يمر بالمنطقة الوسطى حتى جاءت عربة يركبها عجوز يتجاوز عمره الثمانين فأوقفه يامن وحدثه :
- أريد أن أذهب معك إلى المنطقة الوسطى .. 
فأجابه العجوز : 
- إنني لا أصطحب غرباء .. ثم أكمل : 
- مالكم أيها الشباب لماذا لا تسيرون ؟!!.. إننى كنت في مثل عمركم أجوب زيكولا على قدمي .. 
فأجابه يامن: حسنًا .. سأجوبها على قدمي .. 
فأمر العجوز حصانه أن يواصل حركته وتمتم بكلمات وكأنه يسب يامنًا وتحركت العربة قليلًا ويامن ينظر إليه حانقًا .. حتى ابتعدت العربة عنه فأسرع خلفها وتشبث بمؤخرتها وظلت رجلاه تهرولان كي تجارى سرعة حصان العربة وكلما حاول أن يسندها على لوح خشبي بمؤخرة العربة تفلتان .. حتى استطاع أن يتشبث جيدًا وظل متشبثً ابها بينما يجلس
العجوز بمقدمتها ويضرب حصانه كي يسرع وبدأ يغني بصوته الضعيف المتقطع وكأنه يريد أن يؤنس وحدته ويامن يستمع إليه ويريد أن يضحك ولكنه خشى أن يعلم بوجوده .. فآثر أن يكتم ضحكاته بداخله .. 
مر الوقت وخالد حبيس بغرفة الفقراء وتزايد عددهم وبين الحين والآخر يفتح باب الغرفة ليُزج بفقير جديد إليهم ثم يوصد مجددًا .. وخالد يجلس بركنه صامتًا وينظر إلى جواد الذي كلما حلّ فقير بالغرفة يذهب إليه ليعرف قصته .. ثم يتحدّث إلى نفسه ويسألها : ماذا يفعل يامن؟ وماذا تفعل أسيل؟ وهل ستنتهي حياته في زيكولا أم أن هناك أملًا قد يغير ذلك المصير .. 
وصلت عربة العجوز إلى المنطقة الوسطى والتي سادها الهدوء والصمت .. ولم يكن بشوارعها إلا قليل من الجنود وحراس القصور المتواجدين بها والذين تظهر ملامحهم واضحة مع المصابيح النارية التي تنير شوارع تلك المنطقة .. وما إن أبطأت العربة حتى قفز يامن وترك العجوز يكمل طريقه دون أن يدري بوجوده .. ثم عدّل من ملابسه ونفض عنها ما أصابها من غبار وأسرع إلى قصر الحاكم فقابله أحد حراس القصر وسأله على الفور : 
- من أنت ؟ 
فأجابه يامن وقد علا صوته متحدّثًا بثقة : 
- أنا مساعد الطبيبة .. ثم صاح به : 
- ألم تعلم من أنا ؟!.. من أنت كي تسألني ؟! 
فأجابه الجندي : 
- أعتذر لم أكن أعرفك .. 
فرفع يامن رأسه : 
أفقر شخصا بزيكولا .. هيا .. 
فبدا التوتر على وجه الجندي : 
- حسنًا سيدي .. تفضل إنها بحجرتها ولكن لابد وأنها نائمة .. إن الشروق قد قارب .. 
فصمت يامن ثم أكمل : 
- إنني لا أستطيع الانتظار .. أخبر إحدى الوصيفات بأن تخبرها أن مساعدها ينتظرها بالأسفل لأمر هام .. 
فرد الجندي : 
- حسنًا .. تفضّل إلى أولى حجرات الطابق السفلي وستأتيك إلى هناك .. 
كانت أسيل تجلس بحجرتها وتقلّب أوراق خالد من جديد ويكسو وجهها حزن شديد .. حتى سمعت طرقات على باب حجرتها ثم وجدت إحدى الوصيفات تدل فإليها وتخبرها بأن مساعدها ينتظرها بالأسفل ويريد أن يخبرها بأمر هام فنطقت على الفور : 
- خالد !! 
ثم تمالكت نفسها وسألت الوصيفة : 
- ماذا يريد ؟ فأجابتها : 
- لا أعلم سيدتى .. إنه ينتظرك بالأسفل .. 
فصمتت برهة ثم أشارت إلى الوصيفة : حسنًا .. 
فغادرت الوصيفة .. وظلت أسيل كما هي تفكّر وتسأل نفسها : 
- ماذا جاء بك إلى هنا يا خالد ؟!! أعلمت أن أوراقك جاءت إلي صدفة فتريد أن تخبرنى أنها ليست أوراقك .. أم تريد أن تخبرني أنك حقًا تحب تلك الفتاة أمّا أنا فلا أمثّل لك سوى شخص تحب مساعدته .. 
ثم نظرت إلى مرآة أمامها وقالت : 
- ربما كانت ليست أوراقه حقًا .. 
- ربما أراد أن يختبر مدى حبي وغيرتي .. 
ثم عادت وسألت نفسها : 
- وماذا لو كانت تلك هي الحقيقة ؟.. ماذا لو كان يحب الفتاة الأخر ى ؟.. ماذا تفعلين ؟.. 
ثم نظرت نحو باب غرفتها : حسنًا .. سأنزل لأرى ماذا تريد يا خالد .. 
ثم بدّلت ملابسها وغادرت حجرتها وهبطت السلم إلى الطابق السفلي واتجهت نحو الغرفة التي أخبروها بأن مساعدها ينتظرها بها .. وما إن دلفت إليها وكادت تتحدث حتى فوجئت بأنه يامن : 
- يامن ؟!! 
فأجابها : نعم .. أعتذر أنني جئتك في هذا الوقت المتأخر .. 
فأكملت: حسبتك خالدًا .. 
فصمت ثم أكمل : 
- لقد أمسكوا بخالد من أجل يوم زيكولا .. 
فردّت : ماذا ؟!! 
فأكمل واجمًا : 
فصمت ثم أكمل : 
إلى بلده يا أسيل .. لقد وعدناه بذلك .. 
فأجابت أسيل في برود : 
- ماذا نفعل ؟.. أنت تعلم قوانين زيكولا أكثر مني .. 
فصاح بها : 
- نعم أعرفها .. ولكن عليك أن تفعلي المستحيل كي ينجو من تلك المحنة .. كيف أراك بهذا الهدوء .. وأنت تعلمين كم يحبك ؟!! 
فصاحت به : 
- يحبني ؟!! ثم ابتسمت ساخرة : 
- تقصد أنه لم يحب في حياته سوى منى .. حبيبة عمره .. أم تريد أن تُكذّب ما كتبه بين أوراقه .. 
فصمت مفكّرًا ثم أخرج ورقة من ملابسه : 
- اقرئي هذه الورقة .. إنها أيضا كتبها ولكنها سقطت منك حين جاءك جنود الحاكم .. ثم أعطاها الورقة وأكمل وهو يتجه نحو باب الغرفة : 
- لو علمت أن أحدا يحبني هذا الحب .. لفعلت المستحيل من أجله .. ثم غادر وأمسكت أسيل الورقة وقرأت ما بها وعلمت أنها تكملة لحديثه في الورقة السابقة لها .. وأنه يحبها منذ أن جاء إلى زيكولا .. فلم تستطع أن تتمالك نفسها وتساقطت دموعها بغزارة ثم أسرعت إلى غرفتها بقصر الحاكم .. تصعد درجات السلم بخُطى سريعة ودموعها على وجهها وسط دهشة وصيفات القصر الذي يملؤه الفرحة منذ قدوم المولود الجديد .. ثم دلفت إلى حجرتها ووضعت رأسها على سريرها وواصلت بكاءها .. 
أشرقت الشمس وتبعها نهار بطيء مرّ على خالد كسلحفاة تسير .. وانتشرت الأخبار في كافة أرجاء المدينة بأن فقراء زيكولا من الرجال والنساء قد جُمعوا بكل مناطقها وجميعهم ينتظرون الأطباء حتى يقلّصوا عددهم إلى أكثرهم فقرًا ومن بعدهم تقول الطبيبة أسيل كلمتها بشأن الفقراء الثلاثة الذين يتنافسون أمام الزيكولا .. ويامن لا يستطيع أن يتمالك أعصابه وينتظر ماذا سيكون قرار أطباء المنطقة الغربية في اليوم التالي .. وأسيل تنتظر في قصر الحاكم وتتوسل إلى الوقت كي يمر سريعًا والجميع يلاحظون توتّرها وتغيرها المفاجئ منذ قدوم مساعدها إليها .. 
في اليوم التالي كان خالد ومن معه من فقراء حبيسين بغرفتهم .. حتى فُتح بابها فجأة ودخل إليهم قائد الجنود وقال : 
- هيا .. ستُع رضون الآن على الأطباء.. 
اصطفّ الجنود صفّين بينهما ممر أمام الغرفة وبدأ خالد ومن معه يمرون بينهذين الصفّين .. حتى وصلوا إلى غرفه واسعة واصطفّوا بها كما أمرهم قائد الجنود ولاحظ خالد بأن هناك نساء شاحبات سيعرضن معهم على الأطباء .. 
وعلم أنهن قد حبسن بغرفة أخرى وبنظرة منه وجد عدد الفقراء والفقيرات لا يتجاوز العشرين فردًا .. ثم نظر إلى جانبه فوجد جوادًا فهمس إليه : 
- كم سيختارون منا ؟ فأجابه : 
- لا أعلم .. سيختارون أقلّنا ثروة .. 
حتى صاح به أحد الجنود بأن يصمت ثم دخل رجلان وعلم من يقفون بأنهما الطبيبان حين وجدوا زيّهما الأنيق وقمصانهما الراقية ونعالهما الفخمة .. ثم أشارا إلي الفقراء بأن يجلسوا وسأل أحدهما قائد الجنود بأن يأتي بهم واحدًا تلو الآخر .. 
بدأ الفقراء يتجهون إلى الطبيبيّن واحدًا تلو الآخر .. وخالد يراقب من بعيد ما يفعلانه وينظر إليهما وهما يفعلان مثلما كانت تفعل أسيل حين كانت تمسك بثنية من جلده لتخبره كم يمتلك من وحدات ذكاء .. ويراقبهما حين يمسك أحدهما بقلم ويدوّن شيئًا بأوراقه بعدما ينتهي من فحص أحد الفقراء وكأنه يدوّن ملاحظاته عن ذلك الفقير .. وقلبه يدق بقوة وينظر إلى جلد ذراعيه ويقارن شحوبه بشحوب من معه ثم ينظر إلى السماء ويدعو ربه أن ينجّيه من هذه المحنة حتى أمره جندي بأن يتقدم إلى الطبيبيّن وما إن تقدم إليهما حتى سأله أحدهما :
- هل أنت مريض ؟ فأجابه خالد : لا ..


ثم أمسك الطبيب بثنية من جلده وأمسك الآخر بثنية أخرى من جلد ذراعه بين أصبعيه .. ثم نظرا إليه يتأملانه ثم أمراه أن يعود إلى مكانه مجددًا .. فعاد وتحرك إليهما جواد الذي قابله مبتسمًا .. وظل الطبيبان يواصلان عملهما والوجوم على وجوه الكثيرين من الفقراء والفقيرات .. حتى نهض الطبيبان مجددًا ونظرا إلى أوراقهما وما دوّناه بها من ملاحظات ثم تحدّثا إلى قائد الجنود والذى بدوره اتجه إلى خالد ومن معه من رجال ونساء ونظر إليهم : 
- لقد أخبرنا الطبيبان من منكم الأكثر فقرًا .. 
- من ينجو اليوم عليه أن يعمل بجدّ كي لا يعود إلى هنا مرة أخرى .. ومن اختاره الأطباء سنصطحبه غدًا إلى المنطقة الوسطى حتى يُعرض على طبيبة الحاكم بعد غد .. وأتمنى أن يجد من هو أفقر منه هناك .. 
ثم نظر إليهم مجددًا واحتبست أنفاس خالد حين أشار إلى جواد: 
- أنت.. ستأتي معي إلى المنطقة الوسطى .. 
ثم أشار إلى خالد : 
- وأنت أيضًا .. ستأتي إلى المنطقة الوسطى .. أمّا الباقون فعليكم أن تعودوا إلى بيوتكم واحتفلوا مع أصدقائكم بمولود الحاكم .. 
فسقط خالد على ركبتيه : 
- أنا ؟!! 
فأجابه القائد : 
- نعم إنكما الأكثر فقرًا هنا .. هيا انهض .. ما زال أمامك فرصتان كي تنجو .. 
فنظر جواد إلى خالد وقد قلّ بروده وبدا متوتّرًا قليلًا : 
- يبدو أن أحدنا سيكون الذبيح أيها الصديق 

نرجوا أن قد تكون نالت على إعجابك أحداث الفصل التاسع والعشرين من رواية أرض زيكولا ولكم منا جزيل الشكر
ولا تنسي أن تشاركها مع أصدقائك وتشترك فى صفحتنا على الفيس بوك للمزيد من روايات كاملة
انتظرونا فى الفصل الثلاثون

عن الكاتب

mohamed rashad

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

قصص 26