-->
U3F1ZWV6ZTMzNTg0ODE3NzI1X0FjdGl2YXRpb24zODA0Njk2NDgxODg=
recent
آخر القصص

رواية أفيندار بقلم صفية الجيار - الفصل الثانى والثلاثون

مرحباً بكم أصدقائي وأحبابي عاشقي القراءة والقصص الرومانسية مع رواية اجتماعية واقعية ومثيرة جديدة للكاتبة صفية الجيار علي موقعنا قصص 26 وموعدنا اليوم مع الفصل الثانى والثلاثون من رواية أفيندار بقلم صفية الجيار

رواية أفيندار بقلم صفية الجيار - الفصل الثانى والثلاثون

اقرأ أيضا: روايات رومانسية

رواية أفيندار بقلم صفية الجيار

رواية أفيندار بقلم صفية الجيار - الفصل الثانى والثلاثون

 "عشقتك وهذه حقيقة لا يمكن لهم تدليسها، قمت بخيانتكِ؟ هذا الجرم أنا بريء منه، جرمي الوحيد أنني قتلتها بينما حاولت حمايتها، سو أنا لم أخفي الأمر حمايةً لأمي لا على العكس، أنا دفنت ذنبي بداخلي حتى لا أكون قاتلًا بعينيكِ، اخترت أن أصبح سارقًا ووغدًا على أن أكون قاتلًا، وقاتلًا لمن؟ لصغيرتنا ياسمين، ليكن عذري الوحيد بعينيكِ أنني حاولت ألا أسرق من رهف شقيقها، حاولت ألا أشوهني بعينيها، تراني سارقًا أفضل من أن تراني قاتلًا، الرحمة بقلبٍ أنهك من الركض والهرب يا ابنة عمي، نعم هربت بعيدًا، لكنني لم أتخلى عنكِ، سافرت حتى لا أنظر بعينيكِ لم أكن أتحمل أن أرى حزنكِ ودموعكِ، لو تركت الأمر لأمي لمنعت عنكم الخبز والماء، أموال والدكِ لم أسرقها استمررت باستثمارها طوال سنوات، كل أموالكِ بفوائدها بحساب بالبنك تركت تفاصيله لكِ، يسر أود أن تتأكدين من أمرٍ واحدٍ أنا لم أتخلى عنكِ، وظيفتكِ بالمجلة أنا من وفرتها لكِ، ضغطت على نبيل بجميع السبل حتى يقبل بتوظيفكِ، كنت أركض خلف أمي بكل جريدة تنشر لكِ إساءة أو خبر، كنت أتدخل وأوقف الحملات التي تشن عليكم، أنا فقط هربت، إما أهرب أو اعترف لكِ لذا هربت، كنت مطمئن أنكِ لي لكن فور زواجكِ من هذا الحقير، أقسمت أن أعود وأنتقم من أمي هي السبب في زواجكما، كنت أتطلع أن أصلح ما بيننا ونتزوج، يسر أن ترانا أمي يدًا بيد هذا أكبر عقاب لها، مع العلم عند قراءة هذا الخطاب ستكون نالت عقابها الأكبر، اعتذر آلاف المرات، اعتذر عن كل شيء أكثر شيء اعتذر عنه أنني سرقت منكِ أخوتكِ وابن عمكِ، سرقت منك عشق طفولتك، اعتذر عما حدث منذ سنوات وما حدث قبل قراءتكِ لهذا الخطاب.

أنا اتخذت قراري منذ عودتي، هذه الأرض لن تسعني أنا ومراد أحدنا سيتوقف قلبه عن عشقك، فقط الأمر متوقف عليكِ سامحيني يا يسر حتى لا يكبُر طفلكِ بدون والده، سامحيني واترك لكما الحياة، إن لم تفعلي سيغادرها هو، إن لم تسامحيني اعتذر منكِ لأنني سأسرق منكِ والد طفلكِ، واعتذر لنفسي لأنني سأصبح قاتلًا، وإن سامحتني هذا يعني أنني تركت الحياة تركتها لكم، لكن لن أسامحكم، لن أسامح من جعلني أراكِ بين يديه، يسر في كل الأحوال، إن كنت غادرت الحياة أو غادرها هو لا تحرمي رهف من عطفكِ وحنانكِ ستكون وحيدة وتحتاجكِ، ليس لها ذنب، ستضعف وتبكي، ستنهار يكفي ألا تتخلين عنها، آخر ما سأقوله أنا أحببتكِ كما لم يحبكِ أحد، وليتذكر هذا العالم الظالم أن البريء بحكايتنا ضحى بعمره حتى تسامحينه، أخبري صغيركِ أن أحدهم تمنى أن يكون والده لكن لم تسمح له الحياة بذلك"

نستطيع أن نقول هذه المرة العاشرة بعد المائة لقراءة يسر لكلمات كرم على مدار ثلاثة أشهر، حتى تواجدها بمنزل مراد لم يمنعها من ذلك، ما بينهما وما اكتشفه مراد لا يمكن لأحد تكذيبه، أراد أن يكتب لها هذه الكلمات حتى يخبرها حقيقة ما جرى، لكن الحقيقة لقد ترك لها كلماته كعقابٍ، عقاب لذنبٍ لم تقترفه، لقد كان موته عقابًا لهم جميعًا، عقاب قاسٍ جدًا لم يستطع أحد التغلب عليه، مكثت رهف منذ أن رأت شقيقها يستلقي على الأرض والدماء تسيل من قلبه وصرخات يسر تعلن عن مفارقته للحياة بمشفى للأمراض النفسية والعصبية، بعد أن تلبستها حالة من عدم التصديق رفضت موته، رفضت حقيقة والدتها، رفضت أن تموت ياسمين غدرًا وظلمًا، رفضت أن ينتحر ابن عمها بعد أن لم يصدقه أحد، رفضت أن يقابل شقيقها ربه منتحرًا، رفضت مواجهة ابنة عمها وزوجته، لكن قبلت حقيقة واحدة إنها العدالة الإلهية وظلت تردد تلك الجملة طوال الوقت، لكنها تماسكت بفضل مساندة حمزة لها بالإضافة إلى رعاية يسر رغم رفضها لذلك في بداية الأمر، أما منار فتم القبض عليها بعد اعتراف مراد بجريمته في تسجيل فيديو قام به بالفترة ما بين تركه لمنزل عمه والذهاب لملاقاة يسر، وقام بإرساله لمحامي العائلة مع تسجيل آخر لها وهي تتحدث معه عن تفاصيل الواقعة، وبذلك تم إنهاء الجدال حول جريمة قتل ياسمين التي أصبحت مكتملة الأركان بفضل اعتراف كرم، وستقضي منا ما تبقى من عمرها بين جدران السجون، أما عن نجيب فهو في طريقه لتخطي الأمر بعد أن عكفت يسر على الاهتمام به، لقد أصبح وحيدًا للغاية فقد ولده الوحيد، زوجته بالسجن وسيفعل ما بوسعه على ألا تغادره أبدًا، ابنته كانت على وشك أن تعود لحالة ظل سنوات يعالجها منها، قرر بيع فيلته والتخلص من كل أثر لمنار بحياته، وقطن بشقة قريبة للغاية من منزل أخيه طاهر، بعد سقوط أسهم شركاته وخسارته لأمواله ومكانته الاجتماعية بفضل ما نشر بالجرائد من حقائق وفضائح، إنها العدالة الإلهية حقًا.

لا نستطيع القول أن سمية سعيدة بما حدث، رق قلبها لرهف كثيرًا ودت لو تراجعت عن شكوى كرم، وارتضت بالأمر الواقع حتى لا تخسر تلك المسكينة شقيقها لكن عزائها الوحيد هو تحسن حال رهف، ومعاقبة منار على كل ما قامت به، وإظهار براءة أبناءها رغم تلك الغصة التي تعذبها لسنوات لقد قابل ولدها ربه منتحرًا ومصير ابن عمه كمصيره فدعت ربهما أن يرحمهما على ما قاما به.

دلف مراد إلى الغرفة يبحث عنها ليدعوها لتناول العشاء ولم يجدها ،فعلم أنها بالشرفة تتقوقع على نفسها وهناك ورقة مطوية قابعة بين أصابعها بينما عينيها تمارس ما تجيده منذ أشهر"البكاء بصمتٍ" هذه حالتها متى اختلت بنفسها، تقرأ كلمات كرم وتبكي لكن لا أحد يعلم هل تبكيه أم تبكي حالها أم تبكي عائلتها، في الحقيقة لم يحاول أحد سؤالها سوى خالها الذي اكتفت بأن تجيبه متى سألها"كرم لم يعاقب نفسه بل عاقبنا نحن" أما عن مراد فقد آثر الصمت كان يعلم أن إجابة أسئلته لن تروق له، اختار أن يكون مراد رجل المهام الصعبة سندها ووالد طفلها، الشخص الذي كرس حياته للاهتمام بها وبجنينها على أن يكون زوجها وحبيبها اختار أن يشهد رثائها لزوجها السابق على أن يعاتبها، خطى عدة خطوات نحو الشرفة واشرئب بعنقه فوجدها تجلس على الأرض ككل ليلة وخطاب كرم بين أصابعها تحركه بعنفٍ، لفت نظره جسدها الهزيل وعينيها الذابلتين زفر بضيق شعر أنه مقيد بكرامته، يرفض معاتبتها ويقتله حزنها على غيره، ظل لبرهة يفكر فيما سيفعل فقرر أن يبقى الحال كما هو عليه سيصبر وهي ستستمر في أخطاءها، نادى عليها قائلًا:

"يسر، إنه وقت العشاء الجميع ينتظركِ بالأسفل"

كاد يوليها ظهره لكن أوقفته كلماتها عندما قالت:

"مراد غدًا موعد الفحص الخاص بي ألن تأتي معي!؟"

قال متصنعًا عدم الفهم:

"أي فحص؟"

حاولت النهوض فأسرع إليها وحاول مساعدتها، حتى في غضبه وحزنه من تصرفاتها يحنو عليها ويبرهن لها حبه بشتى الصور، مظلوم مراد بحكاية أنهاها الثأر قبل أن تبدأ، فور أن استقامت، قالت بنبرةٍ يبدو عليها الغضب والغيظ:

"الفحص الخاص بمتابعة حملي ونمو صغيرنا أنسيت؟"

"حسنًا لتذهب معكِ مريم أو ماما"

ارتفعت نبرة صوتها أكثر وعاتبته:

"ولما لا تذهب أنتَ، ألست والده!"

الجميع يلاحظ تذبذب أفكارها وميولها، توترها وإخفاء مشاعرها، غرقها ببحر الأوهام الذي لم تستطع النجاة منه، لكن للصبر حدود وصبر مراد نفذ منذ وقت وتحمله لما تفعل خوفًا على جنينها فقط، صرخ بها:

"يسر أنتِ بحاجة لطبيبٍ نفسيٍ، أخشى أن يكون أصابكِ الانفصام، تودين الذهاب معي كزوج وزوجة إلى الفحص الدوري الخاص بطفلنا بينما تسهرين الليل تبكين رجل غيري وكلماته لا تفارق يدكِ"

أقترن حديثه الأخير بنظراته المصوبة على الخطاب التي ما زالت تمسكه بيدها، توترت أكثر وضغطت بأًصابعها على الورقة، خفضت بصرها إلى الأسفل خجلًا منه، فكرت قليلًا فأدركت أنها يتوجب عليها توضيح الأمور له فقالت:

"إن كان هذا يحزنك لِمَ لم تأتي وتعاتبني؟"

قال بصوت خفيضٍ:

"هناك أمور لا يمكن العتاب عليها، كحزنكِ وحدادكِ على ابن عمكِ"

"أنتَ قلتها ابن عمي ألا يحزن المرء على وفاة أحد أفراد عائلته"

"له مسمى آخر لا يطاوعني لساني على نطقه يا يسر"

التفت مغادرًا الشرفة وتابع:

"هيا يسر سيبرد الطعام لا أحب تناوله باردًا، كما تعلمين الأشياء إن حدثت متأخرة تفقد مذاقها"

فهمت من حديثه أنه يقصد أنهما تأخرا في الذهاب إلى الطبيب وذهابه معها لا فائدة منه، فأرادت أن تعطيه شعاع نور إما ينير به عتمته، أو يغلق البا ويعيش بالظلام؛ فقالت:

"أنتَ محق لا يمكنكَ الذهاب معي، إن كنت ترفض الذهاب للاطمئنان على صحة صغيركَ لن أجبركَ، عشت سنوات بمفردي أستطيع تدبر أمري من بعد الآن"

كاد أن يتحدث لكنها أسرعت لمغادرة الغرفة، لقد قررت إنهاء الحديث إلى هذا الحد لكن للحديث بقية وإتمامه الآن لن يجدي نفعًا.

تناولت طعامها في صمتٍ إن استطعنا القول أنها تناولته بالفعل لقد تظاهرت بذلك كما تفعل بالفترة الماضية بعد الضغوطات التي تتعرض لها من قبل مريم وشروق، ثم استأذنت لتصعد لغرفتها بعد أن داهمها النعاس وبشدة كما يحدث بالأيام السابقة، لم يفه مراد بحرفٍ لكن لاحظت والدته عدم سير الأمور بينهما على ما يرام فقالت:

"مراد ما بكَ لا توجه الحديث مطلقًا لزوجتكَ هل أنتما متخاصمان أم أن ما حدث أثر على علاقتكما؟"

"لا هذا ليس صحيحًا، فقط أتركها على راحتها فهي منشغلة بعائلتها منذ وفاة ابن عمها"

"هذا ما أتحدث عنه حذرنا الطبيب من ارتفاع ضغط دمها من الممكن أن يفقدها الجنين"

"ماذا أفعل أكثر؟ أعطيها الدواء في موعده واهتم بطعامها"

تدخلت مريم بالحديث وقالت:

"لكنه أخبرنا أن حالتها النفسية تؤثر عليها، كما تعلم ما مروا به ليس بقليل"

زفر بضيق ونهض وهو يقول:

"وماذا أفعل هل أّذهب إليها وأتوسل لها كي لا تحزن عليه!"

غادر مراد المنزل على وجه السرعة نافضًا من عقله تلك الأفكار الهوجاء التي تراوده، أراد بشدة الصعود إليه ومعاتبتها بل ومواجهتها بكل أخطاءها بحقه، لقد تمادت يسر فيما تفعل، لكن خوفه على صغيره أوقفه.

صعدت مريم ومعها صغيرتها ليان غرفة يسر بعدما أنهت طعامها، بقلبها بضع كلمات كانت تخشى قولهم منذ تبدل حال يسر لكن أيقنت أن وقت مواجهتها بأخطائها قد حان، طرقت على الباب طرقاتٍ خافتةٍ انتظرت أن تحصل على إذن من يسر للدخول لكن مرت لحظات صمت دون إجابة؛ فقررت الدخول، وجدتها تستلقي على الفراش وتواري وجهها خلف وسادة صغيرة، جلست بجانبها بعد أن وضعت صغيرتها على الأرض لتلعب كما يحلو لها، تظاهرت يسر بالنوم لكن مريم كشفت حيلتها وقالت وهي تربت على كتفها:

"إن كنتِ تظنينني مراد لقد ذهب ليس هناك حاجة لتظاهركِ بالنوم، مع العلم كيف يستأذن الرجل لدخول غرفته!"

ألقت يسر الوسادة بعيدًا عنها بإهمال وقالت بعد أن جلست تطالعها بحزن:

"دعينا لا نتحدث عنه"

"وعن من نتحدث إذًا؟"

" عن أي أحد، لنتحدث عنكِ"

"لا بل سنتحدث عنكِ يسر أتلاحظين؟ أنتِ تدفعين مراد بعيدًا عنكِ في أكثر أوقاتكِ احتياجًا له"

"أنا لم أدفعه هو من يرحل عني يومًا بعد يوم، وكأن ما حدث لا يكفيني"

ارتفعت نبرة صوت مريم وقالت وهي تشير بسبابتها:

"هذا هو، أنتِ لا تخفين حزنكِ رغم حساسية الموقف، رغم أن قلب مراد يتمزق لا تبالي، هل أخي يستحق منكِ كل هذا القدر من التجاهل؟"

تنهدت يسر بضيق وقالت:

"أنا مشوشة للغاية، هنا يؤلمني كثيرًا"

أشارت إلى قلبها وتابعت:

"أنا لا أحزن على كرم زوجي السابق وعشق طفولتي، بل أحزن على إخوتي وأبناء عمي أنا دفنت أربعة من عائلتي تحت التراب لما لا يفهمني أحد المسؤولية على عاتقي كبيرة، رهف تنهار أحاول مساندتها أقوم بما بوسعي لأقنعها حتى تتم زواجها من حمزة لعله يساندني قليلًا في حمل تلك المسؤولية، لا أستطيع مسامحة نفسي عما كنت أكنه بقلبي لياسين لقد ظلمته كثيرًا،أحزن أنه لقلى ربه منتحرًا رغم محافظته طوال عمره على تعاليم دينه، أفكر لو كنت صدقته من البداية لما أقدم على الانتحار، حتى كرم رغم أنه كان معتدل فيما يخص أمور الدين لكنه خسر كثيرًا عندما أنهى حياته ، مريم أنا كرهت يدي التي سالت دمائه عليها، من عانقته وبكيت عليه، من حملت رأسه بين يدي ليس كرم عشق طفولتي، لكن ابن عمي مظلوم رغم جرمه الكبير، أتعلمين الطامة الكبري أنني لا أبرئه من ذنب ياسمين ولا ألومه، أنا أقف على حافة السكين أنزف ولا أحد يقدر ما أمر به"

سالت دمعات مريم تأثرًا بحديث يسر فعانقتها وربتت على كتفها ثم قالت في محاولة منها لطمأنتها:

"دواء دائكِ بين يدي مراد أتعلمين ذلك"

كفكفت دمعاتها وقالت:

"أعلم ذلك، وددت كثيرًا أن يأتي إليَّ وأبكي بين يديه، أتخلص من تلك الأثقال التي أحملها بقلبي، إنها تجثم على صدري تقتلني، هناك كلمات لن أقولها لغيره....."

قطع وابل اعترافاتها صوت رنين هاتفها ليعلن عن مكالمة من خالها، أشارت بيدها علامة على رفضها للإجابة، فالتقطت مريم الهاتف لتجيب، نهضت مبتعدة قليلًا عن يسر التي ابتسمت لملاحظتها الانسجام الواضح بين مريم وخالها حتى وإن لم يعترفا بعد بذلك، وبعد حديث دام لدقائق مدت يدها لها بالهاتف وكأنها تضعها أمام الأمر الواقع، أجابت يسر مضطرة وقالت:

"كرم كيف حالك؟"

"بخير طمئنيني أنتِ كيف حالكِ، هل صحتكِ بخير؟"

"حمدًا لله"

"ما به صوتكِ أتبكين؟"

"وكأن العصفورة لم تخبركَ!"

"أنا لا أحتاج لعصفورةٍ تخبرني عن حال ابنة قلبي"

قالت والدموع تترقرق بعينيها:

"ابنة قلبكَ يؤلمها قلبها كثيرًا"

"إذًا غدًا بالصباح الباكر سأمر عليكِ لنتحدث سويًا"

"تعال حتى تصطحبني للطبيب إنه موعد متابعتي الدورية"

"ولما أذهب بكِ بكل مرة ليذهب معكِ مراد، يظنونني زوجكِ يا فتاة، لا يعلمون أن طفلكِ حفيدي"

حاولت تغيير مجرى الحديث كي تتهرب من سؤاله وقالت:

"عن أي حفيد تتحدث؟ من يراك يظن أنكَ ما زلت بعمر العشرين"

غمزت إلى مريم التي خجلت كثيرًا وتابعت:

"حتى أننا سنبحث لكَ عن عروس عما قريب"

اعتلت صفحة وجه مريم الحمرة لقد فهمت أن يسر تقصدها بالحديث فحملت ابنتها وقالت وهي تغادر الغرفة:

"أكملي حديثكِ سأخلد إلى النوم تأخر الوقت"

دار بين يسر وخالها حديث طويل انتهى على اتفاقهما أن يصطحب مراد يسر للطبيب هذه المرة.

**

كانت تمسك بهاتفها وهي تستلقي على فراشها في وهنٍ وحزن، تتطلع بشاشته وملامح وجهها تصرخ ضعفًا وقلة حيلة، بينما يتحدث معها بكل ما هو مفيد أو غير ذلك المهم أنه يتحدث طوال الوقت ولا يتركها دقيقة واحدة بمفردها، لقد أثبت حمزة صدق حبه لها، وأنه خير عوض من رب العالمين على كل ما مرت به، صمت للحظات وجاب الغرفة بعينيه ثم تابع:

"غرفتكِ الجديدة جميلة، لكن غرفتنا بالطبع أجمل بكثير ستعجبكِ كثيرًا ألا تودين رؤيتها؟"

تنهدت ثم حاولت وجاراته بالحديث:

"لم أعتد على هذا المنزل بعد، أشعر وكأنني غريبة به رغم وجود أبي معي"

"هذا لأنكِ لا تنتمين له"

"وإلى أين أنتمي أنا؟"

اعتدل في جلسته ثم أشار إلى قلبه وقال:

"إلى هنا مكانكِ هنا بين أضلعي، رهف تعالي أخبئكِ هنا"

فرت دمعة من عينيها وقالت:

"ليتكَ معي، لكن فكرة زفافنا الآن مستحيلة في ظل ظروفي، خاصة أنا سأتفهم الوضع إن خشيت الزواج من فتاة موصومة بوصمة عار كتلك التي وصمتني بها أمي"

عقد ما بين حاجبيه وأصبح الغضب جلي على ملامحه وقال:

"إن كنت أحترم قراركِ وأنتظر فيما يخص تحديد موعد زفافنا ليس مراعاة للظروف وحسب وإنما لأنني أعلم جيدًا أنكِ تستحقين أن تشعرين بالسعادة الكاملة في يوم كيوم زفافكِ، أنا أنتظر تحسن حالتكِ النفسية فقط وبعدها سأخطفكِ ونهرب من هنا، وإن تحدثتِ مرة أخرى بما ينسجه عقلكِ المريض هذا سآتي إليكِ وأحملكِ على كتفي وأذهب بكِ إلى منزلنا دون حفل أو أي شيء من هذا القبيل"

ابتسمت له ثم شدت للحظات وقالت:

"وهل للحفلات معنى بعد موت أخي"

"ألم نتفق؟ ستفقدين الذاكرة، هذه السنوات ستحذف من ذاكرتكِ"

"هناك قلوب لا نستطيع نسيانها، هناك جروح لا تندمل مطلقًا، هناك أعين لا نستطيع نسيان نظراتها الأخيرة، وأنا لا أستطيع نسيان نظراته"

"لم يفكر بكِ أي منهما عندما قاما بما قاما به منذ سنوات، أمكِ لم تفكر بكِ عندما دبرت المكائد، وأخيكِ عندما تخلى عن الحياة لم يفعل، لذا لن تفكري بأحد، رهف الغارق بالبحر يسعى للنجاة حتى وإن كان وحيدًا، أنتِ لست وحيدة معكِ رجل يقدم لكِ الدنيا بين يديكِ لما تحاولين الغرق؟"

ألمتها كلماته لكنها تفهمت موقفه إنه يحاول أن يخرجها من حالة الحزن التي تمكنت منها، فابتسمت له بحبورٍ وقالت:

"من الجيد أنكَ معي، من الجيد أنكَ زوجي"

"من الجيد أنكِ طفلتي المدللة"

قالت وهي تعتدل لتتابع ما يُكتب على شاشة الحاسوب المحمول:

"هيا لنشاهد ما خطته أفين هذه الليلة، إطلالتها بالفترة الماضية لن تعد تروق لي"

ابتسم لها وقال:

"وكأنها تتحدث عنكِ يا رهف، كلماتها باتت تشبهكِ كثيرًا، لولا أن البرمجيات تخصصي لشكيت أنكِ الفتاة التي تختبئ خلف ستار أفيندار"

ظهر عليها الارتباك وقالت مدافعة عن نفسها مما أثار ريبته:

"لو أنني أملك من القوة ما لدى أفيندار لما كان هذا حالي، هيا لنتابع لا تختلق أمور لا تمت للحقيقة بصلةٍ"

"تعجب من توترها وقال:

"لنتابع"

**أفيندار**

الليلة مميزة للغاية سيتذكرها متابعين أفيندار طوال العمر، ليلة من عمري وختامه مسك، الليلة لن نستعرض مشكلة ونبحث لها عن حلول، لن أعاتب ظالم لن أعانق مظلوم، لن تقوم كلماتي بدورها، فالمجروح هذه الليلة قرر التخلص من ألمه سيبتر عضوه المصاب كي يتخلص من عطف وشفقة الآخرين، المريض هذه الليلة لن يبحث عن ضمادة بأيدي طبيب لا يهتم لأمره، لن يسأل الحب والاهتمام، يكفيه مهانة، يكفيه خذلان، أودعكم وقلبي لا يقوى على فعلها، يرفض قلمي خط كلمة النهاية، لكنها العادة يا سادة لكل بداية نهاية، وكل نهاية بداية لحكاية جديدة.

فإلى متى ستقدم هذه المدونة الحب والمساعدة والاهتمام بينما الأيدي التي تخط تلك الكلمات المطمئنة تفتقر لتلك المشاعر التي تغدق بها قلوب لا تقل عنها حزنًا وألمًا؟ لقد كسرت قلمي وهذا آخر ما سأكتبه، لتنتهي أسطورة أفيندار، لترحل أفين، لن أخط بقلمي بعد الآن أحرف وكلمات تطيب جراح المجروحين بينما يدي تنزف، لا يوجد رسالة من إحدى أبطال أفيندار، أفيندار بذاتها ستكون بطلة الليلة، ولا يوجد مشكلة لأطرحها، المشاكل فاقت حد التحدث بها، لذا سأكتفي بخاطرتي، لتكون آخر لقاءاتنا كلمات لم أخطها بقلمي وإنما كتبت بدمي.

"افترقنا وما بيننا لم يكتمل فظننته انتهى؛ فانتهيت وانكسرت،

مارست هوايتكَ وعدت تلملم ما بعثره القدر، ما كُسر بعدكَ، لم تفرط بي؛ فاكتملت، وانتهى بي الحال بين يديك، استمد القوة من عينيكِ، لكنكَ تجيد الكثير من الهوايات، تجيد الرحيل كما تجيد العودة ولأنني أشبهكَ أقسمت بدرسٍ أخيرٍ سألقنكَ.

*********************
إلي هنا ينتهي الفصل الثانى والثلاثون من رواية أفيندار بقلم صفية الجيار
تابعوا صفحتنا على الفيس بوك للمزيد من القصص الرومانسية
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

يسعدنا تلقي اقتراحاتك أو تعليقك هنا

الاسمبريد إلكترونيرسالة